lundi 13 juillet 2009

عولمة وأمركة المنطقة العربية والمسألة القومية

سقوط الأقنعةالأمريكية
وجرائم حرب بالجملة

لم تخرج المنطقة العربية والشرق أوسطية، منذ فجر التاريخ، من دائرة الزوابع والصراعات الإقليمية والدولية. بحيث كانت ولازالت محط أنظار الدول العظمى والأمبراطوريات، لموقعها الإستراتيجي وممراتها البحرية وخيراتها، زيادة على ثرواتها النفطية التي تم اكتشاف باكوراتها منذ أواخر القرن19 وبدايات القرن20، مما جعلها عرضة للتحرش والإعتداء والغزو. فقد مر منها التاتار والوندال والرومان والفرس والبيزنطيون والعثمانيون والبريطانيون والفرنسيون.
وها هي ذا اليوم تشهد حروبا عدوانية تقودها الأمبراطورية الأمريكية من أجل إعطاء صياغة جيو- سياسية جديدة للمنطقة تتناسب ومصالحها السياسية والإقتصادية والإستراتيجية ومن أجل وضع يدها على الثروات النفطية الشرق أوسطية. فقد اعتبر قادة البيت الأبيض "أن حضورا دائما لأمريكا في العراق من شأنه أن يكون بمثابة"صعقة" لكافة دول المنطقة" تسهل عليهم تغيير الحكام فيها وتنصيب آخرين قادرين على السير في إطار النسق الجديد الذي تريد أمريكا فرضه على العالم .لذلك لم تكترث إطلاقا بالشرعية الدولية ولا بمعارضة حلفائها الأوروبيين ولا بالإحتجاجات العارمة للرأي العام العالمي والعربي ولا بمدى مصداقية تعلة "أسلحة الدمار الشامل" التي أثارتها لشن حربها العدوانية المدمرة على العراق واستعماره عنوة وتنصيب مجلس حكم استجلبت أغلب مكوناته من المهجر على ظهور دباباتها، ثم حكومة أغلب عناصرها عملاء للمخابرات المركزية الأمريكية، بمن فيهم رئيسها الذي يفتخر بعمالته لأجهزة مخابراتية متعددة.
لم تكتف أمريكا، منذ أن وطأت أقدامها العراق، بارتكاب الجريمة تلو الأخرى، غير عابئة بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي كانت رفعتها في وجه النظام العراقي. فقد مارس جيشها، بأوامر مركزية، التعذيب الوحشي ضد المقاومين العراقيين وتعمد الإعتداء على الذوات بما في ذلك الإعتداء الجنسي، الذي تورط فيه الغزاة البريطانيون أيضا. وجابت شهادات إدانة هذه الجرائم في حق الإنسانية العالم بأسره.
كما حاصرت فرق المارينز الفلوجة وعرضتها للقصف المدفعي والجوي والصاروخي لما يزيد عن ثلاثة أسابيع، بهدف إخضاعها وإطفاء روح المقاومة لدى الشعب العراقي. وهي الآن، تحاصر المقاومة الشيعية التي يتزعمها مقتدى الصدر في النجف وكربلاء.
واستعملت أمريكا في حربها العدوانية، في العراق وفي أفغنستان، مادة اليورانيون"المفقر"، عالية التدمير وذات إشعاعات نووية خطيرة على الحياة بمختلف أشكالها في دوائر فعلها. وتهدد هذه الإشعاعات المواطنين والغزاة على حد السواء بما قد ينتج عنها من أمراض وتشويه للناشئة.
يؤكد استعمال هذه الأسلحة مدى استخفاف سادة البيت الأبيض، وعلى الأخص منهم فريق الصقور، بالذات البشرية. وهي عقلية وروح تكشف عن الوجه الحقيقي لهذا الفريق، الذي مسك بالسلطة، منذ أن صعد بوش الى الحكم عن طريق انتخابات مشبوهة، كفريق فاشي وعنصري ومثير للحرب.
لقد تبخر وهم "الحرية والديمقراطية والرفاه الإقتصادي والإجتماعي وعصر نهاية الإيدولوجيات"، الذي كانت أشاعته النيوليبيرالية عند انهيار جدار برلين، مع الحرب الثانية على العراق واحتلاله عنوة، تماما كما حدث "للنظام العالمي الجديد"، مع حرب الخليج الثانية، التي شنتها قوات تحالف33 دولة، بزعامة أمريكا، على العراق، في مطلع التسعينات من القرن الماضي.
ولا يختلف إثنان على أن دخول أمريكا العراق باسم "تحرير" شعبه من دكتاتورية صدام، لم سوى تعلة واهية لغزوه وإخضاعه. فقد عرضته وتعرضه لدكتاتورية أفضع، دكتاتورية الحديد والنار والتقتيل والتجويع وانتهاك حقوق الإنسان على أوسع نطاق وضرب أبسط مقوماته الوطنية والحضارية والإنسانية .
كما أن دخولها العراق باسم "الحرب العالمية الثالثة" ضد الإرهاب ومن أجل التخلص من "أسلحة الدمار الشامل التي تمثل خطرا على أمنها القومي"، ليس سوى تبرير واه لغزوه باعتبارها سيدة إرهاب الدولة على النطاق العالمي زيادة على كونها الممول والمشجع للحركات الإرهابية باسم الدين الإسلامي في العالم ولا يمكن لأحد أن ينسى أن بن لادن صنعته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأن الطالبان هي التي رفعتهم الى السلطة….. إلخ.
ولا يخفى على أحد، أن أمريكا دخلت العراق غازية للإستحواذ على منابع النفط فيه وفي الخليج العربي وفي عموم منطقة "الشرق الأوسط الكبير". فاتبعت أسلوب دولة امبريالية عظمى، تتصرف بروح الأمبراطوريات القديمة وبأدوات دمار لم تسبقها لها دولة في العالم، تخضع الشعوب والأمم والبلدان وتدمر حضارات بأكملها، بلا تردد، دفاعا عن مصالحها التي أضحت عالمية.

حرب الإبادة الشارونية جزء من مخطط
الإخضاع الأمريكي للمنطقة

لقد عول الصقور على انتصار سريع وساحق في العراق آملين في أن يمكنهم من "دفع سيرورة السلام في المنطقة ويوفر(لهم) إمكانية فعلية لإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية فعلا"(القولة لبوش الإبن)، أي دولة على قياسهم عاجزة على الخروج من دائرة مشروع "الشرق الأوسط الكبير" وتابعة بصورة فعلية لإسرائيل. لذلك أعطوا الضوأ الأخضر لشارون كي يشن حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني ويحتل أراضيه المعترف بها دوليا ويجبر سكانها على الرحيل ويقيم مستوطنات جديدة ويشيد جدارا عازلا، في الضفة الغربية، يرمز للعنصرية والتعصب والعرقية، ويدمر الأحياء المتاخمة للحدود المصرية، في قطاع غزة ويخطط لحفر قناة "بحرية"حدودية عازلة. كل ذلك يحدث والعالم بأسره شاهد على مثل هذه الجرائم في حق الإنسانية، ومجلس الأمن والأمم المتحدة في عجز على اتخاذ قرارات قابلة للتنفيذ ضد الكيان
الصهيوني.
يرتكب الصهاينة، منذ أن كانت فلسطين تحت الإنتداب البريطاني، جرائم بشعة في حق الشعب الفلسطيني، بما فيها حملات الإبادة الجماعية، ودير ياسين وصبرا وشاتيلا وجينين شاهدة. ومع ذلك لم يتعرض أيا كان من مرتكبيها للتتبع من قبل محكمة العدل الدولية ولم تتعرض إسرائيل لعقوبات اقتصادية من جراء ذلك.
ولم يكفها ما قامت به من حروب واحتلال أراض الدول العربية المجاورة واغتصاب مزيد من الأراضي الفلسطينية، بل أقدمت، منذ أن دخل الجيش الإسرائيلي الضفة والقطاع، على تنظيم حملة مداهمات واسعة النطاق للإستحواذ على وثائق السلطة الفلسطينية وعلى تدمير كل البنيات الرسمية التي ترمز لها وأوقفت القادة الميدانيين للإنتفاضة والنشطاء. ومنذ عام تقريبا ربطت مع تقاليدها القديمة في الإغتيالات السياسية فسقط ضحيتها أبو علي مصطفي الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليأخذ مكانه الى جانب غسان كنفاني وكمال ناصر وكمال عدوان وأبوجهاد وقادة آخرين من منظمة التحرير. وفي الأشهر القليلة الماضية أقدمت على اغتيال الشيخ ياسين مؤسس حركة حماس وبعده بأيام أحمد الرنتيسي. وأصبح شارون يتوعد، عرفات، بالتصفية الجسدية علنا، متجاوزا بذلك كل الأعراف الدولية الخاصة بعدم تعريض حياة رؤساء الدول للخطر، تماما كما فعل أصدقاؤه في البيت الأبيض لما أوقفوا نوريغا وهو رئيس دولة وحاولوا اغتيال صدام مرارا عند غزوهم للعراق وحاولوا اغتيال القذافي في هجومهم على العزيزية وحاولوا الإطاحة بشافيز.
إن سياسة إرهاب الدولة التي يمارسها شارون تؤكد أنه يواصل التقاليد التي قام على أساسها الكيان الإسرائيلي كدولة، أي اغتصاب الأرض الفلسطينية عن طريق العصابات المسلحة وإقامة المستوطنات التي تتخذ كنقاط ارتكاز نحو مزيد من التوسع على حساب المالكين الشرعيين. ويواصل سلوك أسلافه كخارج عن القانون، لايحترم القوانين المؤطرة للمجتمع الدولي وأعرافه، بل يفرض عليه كل يوم واقعا جديدا يجعل منه قاعدة جديدة للمساومة والتفاوض.
وتحضى إسرائيل بمساندة غير مشروطة من قبل أمريكا التي ترفع في وجه كل محاولة لإدانتها حق النقض وتجعل من كل قرارات المجموعة الدولية في شأنها حبرا على ورق. وقد وصل الأمر بالرئيس الأمريكي الحالي، في الآونة الأخيرة، الى حد اعتبار "حق العودة" خرافة لا يمكن الأخذ بها، رغم أنه قرار أممي.

الشعبين العراقي والفلسطيني في الصف الأمامي لرد الهجوم الأمريكي- الصهيوني
على المنطقة

لا ينكر أحد أن الشعبين العراقي والفلسطيني يواجهان الهجوم الإستعماري- الصهيوني على المنطقة العربية بمقاومة تشتد ضراوة يوما بعد يوم.
فها هي ذا المقاومة المسلحة في العراق المحتل تتحول كل يوم الى حرب تحرير وطنية شاملة. فقد فرضت الفلوجة على العديد من القوى التي كانت التزمت الفرجة أو تعاونت بشكل أو بآخر مع الإحتلال، الإلتحاق بالمقاومة مباشرة وبفتح جبهات مواجهة خاصة بها. ولولا المقاومة في العراق، التي تديرها على نطاق واسع إطارات سياسية وحزبية وعسكرية تابعة للنظام البعثي المطاح به وقيادات شعبية وعشائرية ودينية وبعض القوى التقدمية والجناح الوطني من الحركة الشيوعية، لمدت أمريكا يدها الى سوريا وإيران وحتى الى ليبيا ولأصبحت نزعتها التحكمية أكثر وقاحة وصلف، بما في ذلك تجاه الدول العظمى.
فشلت أمريكا في تطبيق برنامجها بالسرعة التي كانت تحلم بها، بحيث أن مهمة تنصيب نظام تابع لها تلاقي عوائق جمة ومعارضة جدية من قبل أوروبا وروسيا على الأخص، وأن ضخ النفط العراقي في السوق العالمية لم يبدأ بعد على الصورة المأملة بل والأخطر من ذلك أن أسعاره شهدت ارتفاعا ملحوظا جعلها تتجاوز حدود الـ40 دولارا للبرميل الواحد.
وزيادة على ذلك فقد عجزت قوات الإحتلال على تحقيق قدر من الأمن يشجع المستثمرين على التوجه الى العراق، باستثناء الـ4000 مرتزق الذين يقومون بحماية المؤسسات والأشخاص الأجانب أو يقومون بمهمات خطيرة يصعب على الجيش الإستعماري القيام بها.
ولم تتوقف مصاعب أمريكا عند هذا الحد بل تعدته الى أن حلفاءها الأقربون بدأوا يغيرون موقفهم من مسألة توجيه عساكرهم للمشاركة في تركيع العراق ومنهم من بدأ بسحبها وأولهم الإسبان الذين كانوا في التحالف الثلاثي الذي قرر الحرب لما كان أزنار رئيسا للحكومة.
وفي فلسطين، ها هي ذا الإنتفاضة تقف في وجه مشاريع التصفية وتتصدى للغزو الشاروني وتدفع كل فصائل المقاومة الى التوحد حول راية واحدة والتخلي عن العمل الإنفرادي وتوجيه ضرباتها كل يوم أكثر ضد الآلة العسكرية الإسرائيلية والمستوطنات الجديدة في المناطق التي تعود بالنظر للسلطة الفلسطينية.
لم يدخر شارون جهدا من أجل إقامة دويلة فلسطينية تابعة لإسرائيل، فاستعمل الضغط والتهديد والوعيد والمناورية وتوجيه الضربات المحدودة، وحاول إضعاف الصف الفلسطيني بإثارة الإقتتال بين مختلف فصائله، ودفع الخلافات صلب منظمة التحرير حول المراكز الحساسة الى أقصاها، بعد أن تمكن بمعية أمريكا من إدخال "إصلاح سياسي على السلطة الفلسطينية"، وحاول إزاحة عرفات بالإعتماد على الوزير الأول. ولكنه لما فشل في هذا المسعى توجه رأسا الى إنجاز مشروعه بنفسه عن طريق التصفية الجسدية والإغتيال السياسي والإحتلال المباشر للضفة وغزة.
لقد شاء مجرى التاريخ أن أوكل للشعبين العراقي والفلسطيني مهمة المواجهة المباشرة، من مواقع أمامية، للتسلط الإستعماري التوسعي الأمريكي- الصهيوني على الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وأن يبوئهما مكانة المفرزة المتقدمة التي توضح السبيل أمام الشعوب العربية وسائر الشعوب والأمم المضطهدة في العالم.
وبالنظر لأهمية الصراع الدائر في العراق فأن تراجعا أمريكيا، تحت ضربات المقاومة، سوف يكون له أثره البالغ على الأوضاع الدولية وعلى الحركة الجماهيرية بوجه خاص، والشأن نفسه بالنسبة للوضع في فلسطين.


الإرهاب الديني : أسبابه وخصائصه
والجهات التي تقف وراءه

تمارس قوى عديدة الإرهاب الشنيع ضد المدنيين العزل باسم الدين وترتكب جرائم في حق الإنسانية بدعوى التصدي للإمبريالية والصهيونية، أو"للكفار واليهود". وقد طال هذا الإرهاب الأعمى بلدانا عربية وإسلامية وأخيرا السعودية وتركيا وسوريا وخاصة العراق الذي يعاني الأمرين من إلإستعمار الأمريكي – البريطاني والذي أصبح ميدان اختبار للفرق الإرهابية باسم الدين الإسلامي.
نحن ندين الإرهاب مهما كانت الإيديولوجيا التي يعتمدها ومهما كانت الجهة التي تقف وراءه، ونوجه أصبع الإتهام، في وجوده، للأوضاع التي ولدته. وهي، دون شك، الأزمة الإقتصادية والإجتماعية والقيمية وانسداد الأفق والضياع والهامشية والفقر والتشرد وضرب قيم العقل والإخاء والسلم وإشاعة الفردانية وإفراغ العلاقات الإجتماعية من مضمونها الإنساني وإشاعة روابط المصلحة والنفعية الصرفة، التي هزت البناء الإجتماعي والإقتصادي والقيمي للمواطن ودفعت به الى البحث عن حلول ماورائية كامنة في مخزونه الثقافي والروحي.
كما نوجه أصبع الإتهام للنظم العربية القائمة على أساس الدين أو تلك التي توظفه كإيديولوجية إخضاع وتصادرالحريات وتحرم شعوبها من التعبير عن إرادتها وتقمع معارضيها وتنظم تصفيتهم عن طريق التهرئة المادية والمعنوية والتجويع والمضايقة والإيقاف والتعذيب والسجن والمعاملة السيئة والأحكام القاسية التي تصل الى حد الحكم بالسجن المؤبد والإعدام.
إن انعدام الحريات واستغلال الدين من قبل الدولة، يشرع لبعض القوى السياسية التستر بالدين وتحويله الى أداة إيديولوجية رهيبة لتعبئة المستضعفين ضد الجور والفقر وللتبشير بعالم يسوده العدل الرباني المادي والمعنوي ويجعل منه وسيلة كفاحه ضد النظم القائمة.
وزيادة على ذلك فإن الحركة الديمقراطية، وعلى الأخص جناحها اللائكي، مازالت تعيش على وتيرة التشتت والفرقة فيما بين مختلف فصائلها والعزلة عن الشعب ومازالت تفتقر لبرنامج موحد بديل عن نظم الحكم القائمة وعن المشاريع الإستبدادية باسم الدين يخدم مصلحة الشعب والوطن ويؤهلها كي تتحول الى مركز استقطاب ثالث في المجتمع.
إن حالة الضعف والوهن التي عليها الحركة الديمقراطية هي التي تركت المجال مفتوحا أمام النظم القائمة كي تبقى في مواقعها لما يناهز عن نصف قرن وأمام الحركات الإسلامية كي تنتصب في مقام الناطق باسم الشعب والوطن وباسم الحرية والديمقراطية على مسرح السياسة الوطنية والإقليمية والدولية.
وفي كلمة فإن الظروف الذاتية والموضوعية للحركة الشعبية والديمقراطية هي التي مثلت الأرضية الخصبة لظهور الحركات الدينية، وعلى الأخص في المجتمعات العربية الإسلامية، في مقام البديل الناجز وهي التي خولت لبعض القوى الإنفلات في اتجاه أقصى اليمين لتتحول الى حركات إرهابية باسم الدين.
وينبغي أن ندرك جيد الإدراك أن هذه الحركات تجد التعاطف الكبير في الأوساط الشعبية المكبلة بمشاعر المهانة الوطنية والإذلال القومي التي ولدها حصار العراق وغزوه ومحاولة إبادة الشعب الفلسطيني على مرآى ومسمع من المجتمع الدولي.
وخطورة هذا النوع من الإرهاب هو أنه محصن بتبرير عقائدي ديني وبالتالي فإن سلطته على الإنسان تتجاوز ما يمكن أن يخوله له الإدراك العقلي. إذ يكفي أن يفتى في الأمر كي لا يتردد الإرهابي على الإقدام على أبشع الجرائم. ويكفي أن نشير، في هذا الصدد، الى ما جرى في الجزائر من عمليات تذبيح وتقتيل جماعية، تصفى عن طريقها عائلات وقرى بأكملها، والى عمليات 11 سبتمبر ومدريد والرياض والى فلسطين والعراق… إلخ.
ولا ندعي في العلم فلسفة، إذا قلنا أن حماية الشعوب والمجتمعات من هذا التيار، تكمن في إشاعة قيم العقل والحرية وفتح باب النقاش الفكري والسياسي على مصراعيه وتوفير الفضاءات اللازمة لذلك والسماح لقوى المجتمع المدني والسياسي كي تتحمل مسؤولياتها كاملة أمام الشعوب دون عائق. وعلى هذا النحو تكسب المجتمعات مناعة ذاتية لا تعادلها، في أي مستوى كان، الحلول الأمنية التي تتوخاها بعض الأنظمة.
إن المسؤول الأول على مثل هذا الوضع هي، مرة أخرى، النيوليبيرالية، لأنها مكنت قلة قليلة من تنمية ثرواتها بشكل خيالي، سواء أكان ذلك على النطاق المحلي أو العالمي، ورمت بالأغلبية الساحقة من البشر للعيش في ظل عدم الإطمئنان على المستقبل، وبما يناهز عن المليار والنصف الى العيش على حافة الفقر.
والأخطر من كل هذا، أن دولا كانت مولت وسلحت وسهلت عمل القوى الإرهابية الدينية، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا لضرب الوجود السوفياتي- سابقا- أو لإعادة ترتيب الأوضاع في بعض البلدان العربية والإسلامية العنيدة أو لمواجهة اليسار وإيقاف تنامي الحركة الإجتماعية وإغراقها في الماضوية كي تقبل بتنفيذ برامج الإصلاح النيوليبيرالية دون معارضة تذكر.
وكانت السعودية وإمارات النفط الخليجية ومصر شركاء أمريكا في تنظيم عمليات تفريخ هذا المارد، لما كانت المواجهة على أشدها في أفغنستان من أجل دحر الوجود السوفياتي. ولم تكتف بذلك بل أمعنت في مزيد إغراق الشعوب في متاهات الفكر الظلامي والماضوي عن طريق الفضائيات التي تشيع الخرافة وتقسم المجتمع الى مسلمين وكفار وتعيد صياغة العقليات العامة للشعوب والنخب بما يجعلها تقبل بالتطرف الديني وبالإرهاب الديني كمكونات عضوية من رد الفعل المشروع على الإضطهات الوطني والقومي والإستغلال والنهب المنظم للخيرات الوطنية.
ومما يشرع هذه الإختيارات الإرهابية باسم الدين، في نظر الشعوب، هي أيضا السياسة القمعية التي تنتهجها النظم القائمة في البلدان العربية الإسلامية.
لكن السحر انقلب على الساحر ونال كل نصيب مما زرع.
وكما هو معلوم، فقد كان ظهر صنف آخر من الإرهاب، أخذ شكل تصدير للثورة الليبية والإيرانية، غير أنه لم يأخذ الأبعاد التي أخذها إرهاب تنظيم "القاعدة"، وهو يعيش ردحاته الأخيرة.

الإرهاب الديني والنضال الوطني
الفلسطيني والعراقي

ويمكن القول أن أكثر أنواع الإرهاب المثيرة للجدل في جميع الأوساط، هو ذاك الذي تقوم به حركة حماس الفلسطينية وذاك المسجل على حساب المقاومة العراقية، باعتباره ملتصقا بنضال الشعبين الفلسطيني والعراقي ضد العنجية الصهيونية والأمريكية وبما ترتكبان يوميا من جرائم.

أ- على النضال الفلسطيني أن يستهدف أجهزة
الدولة الإسرائيلية والعصابات الصهيونية

تمثل الآلة العسكرية وأجهزة الأمن والمخابرات الركيزة الأساسية التي تقوم عليها دولة إسرائيل، وهي القلب النابض للوجود الصهيوني في فلسطين والشرق الأوسط.
ونود، بادئ ذي بدإ، أن نقدم التوضيح التالي، في شأن الموقف من الدولة الإسرائيلية.
إن هذه الدولة أو لنسميها "كيانا" أو ما طاب لنا من الأسماء، لها مؤسساتها السياسية، التنفيذية والتمثيلية، والقانونية والعسكرية والإدارية ولها حدود تتوسع باستمرار على حساب الشعب الفلسطيني وعلى حساب الدول العربية المجاورة ولها عضوية المنتظم الدولي. وهذه المؤسسات والوظائف والحدود والعلاقات الدولية، مجمعة، هي التي تعطيها صفة الدولة. وهذا "الكيان- الدولة" هو الذي يحتل فلسطين وينظم الإستيطان ويشرد الشعب الفلسطيني من دياره ومن أرضه ويرتكب جرائم الحرب في حقه.
والمنطق يقول أن النضال الفلسطني ينبغي أن يستهدف المؤسسات التي يقوم عليها هذا الكيان، كي يتمكن الشعب الفلسطيني من تحقيق تحرره الوطني والإجتماعي.
لكن وبما أن هذه "الدولة- الكيان" قامت على اغتصاب أرض من أصحابها وشردتهم ونصبت عوضا عنهم جماعات استجلبتهم من مختلف بلدان العالم موهمة إياهم "بأرض الميعاد"، فإن لها مليشيات مسلحة تحمي كل مستوطنة جديدة تقيمها وتسلط الإرهاب المنظم على الشعب الفلسطيني لإجباره على هجر أرضه ودياره ولتوسيع المجال الحيوي للمستوطنات.
ومن المنطقي، والحالة تلك، أن يستهدف النضال الفلسطيني هذه المليشيات كي يحمي نفسه من الإرهاب الصهيوني غير الرسمي ويمضي قدما في اتجاه تحقيق مطامح الشعب الفلسطيني المشروعة في التحرر الوطني والإجتماعي.
وبما أن هذا "الكيان- الدولة" قائم على أساس الدين -"اليهودية"- وعلى أساس الإيديولوجيا الصهيونية، فإن الجماعات الدينية المتطرفة والعنصرية المسلحة تمثل إحدى الدعائم السياسية الأساسية لهذا "الكيان"، والتي غالبا ما تلتجئ السلط الإسرائيلية لخدماتها.
ومن المنطقي أيضا أن يستهدف النضال الفلسطيني هذه الميليشيات المسلحة دفاعا عن الشعب الفلسطيني وحماية له من الإرهاب الصهيوني.
والى جانب هذا الكم الهائل من أدوات الإرهاب الرسمي وغير الرسمي توجد جماعات أخرى من المستجلبين، عمال ومثقفون وحرفيون وشغالون انجروا عقيديا وراء الدعاية الصهيونية وطمعوا في الجنة الموعودة، وهم اليوم يريدون العيش بسلام ويأملون في معالجة "وفاقية" مع الفلسطينيين، ومنهم من رفض المشاركة في أعمال "شارونية" ضد الشعب الفلسطيني بما في ذلك ضباط في الجيش الإسرائيلي وهم الذين تجمعوا بعشرات الآلاف احتجاجا على شارون منادين بالسلام الآن.
وعلى أساس هذه الفوارق في السلوك تجاه الفلسطينيين، في الصف الإسرائيلي، يتحدد الموقف من العمليات، إن كانت إرهابية أم لا.
إن العمليات التي تستهدف "جهاز القمع والإرهاب الصهيوني"، الرسمي وغير الرسمي، تدخل في إطار المقاومة والنضال الوطني، أما تلك التي تترك هذه الأجهزة بعيدة عن الأذاء وتستهدف مواطنين عزل، فتعد عمليات إرهابية صرفة تكون ذريعة لتكالب الآلة الصهيونية القمعية ضد الشعب الفلسطيني لا غير، ولتلحق به مزيدا من المآسي والآلام.
وبما أن العمل الإرهابي يقدم خدمات جليلة للفرق الأكثر تطرفا في البورجوازية كي تلتجئ لأشد الأشكال قهرا من بين أساليب حكمها، وانحيازا منا الى جانب الشعب، فإننا نقف ضد العمل الإرهابي حتى وإن كان في فلسطين.

ب- الإرهاب الديني يثير الشكوك
حول المقاومة في العراق

كانت العديد من الفرق الدينية الجهادية لبت نداء الدفاع عن بغداد ورد الغزاة على أعقابهم. لكن بغداد سقطت في ثلاثة أسابيع، وظل المتطوعون العرب والمسلمون، بما في ذلك الفرق الإنتحارية، يحملون سلاحهم، الى جانب الجماعات الإسلامية المتطرفة العراقية.
وبما أن سقوط بغداد حتم على حزب البعث الذي كان يحكم العراق وعلى ما يناهز عن الـ5000 رجل من رجالات النظام المطاح به، مسلحين ومدربين أحسن تدريب(حسب تقديرات أجهزة المخابرات المركزية الأمريكية وبعض الخبراء العاملين في العراق)، الإنطلاق في المقاومة شهرا بعد الغزو مباشرة. كما حتم على العديد من القوى الوطنية، بما في ذلك تلك التي كانت تعارض النظام البعثي، الإلتحاق بصفوف المقاومة. وحتم أيضا على شرائح عدة من الشعب العراقي الإنخراط في المقاومة، بعد مرحلة الذهول التي أصابتها من جراء سرعة الغزو وهوله.
وهكذا، منذ أن انطلقت المقاومة، انطلقت معها عمليات إرهابية استهدفت البعثة الأممية وكل وجود انساني أجنبي وبعض المواقع الحيوية التي يتواجد فيها الغزاة والمواطنون على حد السواء. فتردد اسم القاعدة بكثرة ولمع اسم الزرقاوي، وبصورة خاصة مع عمليات اختطاف الأجانب وإعدام البعض منهم بالذبح وبعث مختلف مراحل التنفيذ، في أشرطة مسجلة، الى مختلف وسائل الإعلام العالمية.
لا شك وأن جيش التحالف ارتكب أبشع الجرائم في حق الشعب العراقي، وفضاعات سجن أبو غريب التي تعتبر جرائم في حق الإنسانية شهادة على ذلك. والمثير للقرف أن عمليات الإعتداء الجنسي على السجناء والسجينات في هذا المعتقل أصبحت تجوب العالم عبر "أنتارنات"، بين الشواذ. ورغم ذلك، لا يمكن تبرير الإرهاب الذي يأخذ صيغ أعمال "إجرامية" باسم السياسة، يذهب ضحية لها مواطنون عاديون.
والخطر كل الخطر أن مثل هذه الأعمال، رغم وحشيتها، أصبحت تستجلب التعاطف الشعبي، لأنها تأخذ صبغة الثأر من الأعمال الإجرامية التي قام بها جنود الإحتلال وأصبحت تنسب للمقاومة العراقية. لا شك وأن الأعمال الإرهابية تربك الأعداء وتثير فيهم الهلع، لكنها لاتعبئ ولا تشرك ولا تنظم الشعب للمقاومة، باعتبارها أعمال تقوم بها أقلية مدربة. وتظل هذه القلة قلة معزولة عن معنويات الناس التي قد تتراجع بمجرد حدوث تغييرات في الأوضاع الموضوعية وحصول تسويات تجبر المقاومة على تغيير تكتيكها، فتخسر بذلك الجماعات الإرهابية الدرع الذي كانت تحتمي به وتجد نفسها عرضة للتدمير عسكريا. ويكفي أن نشير في هذا الصدد الى عمليات التصفية التي تلحق خلايا القاعدة في السعودية وتلك التي شهدتها التوباماروس في أمريكا اللاتينية والألوية الحمراء في أوروبا والجيش الأحمر الياباني والجماعات الغيفارية والقومية في العالم العربي، خلال السبعينات.
والخطر كل الخطر يكمن في حصول الخلط، لدى الرأي العام، بين المقاومة والإرهاب، بحيث إذا تغير موقفه من الثاني يؤثر بالضرورة على وضع الأولى، وإذا فشل الثاني يذهب الى ظنه أن الأولى هي التي فشلت.
نحن نقف الى جانب المقاومة في العراق والإنتفاضة في فلسطين، بقطع النظر عن الأساليب والأشكال التي تجري بها، لأننا مقتنعون أن كل شعب سوف يجد طريقه الخاصة للتحرر الوطني والإجتماعي والسياسي وسوف يقدم إسهامه الخاص في بناء صرح الحضارة الإنسانية بالسبل التي يرتئيها. ونؤكد أن موقفنا المبدئي، من حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ومناصرتنا لها، لا يجعلنا نغفل عن المضامين التي يمكن أن يتحقق بواسطتها التحرر الوطني. لقد أثبتت التجربة التاريخية لحركات التحرر من الإستعمار أن عدم ربط المهمة الوطنية بمهمة التحرر الإجتماعي والسياسي يؤدي حتما الى إقامة نظم دكتاتورية واستبدادية باسم الوطن أوالدين أو أولوية التنمية. لذلك فإن مشاركة حركات، في المقاومة في العراق وفي الإنتفاضة في فلسطين، تحمل مشاريع دينية، في ظل غياب بديل سياسي واقتصادي واجتماعي واضح، من شأنه أن يعرض تضحيات الشعبين العراقي والفلسطيني ونضالهما لخطر العودة الى عصور الإنحطاط والإستبداد باسم الدين.
إن الخطر حقيقي في العراق، فالبيت الشيعي في البصرة احتل مجال ممارسة سلطته بين الناس وعلماء المسلمين السنة، في مثلثهم، احتلوا مجالهم الى جانب شيوخ العشائر، وزيادة على ذلك فقد اقتطعت الفرق الدينية المتطرفة مجالاتها على الأرض التي أجبرت فيها قوات التحالف على التخلي عنها، ونذكر في هذا الصدد أن الفلوجة أصبحت تطبق فيها أحكام الشريعة. وبذلك أصبح من الصعب على أي سلطة في العراق أن لا تأخذ بعين الإعتبار هذا الواقع المستجد في ممارسة الحكم.
لذلك يكون من مصلحة المقاومة العراقية أن تضع خطوط التمايز بينها وبين الحركات الإرهابية وتقدم تقييما موضوعيا لتجربة الحكم البعثية وترسم بديلا وطنيا ديمقراطيا يعالج المعضلات الأساسية للمجتمع العراقي الدينية والإتنية والإجتماعية والسياسية. ومن واجبها الأوكد أن تتمايز مع أنماط الحكم الدينية والعرقية لأنها سوف ترمي بالمجتمع العراقي في أتون الحروب الدينية والأهلية. ويقودنا الإستنتاج المنطقي الى القول أن الدولة العلمانية الديمقراطية تمثل أفضل نمط حكم ودولة قادر على تأطير تناقضات العراق. وبمثل هذا الأفق يمكن القول أن الشعب العراقي قد يجد طريق التحرر الوطني والإجتماعي والسياسي وأنه قد يتجاوز مآسيه وعذاباته وأن لا تذهب تضحياته هدرا.

أي بديل يضمن حقوق الشعب
الفلسطيني الوطنية ويحقق السلام؟

مرت استراتجية الثورة الفلسطينية بمنعرجات وتغيرت عدة. ويعود هذا التغيير الى أسباب منها ما هو موضوعي ذي صلة بظروف النضال الفلسطيني وبضغط الدول العربية المتاخمة لإسرائيل والمضيفة للاجئين، وما هو ذاتي ويتعلق بتأثير تيارات إيديولوجية وسياسية عالمية وبتغيير الخارطة السياسية الفلسطينية على الميدان.
لقد مرت الإستراتيجيا الفلسطينية من رفض قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 1947 والنضال في سبيل استرجاع كامل فلسطين وإجبار اليهود المهجرين على العودة الى بلدانهم الأصلية، الى الدعوة لإقامة دولة علمانية على كامل أرض فلسطين تتعايش فيها مختلف الديانات والأعراق، وذلك مع مطلع السبعينات.
ومنذ أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات تعدلت هذه الإستراتيجيا بعض الشيئ، إذ بدأ الحديث عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته طبقا للقرارات الأممية. ونشير الى أن منظمة التحرير لم تقبل خلال هذه المراحل المتعاقبة الإعتراف بدولة إسرائيل، رافعة لاءاتها الثلاثة، لا اعتراف لا تفاوض لا سلام.
وفي مطلع التسعينات تركزت استراتيجية الثورة على إقامة الدولة الفلسطينية على الضفة والقطاع وعودة اللاجئين، الى أن أتت مفاوضات مدريد واتفاقية أوسلو، التي حملت منظمة التحرير على الإعتراف بإسرائيل والقبول بسلطة فلسطينية محدودة في مجال الذي حددته الإتفاقية.
لقد عانت منظمة التحرير ومازالت تعاني من تدخل الأنظمة العربية في شؤونها الداخلية، حتى أن البعض منها باسم "القومية" أو"جبهة الرفض" أو "دول المواجهة" أو"الدول العائلة"(السعودية والخليج النفطي) بعثت حركات فلسطينية تابعة لها تمويلا وتسليحا وجعلت منها طرفا في القرار الفلسطيني، زيادة على الضغط الذي تمارسه مباشرة، والذي تراوح بين المادي والمعنوي وبين التصفية الجسدية والعسكرية للوجود الفلسطيني وإيقاف وتعذيب الإطارات السياسية والعسكرية وملاحقتهم والتنكيل بهم وبذويهم. وإذا أضفنا الى هذا الوضع ما قامت وتقوم به إسرائيل من اغتيالات وإيقافات وملاحقات وتأطير أمني للمجتمع الإسرائيلي وعسكري للأراضي المحتلة إثر حربي67 و73، وإذا أضفنا أيضا الإغتيالات التي استهدفت بعض القادة والمفكرين والتي ارتكبتها حركات إسلامية، نفهم جيدا الأسباب الرئيسية المتعلقة بالعامل الذاتي للثورة الفلسطينية التي حكمت في عدم الإستقرار الإستراتيجي.
لكن ورغم قناعتنا بأن وضع الثورة الفلسطينية يعد من أعقد الأوضاع وأشدها خطورة وارتباطا بالأوضاع العالمية والإقليمية والخاصة بالأرض الفلسطينية، يتشابك فيها الديني والعقيدي والوطني والثقافي والإتني والإقتصادي والسياسي، منها الذي له صلة بالصراع المباشر ومنها الذي يرمي جذوره في التاريخ.
وبالنظر لهذا التعقيد البالغ الدقة والشمولية وحالة ميزان القوى المحلية والإقليمية والعالمية، فإن التمشي الأسلم هو تحقيق الهدف الإستراتيجي على مراحل، هو تقديم نموذج حل قادر على استيعاب مجمل التناقضات القائمة على الأرض الفلسطينية وعلى إقناع الشعب الفلسطيني واليهود بمختلف أوطانهم الأصلية والرأي العام العربي والعالمي، بأن التعايش ممكن والسلام ممكن وتحقق المطامح الوطنية الفلسطينية ممكن. ويتمثل هذا الحل في الدولة العلمانية الديمقراطية التي تقام على كل شبر يتم تحريره من الإستعمار الإستيطاني الصهيوني.
نحن نعارض الحلول الدينية والشوفينية ونساند الخطوات التي تقربنا من الحل العقلاني، بعيدا عن التطرف الوجداني وعن التصورات المثالية التي كلفت الشعب الفلسطيني غاليا وأجبرته على أن يبحث اليوم عن حلول منقوصة ومذلة أحيانا وفي غير صالحه البتة، مقارنة بتلك التي كانت متوفرة بالأمس.
نحن لسنا ضد "حماس" والحركات الإسلامية الفلسطينية لأن مرجعيتها دينية، بل لأنها تدعو الى إقامة دولة دينية على الأرض الفلسطينية ولأنها لم تدرك أن الشعب الفلسطني قد ذاق ذرعا من العبودية والإستبداد باسم الدين، التي كانت تارة باسم المسيحية وأخرى باسم اليهودية وثالثة باسم الإسلام، ولأنها لم تدرك أنه اليوم في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، الى التحرر من الإستبداد باسم الدين والى العيش في مأمن من الصراعات السياسية المتسترة بالدين.
نحن ضد"حماس" والحركات الإسلامية الفلسطينية لأنها لا تفرق بين اليهودي كمواطن وبين الأجهزة القمعية- الرسمية وغير الرسمية- للدولة الصهيونية، ولا تفرق، أيضا، بين العمل الإرهابي الإستفزازي والنضال الوطني.
إن خطورة طرح تحرير فلسطين وبناء دولة فلسطينية على أساس ديني، من شأنه أن يحول الصراع الفلسطيني والعربي الصهيوني الى صراع ديني "إسلامي- يهودي". وهو منزلق يطمس جوهر القضية، باعتبارها قضية تحرر وطني، ويكبل الشعب الفلسطيني بأثقال الماضي ويعرقله في سيره نحو التحرر الوطني والإجتماعي والسياسي.
وزيادة على ذلك، ونظرا للتعقيدات التي شهدتها هذه الرقعة من الأرض منذ أقدم العصور، يصبح الحل الأقرب للمنطق الذي بإمكانه إطفاء التناحر بين المعتقدات والديانات والأعراق، الذي يتواصل عبر مختلف الحقب التاريخية، في صيغ وأشكال مختلفة، هو ذاك الذي اهتدت إليه الثورة الفلسطينية في مطلع السبعينات من القرن الماضي، والداعي الى إقامة دولة علمانية ديمقراطية تتعايش فيه الأديان والأعراق على كامل أرض فلسطين. وهو، أيضا، الحل الذي اهتدت اليه الثورة في جنوب إفريقيا أمام الميز العنصري، ولتجاوز الأسس العنصرية والإستعمارية والفاشية التي كانت تقوم عليها دولة البيض، وهو في اعتقادنا الحل الأمثل للقضية الفلسطينية.
إن قوة الدولة العلمانية الديمقراطية تكمن في كونها تثبت الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، حتى وإن كانت منقوصة، وتنفي بمجرد وجودها كل كيان قائم على أساس الإضطهاد الديني أو العرقي أو العقيدي أو على أساس الإستعمار الإستيطاني، وتفتح الطريق أمام حل شامل يحقق إنسانية الإنسان.
وأخذا بعين الإعتبار، أيضا، أن الأوضاع في المنطقة بالغة التعقيد، سواء أكان ذلك، في علاقة بالثقل التاريخي الذي يكبلها أو بالمصالح المحلية والإقليمية والعالمية التي تتجمع فيها، فإنه من الأقوم، وقبل الوصول الى هذا الحل العقلاني والعلماني والديمقراطي، أن تعيش المنطقة مرحلة انتقالية يتحقق فيها جزء من المطمح الوطني الفلسطيني المتمثل في إقامة دولته، في المجال المخصص للسلطة الفلسطينية.
إن هذا الحل، رغم كونه منقوصا ودون ما تظمنته القرارات الأممية، فهو ضروري من أجل الحفاظ على القضية الفلسطينية وإعادة طرحها في إطار تسوية تتوفر فيها الشروط الملائمة لتحقيق الهدف كله، وهو ضروري لحماية الشعب الفلسطيني من الإهتراء المادي والمعنوي وتمكينه من استرجاع أنفاسه واستعادة عافيته.
كما أن هذا الحل، رغم كونه منقوصا، بإمكانه أن يسهم في تهفيت الصراع الديني المتأجج وتحريرالمواطن الفلسطيني من ثقله وجعله أكثر قابلية للحلول العقلانية والعلمانية.
وعندها فقط يصبح بالإمكان، المرور الى مرحلة النضال من أجل إقامة الدولة العلمانية الديمقراطية على كامل أرض فلسطين، تتعايش فيها مختلف الأديان والأعراق دون تمييز. وعندها فقط يصبح ممكنا للشعب الفلسطيني أن يحقق مطامحه الوطنية كاملة ويمر في طريقه الى تحقيق تحرره الإجتماعي والسياسي.



"الشرق الأوسط الموسع وشمال
إفريقيا" مشروع استعماري معولم
للمنطقة العربية

أ- الصراع الأمريكي- الأوروبي على المنطقة العربية
("أمركة" أو "عولمة" المنطقة العربية)

أصبح الصراع على المنطقة العربية صريحا بين أمريكا التي تريد فرض سلطانها الأمبراطوري على النطاق العالمي وبين أوروبا الموحدة وروسيا والصين. فالسياسة الدولية الأمريكية لم تعد تحضى بالتأييد الأوروبي التقليدي منذ بدأت أمريكا تستعد لشن حرب على العراق. إذ عارضت أهم أقطاب أوروبا الحرب وطالبت بعد اندلاعها بإحالة ملف إدراة العراق وإعادة الإعمار على الأمم المتحدة ووقفت ضد مسعى تقسيمه، على أساس عرقي أو طائفي، ونادت باحترام وحدته الترابية، حتى أن وزير الخارجية الفرنسي توجه في الـG8 الى نظيره الأمريكي بالقول "على أمريكا أن تنسحب من العراق وتنهي احتلالها له". وساندت روسيا والصين، عموما، المواقف الفرنسية تجاه السياسة الدولية الأمريكية.
كما عارضت فرنسا، المسنودة بحلفائها الأوروبيين وروسيا والصين، المساندة اللامشروطة التي تنتهجها أمريكا تجاه التصعيد الإسرائيلي واقتحام الأراضي الفلسطينية وإقامة المستوطنات وسياسة إرهاب الدولة التي تنتهجها ونددت بحملة الإغتيالات السياسية والتهديد بها وحذرت من مغبة المساس بالرئيس عرفات.
وعارضت مشروع"الشرق الأوسط الكبير" الأمريكي بكثير من الإنتقادات وجهتها لنزعة التفرد والإملاء والإلتجاء الى القوة قبل الإستيفاء من الوسائل السياسية والديبلوماسية وضغط الآليات الدولية. وكان الرئيس الفرنسي، في قمة الـG8 المنعقدة في سي آيلاند بولاية جورجيا الأمريكية، المعارض البارز للمشروع الأمريكي. فقد أكد أن بلادة لا تقبل فرض "القوالب الديمقراطية الجاهزة" على الدول العربية، وأنها "ليست في حاجة الى مبشرين". وأوضح "أن مبادرة الشراكة بين مجموعة الثمانية والدول المعنية بخطة الإصلاح ينبغي أن لا تفرض فرضا بل أن تكون قائمة على أساس الإختيار الحر". وأضاف بأن "الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي والإحتلال الأمريكي للعراق يمثلان عائقا أمام نجاح الإصلاحات في العالم العربي".
وهو ما يؤكد أن أوروبا أصبحت متحفزة، أكثر من ذي قبل، أمام خطر الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية لما تمثله من تهديد لمصالحها الجوهرية على جميع الأصعدة. واختارت، في معارضتها تلك، الوقوف الى جانب قضايا الشعوب، تماما كما كانت فعلت أمريكا من قبلها في مواجهتها للقوى الإستعمارية الأوروبية. وهذا يعني أن الخطاب الأوروبي الراهن ديماغوجي وامبريالي. ومن السذاجة السياسية المراهنة عليه والتعويل على أصحابه في النضال ضد الإستعمار الأمريكي البريطاني للعراق أو ضد حملات الإبادة الصهيونية التي تستهدف الشعب الفلسطيني أو في النضال ضد الدكتاتورية. ومن البديهي أن هذه المعارضة لا تعني البتة الدفاع عن القضايا الوطنية للشعوب ولا عن الديمقراطية، الهدف منها هو حماية المجال التقليدي لفرنسا والمصالح الجوهرية الأوروبية.
ومن البديهي أن مثل هذه الإختلافات في الأغراض والمصالح بين أمريكا من ناحية وأوروبا الموحدة وحلفائها من ناحية أخرى، تسمح للشعوب بالتحرك في ظل ظروف أنسب لتحقيق أهدافها القريبة والجوهرية.
لقد فشلت أمريكا في تثبيت أقدامها في العراق وعجز شارون على إطفاء الإنتفاضة، ولم يمنعها ذلك من التقدم بمشروع "الشرق الأوسط الكبير"، الذي أرادت أن تضع كامل المنطقة الممتدة من أفغنستان الى المغرب الأقصى تحت سيطرتها دون منازع، للنظم القائمة وطالبتها بإدخال تعديلات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وتعليمية تتماهى معه، ومنحتها مهلة محدودة للتنفذ.
وفرضت أمريكا على الدول العربية مناقشة "الإصلاحات المقترحة" في القمة المنعقدة في تونس، خلال الأسبوع الأخير من شهر ماي المنصرم، مما جعل أقطاب الرجعية العربية تتعرض الى ضغط التدخل الأمريكي السافر، في المنطقة، الذي قد يترجم بغزو عسكري يؤدي الى الإطاحة بها وتعويضها بمن هم أكثر طوعية وتبعية- والمثال العراقي يزعجها-. وتتعرض أيضا الى ضغط الجماعات الدينية المتطرفة والإرهابية ومراكز السلطة الدينية والطبقات المشدودة الى الماضي، وعلى الأخص منها ما يزيد عن العشرة آلاف أمير وأميرة، الذين يعيشون على نفقات الدولة، كي تبقى الأوضاع على ما هي عليه، باعتبارها الضامن لمصالهم.
إنه لمن الأكيد أن للشعوب مصلحة في الحرية والديمقراطية وفي التداول على السلطة وفي احترام حقوق الإنسان. ومن المثير للإستغراب، ليس أن تخدع الشعوب لما تدغدغها أمريكا عن طريق أحلامها وحاجاتها الملحة ورغباتها الجامحة، بل أن تنطلي الحيلة على النخب وأن يصبح بعض الزعماء السياسين يحثون الدول الإمبريالية على التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية ويشرعون غزو العراق بدعوى التخلص من نظام صدام حسين الدكتاتوري، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وباسم البند الثاني من اتفاقية الشراكة.
إن الشعوب العربية تدرك بحسها ومن خلال تجربتها أن الحرية الممنوحة من قبل أمريكا أوغيرها من الدول الإمبريالية، ليست سوى عبودية استعمارية، وأن شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان سرعان ما تترك مكانها للمجازر والتقتيل والإعتداء على الحرمات وشتى أنواع الإنتهاكات، تماما كما كان الشأن مع الحملات التبشيرية التي مهدت لمرحلة الإستعمار المباشر.
لذلك فهي تعول على ذاتها وعلى مناصرة قوى التحرر في العالم من أجل تحقيق مطالبها وحمل حكامها على تلبيتها دون أن تمد اليد للإمبريالية الأمريكية أو غيرها من الإمبرياليات باسم العولمة أو اتفاقية الشراكة أو الشبكة الدولية. ولن تخدعها المناوشات التي حصلت حول "الإصلاحات" التي ناقشتها القمة العربية في تونس، فهي تعلم أنها ظرفية وهي لا محالة زائلة.
لقد حصل خلاف حول "الإصلاحات"، وتحركت الديبلوماسية في اتجاه أوروبا وأمريكا في نفس الوقت، وحصل اتفاق في النهاية، تضمنه البيان الختامي للقمة العربية وفق بين جميع الأطراف وجعل أمر تطبيقها موكولا للظروف الخاصة لكل نظام ولكل بلد على حده، وهو الوفاق ذاته الذي خرجت به مجموعة الثمانية في قمة سي ايلاند.
واضطر الحكام العرب على الإعلان عن قبولهم "بالإصلاحات" والإلتزام بإدخالها على نظمهم. وقبلت أمريكا بالمقترحات الأوروبية وتراجعت عن مشروعها الأصلي"الشرق الأوسط الكبير" الذي تقدمت به لقمة الثماني وللنظم العربية قبل انعقاد قمة تونس.
ورغم أن مبادرة الشراكة "لإصلاح" الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أعلنت أنها قائمة على "الإختيار الحر" وعلى "احترام التمشي الخاص بكل بلد"، فقد أعادت صياغة أشكال الهيمنة والتبعية في المنطقة العربية، إذ أصبحتا جماعيتين وتخول للمجموعة المهيمنة التدخل في شؤون المجموعة المهيمن عليها عن طريق النظم القائمة ومكونات المجتمع المدني غير الحكومية والخواص، وذلك في جميع المجالات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية وغيرها.
وخطر هذه الصياغة يكمن في كونها تضع التدخل الإمبريالي المعولم في مقام التعاون مع مجموعة البلدان التابعة، من أجل التقدم والإرتقاء الحضاري. وخطرها يكمن أيضا في أنها تضعف الحس الوطني وتجعل من الهيمنة والتبعية واقعا طبيعيا يدخل في إطار أن شعوبا اجتهدت وعملت فتقدمت وأخرى ساد فيها الكسل والتواكل فتخلفت.


ب- مبادرة الشراكة من أجل "إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"والسوق العربية الموحدة

أطلقت مجموعة الثمانية مبادرة الشراكة "لإصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" خلال اجتماع قادة البلدان الصناعية السبع الكبرى وروسيا، بمنتجع سي ايلاند في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من شهر جوان الماضي، والذي شارك فيه رؤساء الجزائر وأفغنستان والبحرين والأردن وتركيا واليمن الى جانب الرئيس العراقي المنصب من قبل الإدارة الأمريكية .
وأكد المجتمعون أن المبادرة هي "شراكة من أجل التقدم ومستقبل مشترك" وستقوم على "تعاون حقيقي مع حكومات المنطقة ومع ممثلي القطاع الخاص والجمعيات غير الحكومية من أجل التنمية السياسية والإقتصادية والإجتماعية".
ولوضع هذه المبادرة حيز التنفيذ أقر المشاركون جملة من الآليات، من بينها "منتدى المستقبل"، و"مبادرة للإعتمادات الصغرى"، و"تسهيلات لتطوير الإستثمار الخاص في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، و"شبكة جهوية للتمويل" التي "تجمع مؤسسات التنمية المنتصبة في المنطقة والمؤسسات المالية العالمية من أجل تنسيق أفضل بين البرامج"، وفي النهاية "إرساء مجموعة عمل لدراسة المشاكل المتعلقة بالتجارة والإستثمار واقتراح الحلول الملائمة لها".
ودعت الخطة الى زيادة فرص التمويل لأصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة ووعدت بتقديم اعتمادات صغرى، لمساعدة أكثر من مليوني رب عمل محتمل للخروج من الفقر وتمكين أكثر من 250 ألف شاب من تكوين مهني راق بالتعاون مع مؤسسات من مجموعة الثمانية وتوفير إمكانية رفع الأمية على 20 مليون شخص وتأهيل وإعداد100 ألف مدرس الى غاية 2009.
ورصدت مجموعة الثمانية من أجل تحقيق الإصلاحات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 100 مليون دولار.
وتتلخص أهداف هذه المبادرة في " دعم جهود المنطقة من أجل تحقيق الإندماج الإقتصادي وتشجيع التبادل الجهوي وتنمية إمكانياتها التجارية في السوق العالمية وتسهيل انخراطها في المنظمة العالمية للتجارة الى حدود موفى 2010 بالنسبة لشمال إفريقيا و2013 بالنسبة للشرق الأوسط.
تلك هي الأهداف العامة لمشروع الشراكة "لإصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" الذي تبنته قمة الثمانية والذي عوض مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الأمريكي.
وإذا حاولنا البحث في دواعي هذا الإهتمام غير العادي بالمنطقة العربية وبالشرق الأوسط، من قبل الثمانية الكبار، ندرك أنها لا تتعلق بالإصلاح الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والإرتقاء الحضاري بل بالمصالح النفطية والجيو- سياسية والإستراتيجية التي تمثلها المنطقة. ولولا هذه المصالح لما غامرت أمريكا باحتلال العراق وواجهت عزلة دولية لم تعرفها منذ نهاية حرب الفيتنام ولما عرف المعسكر الإمبريالي استقطابا بين الزعامة الأوروبية من جهة وأمريكا وبريطانيا العظمى من جهة.
ويمكن أن نستأنس بإشارة ديبلوماسي من دول الثمانية معارض لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الأمريكي، للكشف عن الأغراض الحقيقية لمختلف المشاريع الإمبريالية تجاه المنطقة العربية، حين قال إن "الشرق الأوسط الكبير ليس سوى غطاء لوجود عسكري من أجل ضمان امدادات النفط".
لذلك فإن الإعتقاد بأن الهجوم الإمبريالي، الفردي والجماعي، السلمي والعسكري، على المنطقة العربية ليس حرب صليبية على الإسلام أو صراع حضارات أو مجرد عداء قومي للعرب، هو إغفال ومواراة للمسألة الأساسية التي تقف وراء الأحداث الكبرى الجارية على مسرح التاريخ العالمي والعربي، وهي مصالح مختلف القوى الفاعلة في الميدان.
وبما أن الإحتكارعلى المستوى العالمي أضحى أساس الحياة الإقتصادية، في عالمنا المعاصر، فمن الطبيعي أن يبحث عن أسواق واسعة ويدفع الى قيامها، إقليميا أو قاريا أو قوميا أو حتى عالميا في العديد من المجالات.
لم يكن ظهور أوروبا الموحدة، بالـ25 دولة دون النظر الى قائمة الترشح لعضويتها، يهدف فقط الى توسيع السوق الأوروبية لتشمل القارة بأكملها وتحويلها الى قاعدة ارتكاز للإحتكارات العالمية ذات المنشأ الأوروبي، بل الى دفع عملية إنشاء احتكارات أوروبية ذات مصالح عالمية تكون قادرة على منافسة احتكارات الأمبراطورية الأمريكية التي بصدد بسط نفوذها على العالم وإعادة صياغته على صورتها.
في حين أن بعث مناطق للتبادل الحر حول أحد الأقطاب الثلاثة أمريكا وأوروبا واليابان ليس سوى رسم للمجال الحيوي لكل قطب. وتأطر اتفاقيات الشراكة هذا الإستقطاب الثلاثي. ونشأت تجمعات، في تفاعل مع هذه الأقطاب، لها مميزاتها الخاصة مثل مجموعة بلدان أمريكا اللاتينية وفينيزويلا التي تبحث عن صياغة علاقة تكافئ مع العمالقة في إطار العولمة.
أما الجديد بالنسبة للمنطقة العربية فهو أن الإحتكارات العالمية والدول العظمى هي التي بصدد دفع النظم القائمة على إدخال إصلاحات جوهرية إقتصادية واجتماعية وسياسية تأهلها لإنشاء سوق موحدة ذات جناحين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع تشجيع التبادل الحر بين مختلف البلدان.
وقد أدت هذه العوامل مجمعة الى التعامل مع المنطقة العربية على غير ما كانت تتعامل به القوى الإمبريالية في الماضي. لأن إطار بسط نفوذها كان يتمثل في أن تخضع كل بلد على حده، وهو إطار كان يتناسب ومصالح "الإحتكارات الوطنية" المتقاربة أو المتنافرة للبلدان الرأسمالية المتقدمة. أما اليوم فقد أضحى النفوذ الإمبريالي، جماعيا أي في إطار أحجام عملاقة. وفي هذ السياق يتنزل مشروع "الشرق الأوسط الكبير" ومبادرة الشراكة "لإصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، وهي صياغة تتناسب ومصالح وحجم"الإحتكارات العالمية".
تلك هي النقلة النوعية في الأوضاع الدولية التي قد تحكم على البورجوازيات العربية وعلى النظم القائمة إعادة صياغة مصالحها في إطار المنطقة العربية ككل. وهي تعلم أنها إن أبت وتمسكت بمواقعها القديمة، فسيكون مآلها لا محالة الخسران وتضطر الى ترك مكانها لشرائح أخرى أدركت اللحظة التاريخية التي تعيشها ولها من القدرة على أن تأخذ على عاتقها مهمة الإستحواذ على المصالح الجديدة التي جعلتها العولمة "في متناولها" وأن تنخرط في إطار ما تقتضيه مصالح العمالقة. هذه المصالح التي تتناسب والتجمعات الكبرى، سواء أكانت إقليمية، مغاربية ومشرقية، أو قومية في إطار أمة عربية متحققة. وقد تحدث صياغات أخرى، لا يمكن التكهن بها، تفرضها أوضاع دولية محددة أو يفرضها نسق تطور الصراع الطبقي والوطني. لذلك نحن مدعوون الى عدم التقيد بالإفتراضات النظرية والسياسية، الإستراتيجية والتكتيكية، المحددة بصورة قبلية، لأن الحياة أعقد وأثرى من جميع الإفتراضات وأن التغييرات في ميزان القوى ليست محكومة بالوعي أو الإرادة فقط، بل وأيضا بالقوانين الموضوعية لتطور الصراع الطبقي محليا وإقليميا وعالميا.
إن ضغوطات "مبادرة شراكة الإصلاح"، رغم المرونة البادية عليها، قد تفرض على بورجوازية المنطقة التوجه الى بعث سوق موحدة للإستهلاك والخدمات والطاقة وبصورة خاصة للنفط والغاز، وللصناعات التحويلية والصناعات المنقولة كفروع للشركات العملاقة وقطاعات الإنتاج المرتبطة بحاجيات الأسواق المحلية.
ولا بد أن نشير الى أن وحدة السوق العربية تحول بورجوازية المنطقة الى عملاق، طيع وخاضع للإحتكارات العالمية يتمتع بقدرة هائلة على المسك بشعوبها بقبضة من حديد لضمان المصالح العامة للبورجوازية المعولمة.

ج- الدول القطرية في ظل"مشروع الإصلاح"
والمسألة القومية العربية

يلاحظ المتتبع للتاريخ السياسي والإجتماعي للشعوب العربية أن الحدود التي قامت عليها الدول القطرية، في أغلب الحالات، ليست وليدة التقسيم الإستعماري أو الصراعات المحلية فقط، بل ترمي بجذورها في التاريخ، باعتبارها تشير الى أنها ناجمة عن الإندماج التاريخي لثقافات وأعراق وشعوب مختلفة ومتعددة في الحضارة العربية.
لقد تمت المحافظة على الحدود لأنها كانت الوعاء
الجغر- تاريخي- ثقافي الدال على مسارات الإندماج المختلفة وعلى المستوى الذي بلغه التفاعل مع حضارات أخرى.
وزيادة على ذلك فإن الحدود تعبر على وجود اختلافات أساسية في الأنماط المجتمعية والسياسية القائمة تفرق بين مختلف الشعوب المندمجة في الحضارة العربية. وقد أصلت هذه الإختلافات الإختيارات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية للنظم التي قامت على إثر الإستقلال.
إن ظهور الدول القطرية يعبر عن المصالح الطبقية التي نشأت وتطورت في إطار الحدود المرسومة تاريخيا، باعتبارها مجال حركة وتعاون وتصارع وتآلف مجموعات بشرية دون غيرها. وبما أن الدولة تحمي مصالح الطبقات السائدة اقتصاديا، فإنها تكون أشد حرصا على حدود القطرية ولا تكترث بالتطلعات الوطنية والقومية لشعوبها، بل هي مستعدة للتنازع والتحارب مع الدول الشقيقيقة المتاخمة لها على الحدود. ونشير في هذا الصدد الى الخلاف حول قضية الصحراء الغربية بين المغرب الأقصى والجزائر، وبين مصر والسودان حول منطقة حلايب، وبين السعودية والإمارات حول واحة البريمي، وبين السعودية وقطر حول منطقة الخفوس، وبين قطر والبحرين حول جزر حوار، وبين العراق وإيران حول شط العرب، وبين إيران والبحرين حول جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وبين تونس والجزائر حول العديد من النقاط الحدودية التي تمت تسويتها، وبين تونس وليبيا حول الجرف القاري، وبين العراق والكويت حول الكويت.
وتؤكد هذه الخلافات أن المصالح القطرية للطبقات السائدة والمصالح الإمبريالية المرتبطة بها، هي التي وقفت عائقا جديا أمام أي محاولة للمضي في اتجاه المصير المشترك للشعوب العربية وتحقيق وحدتها القومية، أي بناء أمتها الموحدة.
ومما يزيد الأمر تعقيدا فإن الإختيارات السياسية والإجتماعية والثقافية المختلفة ودرجات التقدم والإرتقاء الحضاري، أصبحت تشكل، هي الأخرى، عوائق أمام التقارب، في اتجاه الوحدة.
وقد نتج عن التطورات الآنفة الذكر وجود نظم مختلفة واحدة قائمة على القبائل والعشائر وعلى الإستبداد الملكي والعسكري تستمد شرعيتها من البترودولار ومن المقدس ومن علاقاتها الوطيدة بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والإتحاد الأوروبي، مثل السعودية والإمارات الخليجية والسودان (هذا على سبيل الذكر لا الحصر) وأخرى قطعت خطوات في اتجاه العصرنة، إذ هي قائمة على المؤسسات، رغم شكليتها، وعلى الإقتراع العام، رغم إفراغه من دوره في التعبير عن إرادة الشعب في اختيار من يمثله ومن يحكمه، وعلى القانون(الدستوري والتشريعي)، رغم كونه يمثل أحد أسس الدكتاتورية والقمع وانتهاك حقوق الإنسان، مثل تونس والجزائر ولبنان.
وبالنظر لهذه الإختلافات، يصبح من الوهم الإعتقاد أولا في تحقيق الوحدة دفعة واحدة، بدعوى أن الحدود صورية وأنها من صنع الإستعمار وأن الوحدة مطمح الشعوب العربية وثانيا في أن تقدم النظم العربية عن طوعية وبملئ إرادتها على الإنخراط في مبادرة"الإصلاح" أو أن تسير تدرجيا في اتجاه الوحدة، رغم أن تطور الأوضاع الدولية يدفع في هذا الإتجاه بكل قوة.
لقد وقفت الدول الرأسمالية المتقدمة، فيما مضى، وراء محاولات الوحدة بين مصر وسوريا وبين مصر وسوريا وليبيا وبين مصر والسودان وبين تونس وليبيا لتعارض مصالحها في البلدان المعنية بالوحدة ولخشيتها من الإيديولوجيا الدافعة لهذه الوحدات. وهي اليوم، لما تعاظمت مصالحها اتجهت الى البحث عن فضاءات أكبر، فأصبحث تحث النظم العربية التابعة لها على "الإصلاح" و"الوحدة". في حين ظلت هذه الأخيرة منكمشة ومنزوية لم تدرك التغيرات العالمية ولا مصالحها القومية الخاصة.
وكما هو معلوم، لم تقدم البورجوازية العربية، على أي إصلاح، إلا مكرهة، وهي اليوم مكرهة أمام الإملاءات الأمريكية المباشرة لوضع مشروع "الشرق الأوسط الكبير" حيز التنفيذ، رغم غطاء الحرية الكاذب الذي أضحى يتخفى به، لما أخذ صيغة معولمة تحت اسم مشروع الشراكة "لإصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" .
وضعت أمريكا مشروع "الشرق الأوسط الكبير" على طاولة البحث في القمة العربية، قبل عرضه على مجموعة الثمانية، آملة في الحصول على نتائج إيجابية قبل انعقاد قمة سي آيلاند كي تحول مشروعها الى أمر واقع، خاصة وهي تعلم أن فرنسا وحلفاءها لهم تحفظات جدية عليه. وحاولت الظهور بمفردها في مقام النصير للشعوب العربية والمدافع عن طموحاتها وتطلعاتها، موجهة أصبع الإتهام نحو النظم القائمة عليها في شأن تخلفها بغاية تضليلية بحتة لتمرير غزو العراق على أنه تحرير للشعب العراقي من الدكتاتورية والتكالب الصهيوني على الفلسطينيين مناورات يحيكها ياسر عرفات المتحالف مع الإرهابيين.
وقد تجد النظم الغارقة في الرجعية نفسها في وضع لا تحسد عليه، أمام الضغط الأمريكي وأن يجد نظام الحكم في بلادنا نفسه في وضع مريح نسبيا، لتوافقه مع الإصلاحات المطالب بها غيره، باستثناء الإعلام وحقوق الإنسان. ومع ذلك يكون من السذاجة بمكان التعويل على "الضغط" الأمريكي لتحقيق "إصلاحات" سياسية على نظام الحكم تضمن الحريات العامة والفردية وترتقي بالحياة السياسية الى مستوى أعلى، لأن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" أو "الشراكة لأصلاح الشرق الأوسط والمغرب العربي" وما تضمناه من حديث عن الديمقراطية وعن التقدم الإقتصادي والإجتماعي والحضاري لشعوب المنطقة، فإنهما لا يخرجان عن الإطار السياسي لتأصيل مصالح الرأسمال العالمي فيها. وعلى هذا الأساس فإن الدول الكبرى ليست مستعدة البتة لترك حلفاءها في مهب الريح، بل هي دائمة اليقضة لحمايتهم، طالما هم باقون على العهد معها، ولا تتركهم يلاقون مصيرهم إلا متى تيقنت أن الأوضاع انفلتت ولم تبق أمامها إمكانية غير التخلي عنهم.
لكن ما ينبغي التنبه إليه هو أن الثمانية الكبار بتدخلها المباشر في الحياة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية، سواء أكان ذلك عن طريق برامج الإصلاح الهيكلي أو البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة والسوق المالية أو عن طريق البورصة أو من خلال مشاريع "الإصلاح"، هي بصدد إضعاف دور الدولة الذي كانت تلعبه في المرحلة التي تلت الإستقلال، وبالتالي هلهلة البورجوازية "القديمة" التي لم تقدر على مواكبة نسق التطورات التي يشهدها العالم وتوفير الظروف الملائمة لولادة طبقة جديدة تأخذ على عاتقها مصالح المنطقة برمتها.
وبما أن الشركات "متعدية" و"متعددة" الجنسية تمثل اليوم العامل الأساسي في الإقتصاد العالمي وأهم وسائل العولمة وآلياتها، تعمل دوما على تجاوز الحدود التي تعزل الأمم والأقطار وعلى إزالة الحواجز الجمركية والقيود السياسية والنقدية والمالية والإستثمارية التي كانت تفرضها الدولة فحررت حركة رأس المال والبضاعة وأزاحت جل العراقيل التي تقف دون تدفق المعلومة. وبذلك تكون قد سلبت الكثير من سلطات الدولة التي كانت تمارسها ضمن حدودها السياسية.
ورغم هذا التدخل المزدوج الذي من شأنه أن يغير في مجال نفوذ الدولة ودورها في المجتمع فإنه لم يمس من دورها الردعي والقمعي تجاه المجتمع، وهذا الدور من السهل الخروج به من إطاره القطري إلى إطار أوسع قومي أو إقليمي.
لكن هذه التطورات لم تحدث التغيير نفسه في البلدان الرأسمالية المتقدمة والبلدان التابعة، بل جاءت لخدمة الأولى على حساب الثانية دائما. وذلك، لأن رساميل الدول الكبرى هي التي تسيطر على معظم أسهم الشركات المتعددة الجنسية، مما يعني أن جل الفائدة تعود الى دول المنشأ في حين تجبر الدول الضعيفة على تبعية أكثر سفورا، والبند الثاني من اتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي ومشروع الشراكة "لإصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" شاهدان على ذلك.
غير أن هذه التغييرات بصدد جعل الدولة القطرية خاضعة أكثر من ذي قبل لتحكم الدول الكبرى وعلى الأخص منها الولايات المتحدة الأمريكية التي أضحت تتصرف كأمبراطورية عالمية. وبما أن مصالح الكبار تتجه على الأقل في المرحلة الراهنة نحو بعث أسواق إقليمية أو قومية تماشيا مع مصالحها الضخمة، فإن هذا التوجه يمثل الإطار الموضوعي الجديد الذي يطرح ضمنه النضال القومي العربي ويوفر فرصة سانحة للشعوب العربية من أجل تحقيق مطمح وطني يتمثل في الوحدة العربية على الشاكلة الأوروبية أو الألمانية أو اليمنية. ويمكن الخروج بهذه الوحدة من إطارها الفوقي لتتحول الى وحدة للطبقة العاملة والشعوب.
ليس في الأمر شك أن أهداف الشعوب العربية ومصالحها تختلف عن مصالح البورجوازية المعولمة أوالمأمركة. وبقطع النظر عن اختلاف المصالح، فإن ضغط العولمة على البورجوازية القطرية في اتجاه التجمع في وحدات إقليمية أو قومية من شأنه أن يخدم موضوعيا مطمح الشعوب العربية في الوحدة. إن الرأسمالية كلما تطورت وتقدمت تنضج الظروف الموضوعية لتحقق مطامح الطبقة العاملة والشعوب في التحرر الوطني والإجتماعي. كما أن تطور الرأسمالية يوحد الى أقصى درجة ممكنة الأهداف الوطنية والديمقراطية والإشتراكية.
إن المهمات الديمقراطية والوطنية، رغم كونها مهمات بورجوازية، لم يعد إنجازها موكول للبورجوازية وحدها، بل أخذتها الطبقة العاملة على عاتقها، في صيغ راديكالية. وتأخذ هذه المهمات عند تحققها صيغة إشتراكية، بقطع النظر عن الإسهام الذي تقدمه البورجوازية في هذا الصدد، والذي تتعامل معه الطبقة العاملة بكل إيجابية.
وإذا قبلنا بأن الأمة تخضع لقوانين تطور الظواهر التاريخية يصبح ممكنا القبول بطرحها ومعالجتها طبقا للظروف التاريخية الخاصة التي تمر بها في كل طور من أطوار تطورها. وفي هذا السياق نفهم مراحل تشكلها الطويلة كقومية بظهور خصائصها الأساسية اللغة ومجال تحرك الأقوام المنضوية في إطارها والثقافة والتكوين النفسي. ثم مرت الى طور أعلى لما صهرت البورجوازية هذه الخصائص في إطار كيان موحد قضت فيه على التجزئة الإقطاعية فوحدت مختلف أجزاء مجال حركة القبائل والأقاليم والإقطاعات التي تحمل الخصائص ذاتها وكونت سوقا خاصة موحدة أيضا ومركزت الحياة الإقتصادية والسياسية والثقافية. وفي ظل هذا الطور ظهرت في أوروبا دول قومية، أي أمم، ودول متعددة القوميات، أي أمم بها أقليات قومية.
ولم تتبع الشعوب التي لم تدخل عصر الرأسمالية التنافسية النسق الذي شهدته أوروبا وأمريكا مما عاق تطورها كأمم وظلت شعوبا وقبائل وأعراق متنافرة. ومع ذلك فإن البلدان الآسيوية التي أخذت ملامح أمم، حتى قبل أن يصبح نمط الإنتاج الرأسمالي نمطا مهيمنا في المجتمع، يعود الى وجود دولة مركزية قوية، وهي من خصائص نمط الإنتاج الآسيوي، التي تصهر الخصائص القومية في أمة موحدة(الصين، على سبيل الذكر).
لم تتبع الشعوب العربية أيا من المسالك الآنفة الذكر، بل كان لها تطورها الخاص الذي يعد أكثر تعقيدا. فهي لم تتوحد في إطار دولة مركزية واحدة إلا في ردحات قصيرة من تاريخها الأموي والعباسي. ومنذ أن انفصلت الولايات العربية عن الأمبراطورية العثمانية، ركزت القوى الإستعمارية أطماعها عليها فتقاسمتها وأعادت تقسيم بعضها. وزيادة على ذلك لم تظهر بورجوازية عربية لها من الطموح والقوة ما يساعدها على توحيد السوق في مجال تحركها ولا على مركزة الحياة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية والتشكل في دولة قومية، أي أمة.
إن عدم اتباع أحد هذين المسارين التاريخيين جعل الشعوب العربية عرضة للأطماع الإستعمارية والإمبريالية مما فرض عليها المزيد من التقسيم والتشتت والتباعد، وهو ما يفسر وجودها كأمة في طور التشكل أو أمة غير متحققة. لكن الإمبريالية التي كانت تدفع بالأمس في اتجاه التجزئة، تدفع اليوم، في ظل العولمة في اتجاه التجميع والوحدة. وبذلك أصبح ما لم يكن ممكنا تحقيقه بالأمس إلا عن طريق الثورة، في متناول الشعوب، بطرق إصلاحية.
وأخذا بعين الإعتبار هذا المعطى الجوهري في النقلة التاريخية التي تشهدها الأوضاع، فإن إمكانية تجاوز الدولة القطرية أصبح ممكنا في اتجاه دولة قومية إذا ما توفرت لها الشروط السياسية اللازمة. وفي هذا السياق، أيضا يكون من واجب الطبقة العاملة والشعوب الخروج من إطار الأفق القومي الضيق للمهمة الوطنية بإعطائها آفاق اشتراكية. كما يكون من واجبها أيضا الخروج من تحت مظلة الإحتكار العالمي، بقطع النظر عن الإطار الذي يتمثل فيه. وهما مهمتان يعسر إنجازهما إذا لم يأخذ اليسار على عاتقه مهمة تجديد ذاته وإعادة صياغة مبادئه وبرنامجه وسياساته والتقدم الى الشعب في إطار موحد يقطع مع التناحر والتنافر ويسرع بخروجه من الإطار القطري الى الإطارين القومي والأممي.
إن المخرج الذي نحن بصدد بيانه نستخلصة من طبيعة التناقض الجوهري الذي يقابل الطبقة العاملة والشعوب ببورجوازية العولمة أو الأمركة التي تآلفت مصالحها مع البورجوازيات المحلية. وبذلك نجد أنفسنا أمام صيغ ثلاث من الوحدة :
الأولى فوقية تحكمها المصالح الضيقة للفاعلين الإقتصاديين أصحاب القرار تتماشى والمصالح العليا للرأسمال المعولم. وهذا النوع من الوحدات هو الذي يتحقق بسرعة باعتباره مرتبط بقرار سياسي للحكام، كما الشأن بالنسبة للوحدة الألمانية والأوروبية واليمنية.
والثانية قد يتحقق بثورة عارمة زاحفة من المحيط الى الخليج، تقارب الحلم التاريخي الذي يختزن في طيات الذاكرة التاريخية الجمعية للشعوب العربية من أيام الغزوات التوسعية الزاحفة الأولى، أي في مرحلة تحول الدولة العربية الناشئة الى امبراطورية، أو تلك التي تتناسب مع "المسيرة الكبرى" في الوجدان الثوري لشباب الستينات والسبعيات. وهذا النوع من الوحدة من الصعب أن يشهد النور، لأنه لا يأخذ بعين الإعتبار الأوضاع الموضوعية والذاتية للظواهر التاريخية.
والثالثة تتحقق من التحت، أيضا، أي لما تتبناها الطبقة العاملة والشعوب وتعمل على تحقيقها أخذا بعين الإعتبار معطيات الواقع كما هي، تراعي فيها نضج الأوضاع الموضوعية والذاتية للتحولات النوعية المأملة. وهي مسائل تحكمها التطورات الخاصة التي يعرفها كل مجتمع وكل شعب وكل نظام، في ظل الدولة الإقليمية، ويستغل الظروف المواتية عالميا لتجوازها. وهو حل قد يطول أو يقصر بحسب التطور الذي قد يحدث في الواقع. فالبورجوازيات القطرية التي تقف حائلا أمام الوحدة قد تجد نفسها مكرهة على القبول بها، لما تفرضها عليها العولمة أو الأمركة. عندها يصبح ممكنا تجاوز العوائق الأخرى بيسر ويسهل الخروج من النطاق القطري الى المستوى القومي. ويفتح هذا التغيير مجالات أرحب أمام الشعوب لدعم سيرها من التحت والتقدم بسرعة لبلوغ أهدافها.
إن الوضع المستجد على النطاق العالمي والعربي والمحلي يجعل القوى الثورية والديمقراطية والإشتراكية والتقدمية في حاجة الى تكتيل جهودها من أجل بلورة تصورات ملموسة إستعدادا للتطورات القادمة، كي تتحمل مسؤولياتها في توضيح طريق الخلاص أمام شعوبها.
وخاتمة القول هي أن نمضي قدما ودون تردد في بلورة مواقفنا ومفاهيمنا ومبادئنا وتوجهاتنا الفكرية والسياسية وبدائلنا المجتمعية وأن نكون على قدر من الجرأة في تقييماتنا للتجربة السابقة عالميا ومحليا وأن نعي أن المسألة الوطنية أصبحت في ظل الهجوم الإمبريالي الصهيوني أكثرإلحاحية في النضال اليومي للقوى الديمقراطية والوطنية والإشتراكية. لذلك علينا أن نجد الصياغات الملائمة لإدراجها في مختلف واجهات العمل والقطاعات كي نحولها من مشاغل نخبوية الى مشاغل الشارع. وهكذا يمكن للوعي الطبقي الذي يدركه العامل وأن يأخذ أبعاده الشمولية ويتخلص من ثقل الإيديولوجيا البورجوازية في صيغتها القومية أو الإقليمية فيظهر البديل الإشتراكي في كليته.


تونس 25 جويلية 2004



المراجع المعتمدة

- سمير أمين، ما بعد الرأسمالية المتهالكة،
دار الفرابي
شركة المطبوعات
اللبنانية- لبنان
منشورات ANEP الجزائر
د. محمد علي الفرا، العولمة والحدود، عالم
الفكر
المجلد 32 أفريل 2004
- د. محمد جابر الأنصاري، الحدود بين العرب :
لتجاوزها … لا بد من
تحديها،
عالم الفكر، المجلد32
أفريل2004

- عائدة الهاني ، أضواء على أصول الشعب
التونسي العرقية وظروف
استعرابة،
دار بيرم للنشر

- الوثائق الخاصة بقمة سي آي لاند حول الشراكة "لإصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"
- جون أفريك ولموند ولكوريي أنتارناسيونال (ماي وجوان وجويلية)

السلفية الجهادية حركة ارهابية عالمية


السلفية الجهادية الجديدة

حركة إرهابية عالمية



محمد الكيلاني


تونس في 20 مارس 2007

مقدمة:
يمثل الإرهاب، عند نشأته، وبقطع النظر عن الإيديولوجيا التي يتستر بها، ردة فعل عاطفية على مزيد تدهور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية لشرائح اجتماعية مفقرة وعلى القمع السياسي والإضطهاد الوطني أو القومي أو الديني الذي تتعرض له قوى سياسية أو بلدان أو أقليات قومية وعرقية وثقافية من قبل النظم القائمة أو من قبل الإستعمار. وتعبّر بعض الشرائح من النخب، عن هذا الرفض والرد المنفعل، في شكل عمل أقلي ترى فيه الوسيلة الوحيدة لتغيير الأوضاع.
لكن القوى الرجعية والفاشية والإستعمارية تستغل هذا التطلع والتصميم على تغيير الأوضاع فتحتضنه وتعمل على توظيفه للضغط على الحياة السياسية، بهدف غلق الفضاءات والمجالات التي كانت مفتوحة، أو لاستغلاله كتعلة لتبرير اختيارات استراتيجية وجيو- سياسية، يصعب تمريرها في ظروف عادية، أو لإعادة ترتيب الأوضاع والأوراق طبقا للمصالح الجديدة للقوى المهيمنة، على النطاق المحلي أو العالمي. وهو تمش اتبعته أمريكا، حيث استغلت الحركات الإسلامية الإرهابية من أجل زعزعة الإستقرار في العديد من البلدان العربية والإسلامية وإجبارها على الدخول تحت مظلتها، ولإعلان الحرب على العراق واحتلاله والتحرش على سوريا وإيران وضرب الصومال والسودان، ودفع الآلة العسكرية الإسرائلية في وجه الشعبين الفلسطيني واللبناني.
ومنذ اللحظة التي يتم فيها احتضان العمل الإرهابي من قبل دول أو أصحاب شركات عملاقة أو من قبل قوى رجعية واستبدادية، يكف الإرهاب عن حمل خاصية الرفض "البدائي" عند النشأة، كردّ فعل عاطفي، ليصبح منفّذ مخططات رجعية مغامرة، لا علاقة لها بمصالح الشعوب والأوطان، بل تعرضها كما الحريات والديمقراطية والإقتصاديات والمصالح العامة والخاصة والذوات الإنسانية إلى مخاطر أكيدة وإلى الإتلاف والدمار، من أجل خدمة أغراض ومصالح أقلية قليلة من الإحتكاريين، على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي.
وللإرهاب باسم الدين خاصيات تميّزه عن الإرهاب السياسي، باسم القومية أو الشيوعية، فهو محصن بالمعتقد و"منفذ لإرادة ربانية" ومتعلق بـ"الإستشهاد الذي تعقبه الجنة". ويخترق الحدود القومية والطبقية ليأخذ صيغة تيار ديني عالمي. ويرتكز على مخزون لا ينضب من التبريرات، التي يستقيها من السيرة النبوية في مرحلتي "الدعوة" و"الجهاد" ومن التجربة الوهابية والإخوانية التي تتماشى والصرامة العقدية التي ينخرط في سياقها. ويجاري التبسيط العقائدي الشّعبي، ولا يترك للعقل والسياسة مكانا في النضال التحرري من الإحتلال الإستعماري والصهيوني. وزيادة على ذلك فهو يحافظ على الجسر الرّابطة بينه وبين المشاريع الإستبدادية باسم الدين، لأنه يعمل أيضا على إقامة "دولة دينية"، باسم "الخلافة" أو "الدولة الوطنية". ويتبع أشكالا ويقوم بأعمال لم تكن معهودة من قبل، في الحركات الإرهابية، باسم القومية أو الشيوعية، فقد حوّل الجسم البشري إلى قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار في أي زمان ومكان.
وبالنظر لخطورة هذه الظاهرة، ارتأينا تناولها بالتحليل للكشف عن الظروف الموضوعية لظهورها وعن التبريرات السياسية والإيديولوجية والفقهية التي تشرعها ونختم بالبحث في الحلول التي تحصن البلاد والعباد من مخاطره.










الإرهاب ومختلف أشكال العنف
1- تعريف الإرهاب
يعرّف العنف على أنه "ولاّدة" التاريخ، سواء استعملته الطبقات والدول السائدة لتأبيد سيادتها أو التجأت إليه الطبقات الدونية والشعوب والأمم والدول المضطهدة لتغيير الأوضاع لصالحها، باعتباره يقرّر في النهاية علاقة القوى ويحدد مسار التطورات اللاحقة. وهو على العموم مرفوق بكثير من الآلام والمآسي ويأخذ غالبا أشكالا تنتهك بواسطتها حقوق الإنسان وترتكب جرائم في حق الإنسان والإنسانية.
وككل الظواهر الإجتماعية ينحرف البعض منها بأشكال قصوى في صيغة الإغتيال السياسي والإرهاب والتصفية العرقية والطائفية والفاشية والنازية....الخ.
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر احتل الإرهاب مكانه في الحياة السياسية للعديد من المجتمعات إلى أن أضحى تيارا عالميا يهدد أمن الشعوب ويمثل تعلّة تستعملها الدول العظمى لفرض هيمنتها على العالم وتستغلها الطبقات الحاكمة لمزيد إحكام قبضتها وتحكّميتها على شعوبها. فكانت الساحة الدولية مسرحا لسلسلة من أعمال العنف تأتيه دول أو أفراد أو مجموعات منظمة ضد دول أو أفراد أو مجموعات يذهب ضحيتها مواطنات ومواطنون وممتلكات. وقد أطلق على أعمال العنف هذه "إرهابا". والخطير في الأمر أن كثافته المتعاظمة في السنوات الأخيرة حولته إلى حرب شاملة تتخطى الحدود والثقافات والأديان والأمم والبلدان حيث لا يمكن لنا التفريق فيها بين المواطن العادي والفاعل والمستهدف، إلا بعد حدوث الفعل.
لذلك نحن في حاجة إلى تحديد مفهومه والتمييز بينه وبين أشكال العنف الأخرى.

أ- الإرهاب لغة:
تعود كلمة إرهاب إلى فعل رهب، بالكسر، يرهب رهبة ورهبا، بالضم، ورهبا، بالتحريك، أي خاف. ورهب الشيء: خافه.
والعنف لغة: العنف، بالضم، ضد الرفق، عنف عليه أو عنف به، بالضم، عنفا، وعنفه تعنيفا.
وتعني كلمة إرهاب في اللغة اللاتينية الخوف الشديد، ومنها اشتقت كلمة إرهاب في اللغة الفرنسية.


ب- الإرهاب اصطلاحا:
عرف معجم مصطلحات العلوم الإجتماعية الإرهاب بأنه:
"بث الرعب الذي يثير الرعب في الجسم والعقل، أي الطريقة التي تحاول بها جماعة منظمة أو حزب أن يحقق أهدافه عن طريق استخدام العنف"(1).
واعتبرت دائرة المعارف البريطانية أن الإرهاب هو:
"الإستخدام المنظم للعنف لإحداث حالة من الرعب المزمن لدى شعب ما تكون كافية لتفعيل تغيير سياسي".
وظهرت كلمة "إرهاب" لأول مرة في اللغة الفرنسية في 1355عن طريق الراهب بيرسوير، وتعني الخوف والفزع الشديد. واستعملها "كانت" سنة 1798 للتعبير عن نظرته المتشائمة بشأن مستقبل الإنسانية. وفى السنة نفسها أضافتها الأكاديمية الفرنسية إلى منجدها الكبير، أين تشير إلى تجاوزات الإرهاب الثوري.
وعرف المنجد "لاروس الصغير" الإرهاب بأنه:
"مجموع أعمال عنف (محاولة اعتداء بالمتفجرات أو بالسلاح، رهائن...الخ) يقوم بها تنظيم من أجل إنشاء حالة من اختلال الأمن، كي يمارس ضغطا على حكومة ويشبع حقدا حيال مجموعة أو بلد أو نظام".
في حين أكد منجد "روبار الصغير" على جوانب أخرى، لمّا أشار إلى أن التنظيم الذي يقوم بأعمال عنف هو"تنظيم سياسي" هدفه "إبهار السكان" و"التأثير عليهم".
ويصنف الفقهاء السلفيون الإرهاب إلى نوعين: محمود ومذموم.
"فأما المحمود فهو ما استعمل في تخويف الكافرين المعتدين والمجرمين والعصاة ومقترفي الآثام الموجبة للحدود، وذلك لردعهم وحماية الأمة والمجتمعات الإسلامية منهم"(2).
والإرهاب المذموم هو "إرهاب الكافرين للمؤمنين" و"إرهاب البغاة وأهل الحرابة والمجرمين والمفسدين في الأرض لأهل الإيمان"(3).

ج- الإرهاب قانونا:
وحاول رجال القانون تحديد تعريف دقيق للإرهاب وأنواعه حتى يتمكن المشرع من ضبط الأفعال التي تدخل تحت طائلة القانون فينزل عليها العقاب اللازم والتي تخرج عن طائلته. وظهر اختلاف في هذا الشأن اعتبارا للموقف من بعض أشكال العنف التي تلتجئ إليها الشعوب في نضالها من أجل التحرر الوطني والإجتماعي. فالنضال الوطني الفلسطيني يعتبر بالنسبة لإسرائيل وأمريكا والعديد من الدول الغربية إرهابا والمقاومة في العراق، باستثناء التفجيرات وخطف الرهائن ونحرهم أو قتلهم رميا بالرصاص الذي تقوم به الجماعات السلفية الجهادية بمختلف تعبيراتها، تدخل أيضا في باب الإرهاب. وقد يعتبر البعض أن مواجهة في الشارع بين متظاهرين وقوات الأمن عمل إرهابي. في حين أن المجازر التي تقوم بها إسرائيل هي دفاع ذاتي والدمار والقتل والتعدي على حقوق الإنسان والجرائم في حق الإنسانية التي يقوم بها الجيش الأمريكي في العراق وفي كل بلد حلّ فيه غازيا يعدّ بالنسبة لأمريكا مقاومة للإرهاب ودفاعا عن الديمقراطية وعن المصالح الإستراتيجية لأمريكا وأمنها القومي. ومن زاوية نفس المنطق فقد اعتبر هتلر احتلاله للدول المجاورة لألمانيا دفاعا عن مجالها الحيوي. أما القمع الذي يأخذ شكل ترويع للسكان والذي تقوم به النظم الإستبدادية فلا يعتبر في نظرها إرهاب دولة بل حماية للإستقرار والأمن وحفاظا على النظام العام.
ورغم صعوبة تحديد تعريف موحد دوليا للإرهاب، فقد جرت محاولات لضبط مفهومه. وردت في منجد القانون الدولي العام بعض التدقيقات، حيث عرّف الإرهاب العالمي بأنه:
"فعل غير شرعي من العنف الخطير يقوم به فرد أو مجموعة من الأفراد، بقرار ذاتي أو بتزكية وتشجيع وتسامح أو دعم من دولة، ضد أشخاص أو مصالح، من أجل تحقيق هدف إيديولوجي، من شأنه أن يهدد السلام والأمن الدوليين"(4).
وعرّفه جلبار غيوم على أنه:
"استعمال العنف في أوضاع من شأنها أن تهدد حياة الأشخاص وحرمتهم الجسدية، في إطار عمل يهدف إلى إنشاء حالة من الرعب، من أجل تحقيق أغراض محددة"(5).
وعرّف جورج لفاسور الإرهاب على أنه:
"الإستعمال المضمر والمنهجي لوسائل من شأنها إحداث الرّعب من أجل تحقيق أغراض محددة"(6).
والإرهاب هو فعل يهدف إلى إحداث حالة من الرعب القصوى في صفوف شريحة اجتماعية محددة أو عموم السّكان. وقد يستهدف حزبا سياسيا أو تجمعا ثقافيا أو دينيا أو نقابيا، بإشاعة الخوف والرعب وخلق حالة من الإضطراب من أجل تحقيق هدف سياسي محدد. وقد تنشأ هذه الحالة كنتيجة لممارسة عنف أو التهديد به.
وبالنظر لعدم وجود صيغة موحدة لتعريف الإرهاب في القانون الدولي اتجهت السلط العمومية إلى إحداث قوانين خاصة ضد الإرهاب حسب تحديدها الخاص له أو إضافة مصطلح "الجريمة الإرهابية" لمجلتها الجزائية. وتمكنت بذلك من تحديد نوعية العقاب الخاص بها اعتبارا للفعل الذي أنتجها من زاوية أنه خرق للقانون وإلحاق الضرر بالأشخاص والمصالح الخاصة، وإحداث ذعر وخوف فردي وعام لدى السكان، من أجل تحقيق غرض سياسي. وهكذا اعتبر المشرع الجريمة الإرهابية جريمة مركبة، فهي جريمة حق عام وجريمة سياسية في نفس الوقت. وألحقت السلط الإستعمارية الأعمال الكفاحية لحركات التحرر الوطني بالجرائم المركبة حيث تجري محاكمة الوطنيين كمرتكبي جرائم حق عام، وفي حالات نادرة بتهم سياسية: مثل التمرد العسكري أو التآمر أو التحريض على التباغض والعنصرية والإقتتال...الخ.
ويتعرض أصحاب الرأي، في الدول غير الديمقراطية، للوضع نفسه تقريبا، حيث يجري التعامل معهم في إطار جرائم الحق العام، من زاوية مخالفتهم لقوانين زجرية حادة ونافية للحريات وتتعارض مع روح القوانين الأساسية القائمة والتي تقر في عمومها بالحريات، باعتبارها وليدة تفاعل نظم الإستقلالات مع الروابط التي مازالت تجمعها بدول المركز ومع الضغط الثقافي الذي كانت تمارسه الحركة التقدمية عموما.
ولمزيد الوضوح، نتناول الآن أنواع الإرهاب واختلافها مع أشكال العنف السياسي الذي تمارسها مجموعات سياسية باسم الثورة أو التي تمارسها الشعوب من أجل تحررها الوطني والإجتماعي والسياسي.








2- أنواع الإرهاب

أ- الإرهاب وأشكال العنف الأخرى
يدور جدل كبير حول مفهوم الإرهاب. وظهرت اختلافات جدية في تحديد طبيعته وسبل مواجهته، وهي مسائل سوف نتناولها بالنقاش في الفقرات اللاحقة.
يتولد مفهوم الإرهاب من نوعية العنف المرتكب والغرض المحدد له والمستهدف به. ونجده يتمايز مع بعض أشكال العنف ويتشابك مع أخرى إلى حد التماهي، نحاول مقارنتها بالإرهاب في ما يلي:

- الإرهاب والإغتيال السياسي
يتضمن الإغتيال السياسي نوعين من العنف:
الأول، يمثله أسلوب "اغتيال الطاغية"، الذي شهد ولادته في أثينا، على يدي الصديقين هارماديوس وأريستوجيتون، لما حاولا اغتيال "الطاغية هيبّياس"، لكنهما فشلا وذهبا ضحية محاولتهما تلك. وأعيد لهما الإعتبار، مباشرة بعد الإطاحة بالطاغية، وأصبحا بطلين يتغنى بهما في أثينا.
وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب أقرب إلى العمل الإرهابي منه إلى النضال المشروع ضد النظام القائم، لأنه يجعل من العمل التآمري والأقلي بديلا عن الفعل الشعبي ويستهدف تغيير أشخاص يحملهم مسؤولية الوضع وليس أسلوب الحكم الذي يتجاوز الأفراد. ومحاولة للخلاص من "الطاغية" ذهب أخوه ضحية عوضا عنه. الشيء الذي يجعل هذا الإرهاب أقرب إلى العمل الإرهابي. لكنه يختلف عنه لأنه يضع من "الطاغية" فقط هدفا وضحية ولا يستهدف بأي شكل السكان.
وأصبح هذا الأسلوب مشاعا في الأخلاق السياسية الأثينية والرومانية وانتقل إلى اليهود ثم إلى العرب والفرس.
ويتمثل الثاني، في "الإغتيال السياسي" الذي يقوم به فرد أو مجموعة من الأفراد المنظمين، بصورة دائمة أو ظرفية، أو تقوم به الدولة، والذي يستهدف فردا أو مجموعة من الأفراد، بقطع النظر عن موقعهم من السلطة، دون البحث عن إحداث رعب عام، والإكتفاء بإزاحة خصم أو تصفية شخص بدافع التعصب العقائدي أو الإيديولوجي والسياسي الأعمى. ومع ذلك فالإغتيال السياسي يعتبر توأم الإرهاب أو أحد أشكاله.
- الإرهاب والثورة
أما الثورة فهي محكومة بقوانين وأهداف أخرى، طبقية أو وطنية، تنشأ لمّا يكون الذين "من فوق" عاجزين على مواصلة حكمهم كما في السابق ولما يصبح الذين "من تحت" غير قابلين أن يساسوا كما في السابق، ولمّا يعجز أصحاب الحكم على إيجاد أيّ مخرج للوضع المستجد ويصبح الشعب متطلعا لحكم نفسه بنفسه، عندها تنشأ مواجهة بين الحاكم والمحكوم تتراوح بين الطرق السلمية (إضرابات ومسيرات وعصيان مدني) والعنف، إذا جنح الطرفان إلى ذلك.
وهذا النوع من العنف لا يرعب ولا يخوّف، بل هو شكل من الحوار الساخن بين الحاكم والمحكوم الذي قد يحسم بتعديل أو قلب ميزان القوى الطبقي في المجتمع ودخول مرحلة جديدة تماما كما حصل عند المرور من الإقطاعية إلى الرأسمالية ومن الرأسمالية إلى الإشتراكية ومن الإشتراكية إلى الرأسمالية أو من الإستعمار إلى الإستقلال.
وقد يتخلل هذا النوع من العنف أشكالا من الإرهاب الرسمي وغير الرسمي، لكن تبقى السّمة البارزة للثورات اختلافها عن الإرهاب، في غرضها وأسلوبها وممارسيها ومستهدفيها.

- الإرهاب و"حرب العصابات"
ويعود أصل كلمة "حرب العصابات" أو "حرب الأغوار"، إلى الإسبانية "guerrilla"، وتعني "الحروب الصغيرة"، التي واجه بها الإسبان احتلال نابوليون لبلادهم فيما بين 1807 و1812.
وكانت "الحروب الصغيرة" قد رافقت كفاحات الشعوب والأقوام الضعيفة ضد المحتل، حيث تستهدف مجموعات صغيرة غير نظامية الجيش النظامي بهدف إرهاقه عن طريق تنزيل ضربات خاطفة على أطرافه ومواطن ضعفه التي تنشأ في حركته أو إمداداته، معتمدة المباغتة وسرعة التنقل والتستر.
وقد شهدت استراتيجية "الحروب الصغيرة" أوج انتشارها ونفوذها في التوجهات السياسية للحركات الثورية مع الماوية وانتصار الثورة في الصين وفي الفيتنام ومع الغيفارية وانتصار الثورة في كوبا.
وتختلف حرب العصابات عن الإرهاب، اختلافا جوهريا، لأنها لا تستهدف السّكان بل الجيش النظامي، وهدفها ليس إدخال الرّعب في السكان بل إضعاف الجيش النظامي واختيار الوقت المناسب لتوجيه ضربة قاسمة له في مركز قوته. وقد حدث ذلك بجلاء في معركة ديان بان فو، أين سدّد الثوار الفيتناميون، بقيادة الجنرال جياب، ضربة قاسمة للجيش الإستعماري الفرنسي، وذلك سنة 1954. وبذلك كان لها الفضل في فتح عهد الإستقلالات في العالم.

ب- أنماط الإرهاب
ونبدأ بالفصل بين نمطين من الإرهاب، "الإرهاب الرسمي" و"الإرهاب الغير رسمي"، أو "الإرهاب من فوق" و"الإرهاب من تحت".
وتستمد كل نوعية شرعية وجودها من مصدر محدد خاص بها، حيث تعتمد الأولى على المؤسسات الرّسمية للدولة فأطلق عليها "إرهاب الدولة"، وتستمد الثانية تبرير وجودها من رفض الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والدينية والثقافية أو القومية أو العرقية أو رفضها مجمعة كيفما كانت وأطلق عليها "التنظيمات الإرهابية".
ويتحول هذا الرفض إلى غضب، تنفلت منه تعبيرات، تتجسد في أعمال إجرامية وأخرى تصاغ في قوالب نظرية وإيديولوجية تتغلف بالإيديولوجيات السائدة في عصر معين، فيكون باسم القومية أو الوطن أو باسم الشيوعية أو باسم الدين.

ب1- الإرهاب الرسمي:
يعتبر إرهاب الدولة أعرق شكل للإرهاب الرسمي، تلجأ له النظم الإستبدادية القديمة والحديثة لتوطيد الدولة على المستويين الداخلي والخارجي. ولذلك يمكن القول أن "الإرهابي" كان الأمير الحاكم الذي يدافع عن عرشه داخليا ويحمي مصالح دولته خارجيا.
ويخبرنا التاريخ عن أمثلة من إرهاب الدولة الداخلي والخارجي لا يرقى إليها الخيال، فقد دمّر هولاكو بغداد على آخرها وحرق الرومان قرطاج ودمّروها، وحرق الطاغية نيرون روما مركز إمبراطوريته. وغرقت البلاطات بالمؤامرات التي استهدفت الملوك والأمراء وورثتهم، عن طريق الإغتيال السياسي. وأباد الأمريكان الهنود الحمر ليحلّوا محلّهم. وتخصّصت الدول الأوروبية الإستعمارية في قنص الأفارقة والمتاجرة بهم كعبيد في القارة الأمريكية. وخاضت حروبا صليبية مع العالم العربي والإسلامي وحروبا استعمارية في بلدان إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وارتكبت فيها جرائم لا تحصى في حق الإنسان والإنسانية. فأرهبت وروّعت شعوبا بأكملها، وخلّفت ملايين الضحايا.
واستعملت الدول الإستعمارية كل الوسائل الحربية المدمرة، بما فيها الأسلحة المحظورة دوليا. وأفظع ما أقدمت عليه أمريكا هو استعمال قنبلتين نوويتين، في الحرب العالمية الثانية، ضد مدنيين يابانيين عزل.
ولا يمكن أن ننسى الحروب المتكررة التي قامت بها إسرائيل ضد الشعوب العربية والمجازر التي قامت بها في حق الشعب الفلسطيني ونخص بالذكر مذابح صبرا وشاتيلا ودير ياسين وجينين وضرب مقر قيادة الثورة الفلسطينية في الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة (حمام الشط) واغتيال أبي جهاد وقيادات سياسية من مختلف التنظيمات الفلسطينية، نذكر من بينهم: الذين اغتالتهم في بيروت في مطلع السبعينات، كمال عدوان وكمال ناصر، والذين اغتالتهم في السنوات الأخيرة، في الأراضي التي تعود بالنظر للسلطة الفلسطينية: أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والشيخ ياسين الأب الروحي لحماس، ولا يمكن أن ننسى اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي مات مسموما، وهو محاصر في رام الله، من قبل الجيش الإسرائيلي.
وبلغ إرهاب الدولة ذروته في الحربين العالميتين. وتكرس كسياسة رسمية للدولة مع النازية والفاشية وفي ظل حكم الجنرالات في أمريكا اللاتينية وأوروبا وإفريقيا وآسيا.
وشهدت بلادنا حكاما من هذا الطراز مثل مراد الثالث، المعروف باسم مراد "بو بالة".
إن هذا النوع من الإرهاب الذي أصبحت تمارسه الدولة ضد شعبها، بصورة رسمية، هو "إرهاب سياسي" للدولة، كمؤسسات، بعد إن كان إرهابا يمارسه الأمير حماية لعرشه ودفاعا عن مصالح دولته. وقد حدثت هذه النقلة، لأول مرة، مع الثورة الفرنسية، وبالتحديد مع الجمعية التأسيسية لسنة 1793 التي أسست لأسلوب حكم، من جوان 1793 إلى حدود جويلية 1794، قائم على الإرهاب السياسي المفتوح الذي مارسته "لجنة الخلاص الوطني" بإشراف روباس بيار، والتي قادت آلاف المواطنين إلى المقصلة. وقد كان له كلمة مشهورة أمام الجمعية التأسيسية حين قال:
"إما أن نسحق الأعداء الداخليين والخارجيين للجمهورية، وإما أن نهلك بهلاكهم ومن ثم أن يكون الشعار الأول لسياستكم هو: 'بالعقل تقاد الشعوب وبالإرهاب يقاد أعداء الشعوب' ".
فسقط رأسه بالآلة الرهيبة التي ابتدعها، بتهمة "ممارسة الإرهاب".
ويقوم هذا الأسلوب الإستثنائي في الحكم على العنف والإجراءات الإستثنائية، التي تعبر عن نفسها في إلغاء كل أشكال المعارضة وترويع كل الذين يريدون معارضة الثورة: محاكم بدون لسان دفاع عن المتهمين وإلغاء سماع الشهود، زيادة على أن هيئات هذه المحاكم لا تصدر إلا الحكم بالإعدام، وهو حكم، غير قابل للإستئناف أو الطعن.
وهو الأسلوب ذاته الذي انتهجته الثورة البلشفية، خلال سنوات "شيوعية الحرب" والحرب الأهلية، والذي كرّسه مرسوم "الإرهاب الأحمر" ونفذته "التشيكا" بقيادة دجيرجنسكي.
ولمّا احتدت الصراعات بين الدول الكبرى على اقتسام العالم وإعادة اقتسامه، وتعاظمت نضالات الشعوب من أجل التحرر الوطني والإجتماعي، بعثت الدول الإستعمارية أجهزة خاصة، لها مطلق الحرية في نسج المؤامرات وتنظيم الإنقلابات وتمويل حركات معارضة لنظم معينة والإعداد لاغتيالات سياسية وممارسة الإستفزاز لإثارة حروب ضد دول مستقلة. وقد كان لوكالة الإستعلامات الأمريكية باع كبير في هذا المجال، ويكفي أن نشير إلى اغتيال ألاندي وتنظيم انقلاب ضده عن طريق الجنرال بينوشي.

ب2- الإرهاب غير الرسمي:
وكما كنا أشرنا أعلاه فإن هذا النوع من الإرهاب يستمد دوافعه من رفضه للإضطهاد السياسي أو الديني أو الثقافي أو القومي أو الإقتصادي أو الإجتماعي، الذي يتحول مع مرور الزمن إلى غضب ومنه يحدث الإنحراف في اتجاه التطرف فالإرهاب. ويمارس الإرهاب غير الرسمي بشكل جماعي ومنظم أو بشكل فردي.
ويمكن لتردي الأوضاع الإجتماعية للطبقات الدونية، كما يمكن للمظالم التاريخية، أن تلقي الضوء على دوافع ظهور الإرهاب، لكنها لا تبرره بأي شكل من الأشكال. إن الضغط على النظم القائمة، عن طريق إثارة الذعر في السكان، الذي قد يؤدي إلى حالة من الفوضى العامة ومن ثمّة قد يفتح الطريق لتغييرات سياسية، عمل لا يختلف في جوهره عن الذي تمارسه النظم الإستبدادية. لذلك كان الإرهاب على الدوام مرتبطا بشكل أو بآخر بالطبقات السائدة أو بالشرائح المتطرفة منها أو بدول أجنبية، حتى وإن كان عند انطلاقه، وعلى الأقل بالنسبة للبعض منه، نشأ مستقلا عن القوى المتنفذة في الإقتصاد والمجتمع والدولة.
إن الذين يستعملون الإرهاب والذين يوظفونه، هدفهم المباشر هو إعادة ترتيب الأوضاع لصالحهم وتصفية خصومهم السياسيين. يحدث ذلك على مرأى ومسمع من أجهزة الدولة دون أن تتحمل الدولة مسؤولية الجرائم المرتكبة.
ولا شك أن الجميع يذكر علاقات كارلوس المشبوهة بالعديد من الدول. فقد وظفته فرنسا وليبيا وسوريا والسودان ودول أخرى لا يعلمها إلا هو ومخابراتها. وتصنف نوعية الإرهاب الذي يقوم به في خانة الإرهاب الفردي.
ومن لا يعرف علاقة أبي نضال وتنظيمه بالنظام السوري والليبي وبالنظام العراقي البعثي المطاح به...الخ ؟ ومن لا يعرف علاقة الكيو كلاس كلان بالرأسماليين الكبار العنصريين والمتنفذين في الإدارة الأمريكية؟ ومن يجهل أن الجماعات الجهادية والإخوانية و"القاعدة" والطالبان قد مولتهم وجندتهم وسلحتهم ودربتهم كل من أمريكا والسعودية ومصر والباكستان، وبالتحديد أجهزة المخابرات الأمريكية والباكستانية لمواجهة الغزو السوفياتي لأفغانستان؟ ومن لا يعلم أن "اليد الحمراء"، التي اغتالت فرحات حشاد، كانت مسنودة من قبل "سلط الحماية" الإستعمارية؟ ومن لا يعلم أن "جبهة الإنقاذ الإسلامية" في الجزائر كانت ممولة من قبل النظامين السعودي والإيراني؟ ومن يشك لحظة واحدة في علاقة حزب الله في لبنان بالنظامين الإيراني والسوري؟.
وبقطع النظر عن الأشكال والصيغ التي يتجلى فيها الإرهاب وعن مآلات حركاته، فقد كان ظهوره ملازما عموما للتحولات الكبرى التي شهدتها الأوضاع، حيث أنه، زيادة على كونه تعبيرا عن رفض الواقع القائم وثورة عليه، فهو رفض للتغييرات الحاصلة في الواقع وتشبث يائس بالماضي ومحاولة درامية للعودة بالمجتمع إلى ما كان عليه في الزمن المرجعي الذي يعتمده. ولذلك غالبا ما كان الإرهاب مشحونا بالمخيال الديني الذي يشرّع هذا النوع من العنف. وهو، على العموم وبقطع النظر عن الإيديولوجيا التي يعتمدها، يحمل في جوهره معنى صوفيا، اعتبارا لكونه يريد فرض "فكرة على التاريخ" كما قال برودون.
لقد كانت الحركات الإرهابية في أوروبا، إلى حدود القرن التاسع عشر، مطبوعة بطابع ديني واضح. ونشير في هذا الصدد، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، إلى الإرهاب الذي مارسته الرابطة الباريسية المسيحية المتطرفة في باريس، خلال الفترة الفاصلة بين 1585 و1594.
إن الثورة البورجوازية في البلدان المتحضرة، التي فصلت الدين عن الدولة، حررت السياسة من التستر بالدين لمعارضة نظام الحكم وللدفاع عن أهداف وقيم ومبادئ خاصة. ورغم المحاولات المتكررة التي تقوم بعض الفرق المتطرفة لإضفاء طابع ديني مسيحي على مشاريعها، فقد فشلت في مسعاها حيث لم تجد سوى قلة من الأنصار.
بينما تحولت مثل هذه الحركات في البلدان العربية والإسلامية إلى حركات جماهيرية، منها من وصل إلى السلطة ومنها من هو على مشارفها، ناهيكم أن الحركات الإرهابية باسم الدين تحوز على تعاطف كبير بين الناس ولها من الأنصار والأتباع أكثر من أيّ حركة سياسية علمانية أخرى. ويعود ذلك إلى أن البلدان العربية والإسلامية لم تنجز نقلتها الديمقراطية، التي من شأنها أن تحدث الفصل بين المجالين السياسي والعقائدي وتجعل من الدين شأنا خاصا بكل فرد ومن الشأن العمومي شأنا مشتركا بين النّاس.

ج- لمحة تاريخية عن الحركات الإرهابية:
ولفهم هذه الظاهرة على الوجه الأفضل لا بد من تتبعها عبر التاريخ:

- "حركة الورعاء" اليهودية
كانت أولى الحركات الإرهابية التي سجلها التاريخ المكتوب هي "حركة الورعاء" اليهودية التي تأسست في القرن الأول الميلادي والتي أطلق عليهم الرومان "حركة المخنجرين" لاعتمادها الخناجر في الإغتيال. وقد كانت أخذت شكل مقاومة للإحتلال الروماني وعلى الأخص لمّا جرّد الإمبراطور فلافيوس جوزاف اليهود من الإستقلال الذاتي الذي كانوا يتمتعون به في عهد الإمبراطور "هيرودوس". وازداد القمع شدة ضدّهم حيث بلغ درجة الصلب الجماعي للمجموعات المتمردة. وكانت هذه الحركة استهدفت ممثلي الإمبراطورية الرومانية والوجهاء المتعاونين معهم وكذلك الذين يحاكونهم نمط عيشهم.
وانتهت هذه الحركة بانتحار جماعي لآخر أعضائها.

- "حركة الحشاشين"
عرفت حركة الحشاشين باستعمال أتباعها المخدرات. وهي طائفة إسماعيلية، انشقت عن الفاطميين، تدعو إلى إمامة "نزار بن المنتصر بالله" ومن جاء من نسله. وكانت تدرب أتباعها منذ الصغر على الطاعة والولاء والسرية واستعمال الأسلحة، وتعدّهم للعمليات الإنتحارية ولقتل أنفسهم في حالة وقوعهم تحت الأسر، وأطلقت عليهم اسم "الفدائيين".
وقد اتبعت هذه الحركة أسلوب الإغتيال المنظم الموجه ضد النخب السياسية والعسكرية والإدارية والدينية بدوافع دينية متعصّبة، من أجل التّخلص من إمام أو أمير أو خليفة غير شرعي والعودة إلى حكم شرعي، بمعنى قائم على الشريعة الإلهية.
ومن أبرز أعمال "حركة الحشاشين"، هي تلك التي طالت وزير السّلاجقة وثلاثة من الخلفاء العباسيين وأحد قادة الصليبيين المركيز مونغرا الذي توج نفسة ملكا على القدس ومحاولة اغتيال صلاح الدين الأيوبي ثلاث مرات.
ويدعى قائد هذه الحركة الحسن الصباح "شيخ الجبل"، لأنه تحصن بقلعة "آلموت" المنيعة في جبال الديلم شمال إيران. وتقول الروايات أنه درس على مقعد واحد مع أعلام الأدب والفلسفة وقت ذاك، كعمر الخيام ورجل السياسة والفكر "نظام الملك".
والجدير بالملاحظة أن العمل الإرهابي سابق في التاريخ العربي الإسلامي لحركة الحشاشين، إذ كان الخلافاء الراشدين الأربعة تعرضوا للإغتيال، سواء بصورة فردية أو منظمة ظرفيّا. وبدأ هذا الشكل يبحث عن مشروعية الرّد المنظم مع الخوارج ليستقر نهائيا في الصيغة التي مثلها الحشاشون.

- "حركة الخناقين" الهندوسية
عرفت هذه الحركة باسم "التويغ" وهي حركة دينية إرهابية، يعبد أتباعها إلهة الموت الهندوسية "كالي". وتتمثل عقيدتهم في أن "كالي" خلقت من عرق إبطها إنسانين لمساعدتها على صراع الشيطان. فسمحت لهما بقتل من شاءا دون ذنب أو تأنيب ضمير مكافأة لهما، شريطة ألا يراق دم. وعلى أساس ذلك اختص أتباع هذه الحركة في القتل خنقا.
ولم يتم القضاء عليها إلا في منتصف القرن التاسع عشر على أيدي البريطانيين، وتكون بذلك أكثر الحركات الإرهابية التي عمرت طويلا، حيث ظهرت إلى الوجود في القرن السابع للميلاد.

-"الحركة الفوضوية" أو "الحركة التصفوية" في روسيا
كانت روسيا القيصرية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مسرحا لعمليات إرهابية عدّة استهدفت رجال الدولة. وكان سيرغي نتشائيف منظّر الإرهاب الثوري. فكان بمثابة العبادة الصوفية للثورة، إذ لا يختلف في شيء عن مفهوم الإرهاب الإنتحاري أو الفدائي.
وقد تأثرت "الحركة التصفوية" بأطروحاته. وسعت، في نفس الوقت، إلى كسب الجماهير الشعبية لمشروعها الهادف إلى القضاء على النظام الملكي الإستبدادي وإرساء نظام تتحقق فيه سلطة الشعب وتتحوّل الملكية الخاصة إلى ملكية اشتراكية، عن طريق إرهاب رجالات الدولة أو التخلص منهم والدعاية الثورية في صفوف الشعب.
وفي 1890 نشأت الحركة الفوضوية، التي تولت القيام بأعمال عنف إرهابية في القارة الأوروبية. ويعتبر ميخائيل باكونين المنظر الرئيسي للفوضوية المناضلة. فقد أكد في كتابه، "الله والدولة"، أن الفوضوية المناضلة هي ثورة "الإنسان الفرد" ضد كل سلطة إلهية أو إنسانية، وأن العمل الفوضوي هو"دعاية بواسطة العمل" يهدف إلى تعبئة المجتمع بـأسره "للثورة الإجتماعية"، والمقصود بالعمل هو كل الأشكال والأساليب التي تشد انتباه الناس وتدفعها إلى التعبئة، بما فيها العمل الإرهابي.

- الألوية الحمراء والجيش الأحمر الياباني والتوباماروس وخلايا العمل المباشر
نشأت هذه الحركات كرد فعل على تأثير ثلاثية الرخاء على الطبقة العاملة، حيث تراجع وعيها السياسي ونضالها الثوري فركنت إلى الإصلاحات والمنافع المباشرة، وكرد فعل ثان على مآل الإتحاد السوفياتي وتأثر بالماوية والثورة الثقافية الصينية والغيفارية، وإحياء للأطروحات الإرهابية للباكونية والتصفوية. غير أنها لم تعمر طويلا وانهارت تحت الحملات الأمنية. وكان لأغلبها علاقات بشبكات تجارة الأسلحة والمخدرات والمافيا ومنها من أصبح مكونة من مكونات أوساط الجريمة المنظمة.
د- العمل الإرهابي والحركات الوطنية والإنفصالية
لقد أقدمت بعض الحركات الثورية الفلسطينية على القيام بأعمال إرهابية كاختطاف الطائرات واحتجاز رهائن والقيام بتفجيرات. وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أولى التنظيمات الفلسطينية التي اتبعت هذا الأسلوب في النضال ضد العدو الصهيوني. وواصل تنظيم أحمد جبريل، الجبهة الشعبية "القيادة العامة"، الخط نفسه بعد أن تخلت الجبهة الشعبية عن العمل الإرهابي. وأخذت الحركات الإسلامية مشعل العمل الإرهابي، حيث برعت في تفجير الحافلات والنزل والملاهي والأماكن العمومية الآهلة بالإسرائليين العزل واختطاف الرهائن. وقامت بعملياتها الإرهابيه في كل مناسبة تم فيها الإعلان عن تقدم في المفاوضات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لإيجاد تسوية شاملة للوضع، من أجل إجبار الطرفين على العودة إلى نقطة الإنطلاق. وهو الأسلوب نفسه الذي ينتهجه حزب الله في لبنان، إذ يقدم في كل مرة على رمي المستوطنات الإسرائلية بقذائف كاتيوشا أو يختطف رهائن من الجنود، ليذكّر إسرائيل والفلسطينيين معا أنه صاحب شأن في كل اتفاقية.
وقام الباسك بالعديد من التفجيرات وعمليات الإغتيال السياسي وكذلك الشأن بالنسبة للجيش الجمهوري الإيرلندي والسيخ في الهند وحركة "الدرب المضئ" في أمريكا اللاتينية، والحركة الإنفصالية للكورس في فرنسا. وتشابكت العمليات الإرهابية بالنضال التحرري الوطني بشكل واسع في فلسطين والعراق. ويعود هذا التشابك ليس فقط لتوفر فضاءات تسمح بذلك، بل أيضا، إلى كون الحركات الإرهابية وجدت شرعية توسيع نطاق فعلها من همجية عملية الغزو الأميركي- البريطاني للعراق وعنجهية وبربرية الجيش الإسرائيلي حيال الشعب الفلسطيني، وإلى الغموض الذي مازال يسيطر على الخط السياسي للحركات الوطنية في جانبين أساسيين وهما: أولا، القوى المتحالفة معها، وثانيا، مشروع الدولة الوطنية التي سوف تكرّس المشروع المجتمعي البديل عن الإستعمار وعن النظام الإستبدادي.

هـ- الحركات الإرهابية باسم الدين
كانت جمعيات مسيحية قد مارست إرهابا أعمى ضد السكان، مثل الرابطة الباريسية الكاتوليكية المتطرفة في أواخر القرن السادس عشر، ومارست الكنيسة أيضا، بصورة رسمية، عن طريق محاكم التفتيش، ملاحقة المرأة وأهل الفكر والثقافة والفن والعلم، وكان غاليليو من أبرز ضحاياها.
وكنا تعرضنا للجماعات اليهودية المتطرفة التي مارست الإرهاب والإغتيال السياسي في القديم، في حين أخذ التطرف الديني المعاصر صيغة صهيونية فتشكلت، منذ مطلع ثلاثينات القرن الماضي، من بين أعضائها، عصابات إرهابية متخصصة في ترويع الفلسطينيين لإجبارهم على ترك أراضيهم وبيعها بأبخس الأثمان لليهود القادمين إلى "أرض الميعاد". وتحولت هذه العصابات شيئا فشيئا إلى نواة جيش الدولة الصهيونية التي كسبت شرعيتها الدولية مع قرار الأمم المتحدة الصادر في 1947. ومن ثم ّ أضحى الإرهاب الصهيوني مرتبطا بالدولة وأخذ صفة "إرهاب الدولة".
ومارست الحركة الإخوانية في جميع البلدان العربية الإرهاب باسم الدين، إذ زيادة على إرهاب المواطنين، في مصر مثلا، عن طريق "فرق الجوالة" فقد مارست الإغتيال السياسي حيث اغتالت الوزير النقراشي باشا وردت حكومة الملك فاروق باغتيال حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين. وحدثت عمليات إرهابية في سوريا أدت إلى مواجهات دامية بين الجماعات الإخوانية والنظام السوري. وشهدت تونس أعمالا محدودة لكنّها بالغة الدلالة، عملية حرق مقرّ لجنة التنسيق الحزبي، التابعة للحزب الحاكم، بباب سويقة، والتي ذهب ضحيتها عاملان، دون ذكر الأعمال الأخرى التي سوف نتعرض لها لاحقا. واتبعت جبهة الإنقاذ الجزائرية مسارا مغايرا إذ مرّت إلى التمرّد المسلّح في أولى محاولات انخراطها في الحياة السياسية. وكان لها باع في إشاعة الإرهاب في الجزائر وتعريض الشعب الجزائري لمآس وفظاعات لم يشهد مثيلا لها إلا في العهد الإستعماري.
وكرد فعل على عدم توصل الحركات الإخوانية إلى الوصول إلى الحكم، وتعرضها للقمع كلما حاولت تجاوز الحدود المسطرة لها من قبل النظم القائمة، انشقت عنها حركات جهادية وأنشأت بالموازاة لها حركات دينية متطرقة تعتمد العمل الإرهابي أسلوبا رئيسيا في النضال السياسي. فكانت حركات "التكفير والهجرة" وحزب "التحرير الإسلامي" و"حزب الله" و"جيش الشام" وجماعات "السلفية الجهادية" وتنظيم "القاعدة"....الخ. وقد برعت هذه الجماعات بانتهاجها أسلوب الإرهاب الأعمى الموجه ضد العدو الخارجي وضد السلطة وضد المواطنين العزل.
والجدير بالملاحظة أن الأحداث التي تجري في العراق وأفغانستان والصومال وفلسطين والجزائر، والتي جرت في السعودية والمغرب وتونس وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وأندونسيا والهند، تؤكد أن الإرهاب شهد مع "الجماعات الإسلامية المقاتلة" نقلة نوعية منذ دخول العشريتين الأخيرتين من القرن الماضي، حيث أصبح يستهدف المواطنين، محليا وعالميا، بشكل مباشر لأنه ارتبط إلى حد كبير، في بداياته، بالدول المصدرة للثورة، مثل إيران وليبيا، وبالدول التي لها مصالح في تغيير الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة العربية ولها مصالح استراتيجية نفطية بالأساس، ونخص بالذكر الولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ ذلك الحين أخذ الإرهاب بعدا عالميا. وهو تحول طبيعي يتناسب وحجم القوى المتزاحمة في الساحة الدولية. كما أنه تحوّل طبيعي يتماشى والتغييرات الفكرية والعقائدية التي شهدتها وتشهدها الحركة الإسلامية عموما، من السلفية إلى السلفية الجهادية.

3- الإرهاب والإعلام
تتالت مشاهد القتل المباشر عبر "الشاشة الصغيرة" وشبكة "الأنتار نات" والصور الشمسية الملتقطة في لحظتها. فقد شاهدنا مقتل محمد الدرة بالصوت والصورة، واهتز العالم للحدث. وتابعنا تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين، وأصاب الذهول الجميع، بمشاهدة العملية إلى النهاية، على شبكة "أنتارنات". ونقلت لنا الشبكة مرارا مشاهد ذبح الرهائن وقتلهم رميا بالرصاص من قبل الجماعات الجهادية المحسوبة على المقاومة العراقية.
وأصبح مألوفا لدى المشاهد مناظر الدمار الشامل الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني أو الجيش الأمريكي والبريطاني كلما أقدم على تنفيذ "خطة أمنية جديدة" في العراق.
كما أصبحت مألوفة مشاهدة جثث الموتى وطوابير النساء والأطفال والرجال الفارين بجلدهم من مناطق المواجهات تاركين كل الذي يملكون. وتكررت هذه المشاهد بنسق سريع، في العشريتين الأخيرتين، حيث عاشت منطقة البحيرات الكبرى حركة تنقل كارثية، لشعوب بأكملها، مرفوقة بتصفية عرقية مفزعة. وحدث الشأن نفسه في الصومال والسودان والبوسنة والهرسك والشيشان والعراق وأفغانستان.
وفي 11 سبتمبر 2001 كانت الـ"سي. إن.إن" تنقل مباشرة واقعة اصطدام الطائرة الثانية بأحد البرجين "التوأمين" بنيويورك، وانهارت ناطحتا السحاب على مرأى ومسمع من العالم بأسره، أي "على الهواء مباشرة". وفي الوقت نفسه اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى البونتاغون ورابعة لم تصل البيت الأبيض.
لقد كانت أكبر عملية إرهابية في التاريخ، ذهب ضحيتها حوالي العشرة آلاف بين قتيل وجريح، زيادة على ما خلفته من أمراض نفسية واختلالات عقلية.
وبالرغم من هول الصدمة فقد تعود العالم على غياب "التوأمين" من مشهد نيويورك وأصبحت مشاهدة انهيارهما عادية دون تأثر أو انفعال.
لكن وبقطع النظر عن التعود على المشهد الإرهابي اللصيق للمشهد الإعلامي والذي أصبح بفضل النقلات الحاصلة في وسائل الإتصال يواكب الأحداث وهي بصدد الوقوع. فقد تفطن قادة الإرهاب العالمي لذلك، فاستغلوا حرفية الإعلاميين وبحثهم الدائم عن السبق الصحفي، كما استغلوا حرص رؤساء المؤسسات الإعلامية على تحقيق أعلى نسبة من المتتبعين لقنواتهم (audimat)، عن طريق توفير المادة الضرورية التي باستعمالها يتحول الحدث الإرهابي المحلي إلى حدث عالمي، فما بالكم إذا تعلّق الأمر بحدث عالمي فعلا، مثل استهداف "البونتاغون" و"التوأمين". وحرص زعماء "القاعدة" على تنظيم ظهورهم بالتهديد والوعيد قبيل العمليات الإرهابية الكبرى، وفي بعض الحالات بعد فشل الهجمات الأمريكية التي تستهدفهم كي يعلنوا مواصلة الطريق وتجديد العهد مع "الجهاد"، ثم يتغيبون لفترة طويلة، وعلى الأخص بن لادن، فيكثر الحديث عن مآلهم وعن مخططاتهم. وهي جميعها أساليب تستعمل لشدّ انتباه الرأي العام إليهم من خلال متابعة الإعلام لهم باستمرار.
إن الإعلام في عصر العولمة أصبح صناعة متطورة فائقة الخطورة، نظرا للقدرة الفائقة التي أصبح يتمتع بها في تكييف الرأي العام و"صناعته" عن طريق تناوله للخبر من زوايا معينة دون غيرها واعتماده على الصورة التي تولد وهم تحوّل الفكرة إلى واقع وحقيقة، حتى وإن كانت مكيّفة ومركّبة بشكل مشوّه. وحرصت بعض القنوات التلفزيونية على متابعة ظاهرة الإرهاب، وعلى الأخص الظاهرة الجهادية، خطوة بخطوة من أجل حمل الرأي العام على القبول بأطروحاتها وأعمالها على أساس أنها تمثل الجوهر الصافي للعقيدة الإسلامية. وكان السبق لقناة "الجزيرة" القطرية دون منازع، حتى أنه لا يخلو برنامج من معالجة فكرة أو حالة لها علاقة بشكل أو بآخر بالعقيدة في صيغها التي تلامس الإسلام الجهادي. ويشاركها في هذا التوجه عدد من القنوات النفطية التي بصدد تقديم عقدية جامدة متحجرة للناس، عن طريق منشطين مشبوهين ومشاركين يدركون دورهم على الوجه الأكمل، نذكر من بينهم عمرو خالد والقرضاوي.
والأخطر من كل ذلك هو أن قناة "الجزيرة"، حازت ثقة الرأي العربي من خلال البرامج الهجومية التي تبثها ضد النظم العربية التي تبدو فيها مدافعة عن الديمقراطية في حين أنها كانت ولازالت المدافع المتماسك عن الحركة الإسلامية بمختلف نزعاتها، حتى أنها لم تترك مجموعة واحدة لم تستضفها ولم تمكّنها من تقديم أفكارها ومواقفها، بما فيها الفرق الإرهابية، في حين أنها تقيم جدار برلين بينها وبين القوى الديمقراطية المناهضة للحركة الإسلامية وللمشروع الإستبدادي باسم الدين، وعلى الأخص قوى الإشتراكية العلمية.
ونحن لا نعتقد أن المحدد في هذا التوجه هي الإختيارات العقائدية أو السياسية فقط بل إن للنفوذ المالي دورا أساسيا في ذلك. فالقرضاوي مثلا صاحب أسهم لها وزنها في رأس مال قناة "الجزيرة"، لذلك خصص لنفسه برنامجا يصول فيه ويجول، ونصب فيه نفسه مفتيا "لديار الإسلام" قاطبة. وإذا أخذنا بعين الإعتبار أن بن لادن رأسمالي عالمي متخرج من المدرسة الأمريكية (للرأسمالية) ومن شركاء عائلة بوش، لا يفوته أن يستثمر في الإعلام كي يتمكن من التأثير على اختيارات وسائله، وقد يكون صاحب أسهم في قناة "الجزيرة" وقنوات أخرى عن طريق وسطاء، وهو أمر مألوف.
والجدير بالملاحظة هو أن العنصر الجديد الذي ثبته الإعلام في ذهن الرأي العام كحقيقة واقعة، هو جماعات السلفية الجهادية في صيغتها الجديدة، بعد حرب أفغانستان الثانية، التي تمثلها "القاعدة"، باعتبارها مكونة من الواقع السياسي في العالم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، تحوّل الإرهاب إلى ظاهرة عالمية عابرة للقارات والثقافات والبلدان.
والأهم من كل ذلك هو أن هذا الكائن العالمي الذي نشأ في ارتباط بالدول واستخباراتها قد استقل عنها وأصبحت له شبكاته الخاصة ومراكز تدريبه ومصادر تمويله وقد يفرض على البعض منها خدماته وتوجهاته. وكانت الإدارة الأمريكية قد أدركت هذا التحوّل فأعلنت "الحرب العالمية" على الإرهاب مباشرة بعد الإعلان عن "الجبهة العالمية لقتال الأمريكان واليهود" خلال سنة 1998. ومنذ تلك اللحظة أصبحت المواجهة عالمية.











الإرهاب العالمي والعولمة النيوليبيرالية

1- الـG7 تقرر دخول عصر العولمة النوليبيرالية
أعلنت الـG7: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان وبريطانيا العظمى وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في مطلع الثمانينات، تبني النيوليبيرالية. وكان رجل الإقتصاد الأمريكي جون ويليامسون لخص أسسها في بيان العشرة نقاط الذي عرف بـ"وفاق واشنطن". ودخلت هذه الإختيارات حيّز التنفيذ انطلاقا من سنة 1982في كل من أمريكا وبريطانيا بدفع من ريغن وتاتشر.
وكان الإقتصادي الأمريكي، صاحب جائزة نوبل، السيد ميلتون فريدمان مدافعا صميما على النيوليبيرالية، بدعوى أنها قادرة وحدها على تحقيق رفاهية ورخاء الشعوب، بفضل تحرير "المبادرة الخاصة" و"المساواة في الفرص" التي يضمنها قانون السوق.
وكانت نشأة النيوليبيرالية قد توافقت مع التحولات التكنولوجية والعلمية العميقة التي أحدثتها الرأسمالية، في العشريتين الأخيرتين من القرن الماضي. تلك التحولات التي هزت أسس الإقتصاد العالمي القديمة وفتحت المجال لقيام نظام اقتصادي عالمي جديد "رأسمالي" تحررت فيه حركة رأس المال من كل رقابة للدولة وأصبح بين أيدي السوق المالية العالمية، التي أصبحت تراقب حوالي 30 ألف مليار من الدولارات.
ومنذ أن دخلت النيوليبيرالية حيز التنفيذ على المستوى العالمي، حدث اضطراب في الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية لجميع البلدان، وعلى الأخص البلدان ذات البنية الإقتصادية الهشّة. وهو ما شهدته أغلب "البلدان النامية"، بما فيها "النمور" و"العفاريت" الآسيوية وبلدان أمريكا اللاتينية والوسطى مثل البرازيل والأرجنتين والمكسيك.
وكان من نتائج هذا الإنخرام أن أصبح ما يناهز عن 815 مليون نسمة يعيشون في حالة سوء تغذية. فالعالم أصبح ينتج مزيدا من الثروة غير أنه مازال عاجزا على توزيعها توزيعا عادلا.
لقد فرض منطق الربح المتعجرف نفسه على حساب البيئة والأهداف الإجتماعية والثقافية والحضارية للتنمية الإقتصادية. فأرهق اللهث وراء الإنتاج والإنتاجية الطبيعة وفاقم وجود الفضلات وأضر بطبقة الأوزون وخلق وضعا غير طبيعي من جراء " L’effet de serre".
وكشف Josef E.Stiglitz المتحصل على جائزة نوبل في الإقتصاد، في كتابه "La Grande Desillusion"، عن الأساليب التي اتبعها صندوق النقد الدولي لفرض اختياراته التي قادت إلى كوارث وغذّت لدى ضحاياها الحقد والكراهية ضد الإقتصاد المهيمن الذي فرض بالضغط والقوّة اختيارات تضحي بالضعفاء لصالح الأقوياء والمالكين، وضد المؤسسات المالية والتجارية العالمية- البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة.
وقد أصبح الرأسمال المضارب أو "الرأسمال العائم"، الذي لم يترك مجالا من مجالات الحياة لا يضارب فيه، يفرض سلطانه على العالم وجعل من الربح الأقصى السريع الذي يحقق على حساب الإنسان والطبيعة والحياة، القيمة الأولى لكل فعل، مما جعل الإنسانية تعيش حالة من الخوف وعدم الإطمئنان على المستقبل وعلى الأجيال القادمة، ويدفعها إلى الإلتجاء لردود الفعل المتطرفة، التي يسهل تحويلها إلى فعل إرهابي يأخذ الغطاء الإيديولوجي الذي يتبوء جبهة الرفض الراديكالية.











2- العولمة النيوليبيرالية،
استغلال واضطهاد شامل للشعوب
لقد فاقمت العولمة بمظهريها المالي والسلعي الفوارق الإجتماعية بشكل مفزع، حيث أن54% من السكان في العالم، أي ما يعادل مليارين و700 ألف، يعيشون اليوم بأقل من دولارين في اليوم، وأن مليارا و300 ألف ساكن (22%) يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 45 مليون نسمة يعيشون تحت حاجز الفقر و52 مليون أميّ. وبالمقابل فإن 1% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية كانوا يحتكرون 33,8% من الثروة العالمية سنة 1983 ثم أصبح نصيبهم 38,1% سنة 1998. كما تجدر الإشارة إلى أن ثروة الـ225 من أثرى أثرياء العالم تضاهي الدخل السنوي لـ47% من الفئات الأكثر فقرا أي ما يعادل مليارين ونصف من سكان العالم. وقد أصبح هؤلاء الأشخاص أغنى من الدول ذاتها.
وانتعش، في ظل هذه الأوضاع، اقتصاد غير رسمي وغير شرعي تستعمله الشركات العملاقة ورأس المال عموما للتهرب من الضرائب وإضفاء عدم الشفافية على المعاملات وخرق قوانين المنافسة،. ويجري ذلك في البلدان المعفاة من الضرائب "جنّة المستثمرين" التي يتم فيها "غسل الأموال". وهذا يعني أن العولمة بأشكالها الرسمية، قد ولّدت معها عولمة للإقتصاد غير الرسمي أو لاقتصاد الجريمة الذي يعتبر الممول الرئيسي لشبكات الإرهاب العالمية.
أشار "برنامج التنمية للأمم المتحدة" في تقريره لسنة 2000 أن الناتج العالمي الخام للجريمة بلغ حوالي 1200مليار دولار سنويا وهو رقم يقارب الناتج الداخلي الخام لفرنسا في نفس السنة، حيث بلغ 1333 مليار دولار. وقسم الناتج العالمي الخام للجريمة على النحو التالي:
- تراوح ناتج تجارة المخدرات بين 300 و500 مليار دولار سنويا.
- تهريب المهاجرين: 7 مليارات.
- البغاء: 4 مليارات.
- وتراوح دخل تجارة الأصناف الحيوانية المحمية بين 6 و10 مليار دولار.
- والسيارات المسروقة، بين 10 و 15 مليار دولار.
- في حين أن ناتج المواد الأولية الخطيرة والموارد الطبيعية المحمية تراوح بين 22 و 31 مليار دولار سنويا.
وبصورة عامة فقد أكد "البرنامج" أن نسبة الناتج العالمي الخام للجريمة من التجارة العالمية قد بلغت 15%.
ويعيش هذا النوع من الإقتصاد في تشابك وتناغم تام مع الإقتصاد الرسمي. وليس في الأمر غرابة، ما دام الطرفان يبحثان عن الربح والربح فقط، دون الإكتراث بالوسائل والطرق، ودون أي اعتبار للإنسان ومستقبله، فالهدف واحد والمعركة واحدة.
لذلك نرى مثلا أن لوكسمبور التي تستقطب 20% من الإستثمارات في أوروبا، تقبل من بين هذه الإستثمارات ما بين الـ 15 والـ20%، متأتية من الإقتصاد غير الرسمي وغير الشرعي أو من التهرب من الضرائب.
وبما أن العولمة النوليبيرالية فتحت الطريق أمام الربح الأقصى لرأس المال، سواء كانت اقتصاديات البلدان في حالة ركود أو نمو، فقد تنامت الثروات بشكل هائل، ناهيكم أن الناتج الوطني الخام لسويسرا لم يتطوّر خلال سنة 1997 إلا بنسبة 1%، في حين أن مؤشر المستثمرين في البورصة قد شهد قفزة بنسبة 40% في الستة أشهر الأولى لنفس السنة.
وتشير الأرقام إلى أن قيم البورصة في العالم شهدت نقلة نوعية، في الفترة الفاصلة بين 1980و1998، حيث مرت من 2700 مليار دولار إلى 18000 مليار دولار.
ومن جهة أخرى تنامت هشاشة التشغيل، أو بالأحرى أصبحت الهشاشة هي القاعدة، وتضاءلت شروط الإستقرار والحياة الآمنة، ليس فقط بالنسبة للكهول، بل وعلى الأخص بالنسبة للشباب الذي أغلقت أمامه أبواب التشغيل وأصبح في حيرة تامة على مستقبله، مما ولّد أمراضا نفسية وحالة من التوتر والإنهيارات التي ضاعفت من حالات الإنتحار في الأوساط الفقيرة.
وشهدت القيم القديمة تراجعا ملحوظا أمام سلطان المال والشعوذة والخرافة والكحولية والمخدرات والجريمة المنظمة. وهو تراجع أغرق الوعي السياسي، الذي كان بالأمس عنصر تجميع للشباب والقوى الحيّة في جميع البلدان، في أتون التخلف ودفع بالحياة الفكرية والثقافية إلى التفسخ.
إن فرض الهامشية على شرائح واسعة من الشباب ومن الشعب الكادح تدفع إلى تحلل القيم الإنسانية وتجعل المرء رهينة حربه اليومية من أجل الحياة، وأيّ نوعية من الحياة يحياها. وبتفشي التفسخ القيمي والأمراض الإجتماعية أصبحنا نشهد تتفيها لظاهرة الرّشوة والفساد والعنف ولمبادئ الديمقراطية وقيم النظام الجمهوري وحقوق الإنسان والحريات والمواطنة.
والجدير بالتنويه أيضا أن النقلة النوعية التي أحدثتها العولمة في حياة الشعوب مثلت رجة عنيفة في المجتمعات التقليدية بما في ذلك في مجال العقائد. والأخطر هو ما وقع للشعوب العربية التي تعرضت في جهتها الشرقية إلى حصار ضرب على العراق لما يزيد عن العشر سنوات، باسم الشرعية الدولية، أتى على حياة 500 ألف طفل، وحربين حصدتا حوالي المليون ضحية ودفعتا حوالي مليوني ساكن إلى الهجرة أغلبهم مشردون، من بينهم مليون في سوريا و700 ألف في الأردن والبقية في البلدان العربية المجاورة وأوروبا. كما تعرض لبنان في الفترة نفسها تقريبا إلى حربين شنتهما ضد إسرائيل باسم أمنها. ولا يقل في شيء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من تدمير شامل، عن الشعبين العراقي واللبناني، وربما أشنع وأشد وطأة.

3- الإرهاب العالمي وليد العولمة
وخصمها حول اقتسام مناطق النفوذ

انتعش، في الجهة المقابلة للثراء الخيالي، أي في صفوف الذين فاقمت النيوليبيرالية حرمانهم واضطهادهم واستغلالهم والذين همّشتهم عن دائرة الإنتاج، شعور متعاظم بالحاجة إلى ردّ الفعل والوقوف ضد التيار. فكانت البداية تحركات سلمية احتجاجية، تعبر عن الغضب والسخط. لكن سرعان ما تطورت بسرعة في اتجاه أشكال متطرفة. ويعود هذا الإنفلات للظروف التي انطلقت فيها الحركة إذ اتسمت بفشل المشاريع التنموية الإجتماعية، وعجز الحركة اليسارية التي تتبنى الإشتراكية العلمية على مواجهة متطلبات التطورات التي شهدتها الأوضاع الدولية، وتصدر النضال السياسي والإجتماعي والتصدي للضياع القيّمي والثقافي والحضاري الذي تروج له العولمة.
في تلك الظروف بالذات ظهرت إيديولوجية التطرف الديني بمثابة الشكل الأكثر راديكالية لرفض الواقع المفروض بتحولاته الحاصلة وبالدعوة إلى العودة لما أتى به وكان عليه السلف الصالح. وهكذا تم ّ توجيه غضب الشعوب ورفضها للإستغلال والإضطهاد الذي يمارسه في حقّها الرأسمال المعولم في اتجاه ماورائي وعقائدي متطرف انتهى بشرائح من الشباب إلى الإنخراط في العمل الإرهابي بأشكاله المختلفة، متوهمة أنه طريق الخلاص.
وبقطع النظر عمّا أتت به العولمة من تقدم فإنها لم تشع الفقر فقط بل تعدت على الثقافات ودمرت تاريخ وذاكرة الشعوب، وفلسطين والعراق نقدمهما على سبيل الذكر لا الحصر، ودفعتها إلى اليأس والرفض السلبي الذي يجد فيه الإرهاب أرضا خصبة للإنتعاش.
إن التدمير المنهجي الذي تقوم به العولمة للمجتمعات التقليدية، باقتصادياتها وثقافاتها وقيمها، والعمل على تنميطها مع النموذج الأمريكي، سواء بالتدخل المباشر أو غير المباشر، ولّد لدى الشباب، على وجه التحديد، حالة من اليأس والغبن وشعورا بالعجز من إمكانية التواصل في الحياة بشكل مقبول. فتوجه إلى ثقافة الموت التي تقدس الجهاد والإستشهاد اللذين يمثلان الأساس الإيديولوجي للسلفية الجهادية الجديدة.
وغالبا ما كنا نكتب ونقرأ عن كيفية توظيف العمل الإرهابي من قبل الأوساط الداخلية والخارجية لفرض اختيارات أو تحقيق مصالح محددة، ومن قبل النظم الحاكمة للضغط على الحياة السياسية وإحكام قبضتها عليها أكثر من ذي قبل، أو لتمرير مشاريع اقتصادية واجتماعية وثقافية معينة. والشواهد على ذلك كثيرة في جميع البلدان المتقدمة والمتخلفة، الديمقراطية والدكتاتورية، على حد السواء.
ويبدو منطقيّا القول بأن "الإرهاب هو نتيجة طبيعية للفوضى العامة" التي أحدثتها العولمة النيوليبيرالية وللفقر وهشاشة الحياة لدى أغلبية سكان العالم. لكن نشأته وتطوره كان بفعل فاعل، كان نتيجة التقاء طبيعي بين حركة دينية تتجه يوما بعد يوم نحو التطرف والإرهاب، ونعني السلفية الجهادية والجماعات الجهادية المنشقة عن الحركات الإخوانية، التي تهدف إلى "إقامة دولة الخلافة" والعودة إلى السلف الصالح، وبين رأسمال عالمي يصارع من أجل مصالحه "الشرعية"، وعلى الأخص النفطية منها، في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وهو رأسمال تريد أمريكا توظيفه كيفما شاءت، لخدمة مصالحها الجيوسياسية والإستراتيجية، وكان دعم في السابق عائلة بوش وبوش الإبن نفسه. لكنه تمرد منذ أن وعى بمصالحه وألّف قوّة ضاربة خاصة به، مؤهلة للتحرك على أي جبهة كانت وفي أي وقت كان، بلغ عددها في الحرب الأفغانية ضد الإحتلال السوفياتي حوالي 100 ألف رجل.
ويمثل بن لادن هذه الشريحة من الماليين الكبار الذين يمولون ويقودون عمليا الحركة الإرهابية العالمية باسم الدين. وكنا أشرنا إلى الدعم الذي كان يتلقاه من الرأسماليين السعوديين لتمويل شبكته الدولية. وزيادة على ذلك فقد كانت مشاركته في الحرب الأفغانية ضد السوفيات تهدف فيما تهدف إلى إقامة إمارة وهابية، خاصة بعد أن تمت مبايعته أميرا "للقاعدة" ولجميع الجماعات الجهادية. والطالبان رغم حنفيتهم فهم مع بن لادن ولا يخرجون عن سلطانه.
وبالنظر للتشابك الحاصل بين الإقتصاد الرسمي واقتصاد الجريمة، فقد أصبح كلاهما ممولا للشبكات الإرهابية، بما أنها تخدم مصالحه المباشرة بشكل أو بآخر. ونشير في هذا الصدد إلى مضاربات البورصة التي جرت عشية أحداث 11 سبتمبر2001 وغداتها. إذ بلغ سعر شراء أسهم أهم الشركات المقيمة في "التوأمين" عشية الأحداث، مثل شركة الخطوط الجوية الأمريكية التي تمّ اختطاف طائرتين تابعتين لها، 25 و30 مرّة أكثر من أسعارها العادية. وسارع آلاف التّجار في العالم غداة الأحداث للمضاربة على المأساة، وباعوا أسهمهم في شركات الطيران وفي شركات التأمين مقابل الذهب والنفط والأورو. وفي نفس الوقت باع الرأسمال المضارب أسهمه بالجملة إلى أن هبط سعرها بما فيه الكفاية، عندها، عاد ليشتريها من جديد بأسعار بخسة، محققا بذلك أرباحا طائلة.
وهو ما يؤكد أن رأس المال المالي لا يلوي على شيء ولا يتردد أمام الربح الأقصى يحققه في أي وضع كان. وهكذا ندرك أيضا كيف يخدم الإرهاب مصالح الأغنياء الذين يزدادون غنى ويضحي بالفقراء الذين يزدادون فقرا.
أمريكا وفّرت الظروف الملائمة
لتحول الإرهاب باسم الدين
إلى تيار عالمي
عطل غزو القوات السوفياتية لأفغانستان الحلم الإستراتيجي الأمريكي حول آسيا الوسطى التي تزخر يالنفط والغاز ومحاصرة إيران التي تتحول يوما بعد يوم إلى قوة إقليمية ينبغي أن يقرأ لها ألف حساب. استنجدت أمريكا بحلفائها: باكستان والسعودية ومصر، للرّد على الغزو وطرد السوفيات وإقامة "دولة إسلامية" معادية لإيران. والأهم من كل ذلك هو إيجاد نظام حارس، في أفغانستان، يضمن مرور أنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى la mere caspienne في اتجاه الخليج العربي والمحيط الهندي. وعلى هذا الأساس الموضوعي الذي تقوم عليه المصالح، كانت نشأة الطالبان، الذين تحولوا من مجرد طلاب لحفظ القرآن بالكتاتيب إلى جيش منظم مدجج بالسلاح مدرب على أيدي خبراء من الجيش والمخابرات الباكستانية والأمريكية. وفي ذات الوقت أنشئت معسكرات لاستقبال وتدريب "المجاهدين"، في المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان. ودعمت السعودية ودول الخليج النفطية بسخاء هذا المجهود "الجهادي" بالمال والرجال. وتكفلت مصر بتجنيد ونقل "المجاهدين العرب"، في اتجاه السعودية وأفغانستان. ولم تخف الجهات الرسمية في مصر تأييدها "للمجاهدين الأفغان"، حتى أن وزيرها للدفاع آنذاك أعلن "عن تدريب الثوار الأفغان في معسكرات الجيش المصري". وقد انخرطت معظم الأنظمة العربية والإسلامية في هذا المشروع لأنه منحها هدنة ولو مؤقتة مع الجماعات الإسلامية، وخدم مآربها السياسية.
وخلال المرحلة الأولى من "الجهاد الأفعاني" تحول أسامة بن لادن إلى أفغانستان وأشرف على إنشاء "بيت الأنصار" في بيشاور الباكستانية سنة 1984 لاستقبال المتطوعين العرب، في حين أسس عبدالله عزّام مكتب خدمات.
ومنذ 1986 تفرغ بن لادن للعمل "الجهادي" وفتح مركزا عسكريا متقدما في منطقة جاجي الجبلية لإعداد "المجاهدين" وقد وصل عدد المتطوعين آنذاك إلى ما يزيد عن الأربعين ألف مقاتل، من بينهم 20 ألف سعودي و5 آلاف يمني و4 آلاف مصري.
وكانت أفغانستان جزء من خطة الإعداد لعسكرة سلوك مختلف الجماعات الإسلامية واقترابها من بعضها البعض. وكانت الإدارة الأمريكية قررت نسج علاقات بين المخابرات الأمريكية والجماعات الإسلامية، بهدف توجيه كل الجهود لمقاومة الإحتلال السوفياتي. ونتيجة لتلك العلاقات فتح مصطفى شلبي مركزا لاستقبال المتطوعين بولاية نيويورك، تفرع عنه17 فرعا في أمريكا. وحصل أمير الجماعة عمر عبد الرحمن بعد ذلك، في شهر جويلية 1990، على تأشيرة الدخول للولايات المتحدة الأمريكية. فأقام في نيويورك، أين جمع حوله مئات الأتباع من الجالية الإسلامية في الولايات المتحدة برمتها.
وزار أيمن الظواهري أيضا الولايات المتحدة سنة 1995 وأقام في ولاية كاليفورنيا وتردد على مسجد النور في منطقة سانتا كلارا، والتقى هناك بخالد أبو الدهب، وهو أمريكي من أصل مصري، جال معه في بعض المدن لجمع لتبرعات.
لكن أمريكا التي دفعت بكل قواها على جمع أهم نشطاء الحركات الإسلامية الراديكالية والمعتدلة ورصدت لهم كل الإمكانيات لإرهاق الإتحاد السوفيتي بإذكاء المقاومة ضده، وجدت نفسها بعد انسحابه، قد أنجبت عفريتا عاتيا تصعب مواجهته بالطرق التقليدية، حيث أصبحت له خبرة قتالية عالية. لذلك فكرت في دفعه إلى "معركة – محرقة"، تتمثل في إعادة الهجوم على جلال آباد التي كانت فائقة التحصين. وقد استطاعت، بمساعدة المخابرات الباكستانية، إقناع "الأفغان العرب" بضرورة تلك المعركة. فكانت الخسائر ثقيلة ومؤلمة. وكان أسامة بن لادن شارك فيها وشاهد بأم عينه المذبحة المروعة التي تعرض لها المقاتلون العرب. وأدرك أنّها خطة تصفوية مدبرة من قبل المخابرات عن طريق المقربين منها في التنظيم. فندد عبد الله عزام بهذه المؤامرة وطالب بالإنتقام.
وفي 24 نوفمبر 1989 انفجرت عبوة ناسفة تمّ زرعها على الطريق الذي يتخذه عبد الله عزام إلى المسجد، ذهبت بحياته وحياة اثنين من أبنائه.
وبعد الإنسحاب السوفياتي من أفغانستان واغتيال عبد الله عزام، عاد أسامة بن لادن إلى بلاده حيث استقبل استقبال الأبطال، بعد أن انتشر "العرب الأفغان" في كامل الأرض ليواصلوا ما بدؤوه في أفغانستان. وقد أصبحوا يشكلون عمادة بناء تنظيم "القاعدة" على أسس جديدة، عالمية.
لقد كانت أمريكا قد وفرت الأرضية الملائمة لنشأة حركة إسلامية راديكالية عسكرية لمواجهة الجيش السوفياتي، دون أن تضع في حسبانها أن هذه الحركة بإمكانها أن تتطور لتصبح لها أهدافا خاصة بها مستقلة عن أهداف النشأة. وهو ما حدث بالفعل، حيث سعى بن لادن، على إثر غزو العراق للكويت، إلى إقناع الأسرة المالكة في السعودية بالإعتماد على "المجاهدين"، عوضا عن الإستنجاد بقوى أجنبية، لكن المملكة السعودية استقبلت قوات التحالف وعلى رأسها أمريكا في مطلع سنة1991. وفي أواخر السنة نفسها، وأمام الضغوطات التي أصبح يتعرض إليها، قام بتسوية وضعه المالي ثمّ توجه إلى السودان، أين استدعى عددا كبيرا من "الأفغان العرب" والتقى من جديد بأيمن الظواهري الذي أعد معه مخطط بناء الجناح العسكري لتنظيم "القاعدة" الذي أصبح يشتغل على العالم بأسره.
وبدأ الظواهري المشروع الجديد بإجراء مباحثات مع طارق الفضلي، أحد أهم قادة "الأفغان اليمنيين" والإبن الأكبر لآخر سلاطين اليمن، لإقناعه بضرورة إقامة معسكرات تدريب على أرض اليمن. فتوجه عدد كبير من كوادر"القاعدة" إلى هناك، استعدادا لمواجهة القوات الأمريكية في الصومال.
وفي الفترة الممتدة بين 1992 و2005 اتهمت أمريكا بن لادن بالتخطيط والتدبير لأكثر من 30 عملية إرهابية.
وفي فيفري 1998 فوجئ الرأي العام العالمي ببيان وقعه عدد من قادة التنظيمات الإسلامية المسلحة في العالم وعلى رأسهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري ورفاعي طه أحمد رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية بمصر ومنير حمزة سكريتير جمعية علماء باكستان وفضل الرحمن أمير حركة الجهاد في بنغلاديش، أعلنوا عن تأسيس "الجبهة العالمية لقتال اليهود والأمريكان" وأصدروا فتوى تبيح "قتل الأمريكيين وحلفائهم مدنيين كانوا أم عسكريين، فرض عين على كل مسلم أمكنه ذلك في كل بلد تيسر فيه حتى يتحرر المسجد الأقصى والمسجد الحرام من قبضتهم وحتى تخرج جيوشهم من كل أرض الإسلام...".
وتزامن هذا الإعلان مع عودة "المجاهدين العرب" إلى أفغانستان، بتدخل من أسامة بن لادن الذي كان يشغل مستشارا اقتصاديا لدى حكومة الطالبان وداعمها المالي في العديد من مشاريعها زيادة على احتكاره تجارة الأفيون الأفغاني والهيروين المستخرج منها، في الوقت الذي واصلت فيه جماعات أخرى انتشارها في اتجاه البؤر الساخنة، مثل الشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو وطاجيكستان والفيليبين ثم في اتجاه العراق والأردن وفلسطين وبعض دول الخليج العربي والجزائر. وركز أيمن الظواهري على بعث شبكة واسعة من الخلايا النائمة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، تدير مشاريع اقتصادية تمول العمليات الإرهابية "للقاعدة".
وأصبحت أفغانستان الموطن الآمن للملاحقين في الحرب العالمية ضد الإرهاب التي تقودها أمريكا والتي جعل منها بوش- الإبن أداة سياسته الدولية الإستفزازية والمثيرة للحرب. ومع حلول الألفية الجديدة كانت المعسكرات والمضافات العربية منتشرة في المدن الأفغانية، مثل كابول وقندهار وخوست وجلال آباد وغيرها، تأوي 14 حركة مستقلة معترفا بها قانونا ولها علاقات وطيدة بوزارات الداخلية والدفاع وبالإستخبارات الطالبانية.
ومكّن الغزو الأطلسي لأفغانستان في أكتوبر 2001 تنظيم "القاعدة" من إعادة الإنتشار من جديد في مجالات أوسع. فقد تحصن قسم من الكوادر مع بن لادن والظواهري في منطقة القبائل الواقعة على الحدود الباكستانية – الأفغانية، وتوجه قسم آخر نحو العراق ليستقر في منطقة الشمال التي تسيطر عليها آنذاك جماعة "أنصار الإسلام الكردية"، إلى حدود مارس 2003 عندما شنت الحكومة الأمريكية هجوما مكثفا على مواقع الجماعة. عندها تسلل "المقاتلون العرب" ومعهم جماعة "أنصار الإسلام" إلى بغداد والمدن السنية العراقية. وقدر العديد من الخبراء أن عددهم حوالي 5 آلاف مقاتل.
وخلاصة القول، لقد مكنت الولايات المتحدة الأمريكية الحركات الإسلامية الراديكالية من ميدان اختبار لقادتها ومقاتليها، أفغانستان، وجعلتها تقبل، على اختلافاتها بزعامة ين لادن وأيمن الظواهري. ثم، وبانتهاجها "سياسة الحرب الإستباقية" و"الفوضى البناءة" و"الحرب العالمية ضد الإرهاب"، وفّرت مجالات أوسع للجماعات الإرهابية باسم الدين، كي تمضي في تطبيق مخططاتها وتنفيذ برامجها وكسب سمعة مناهضة للإمبريالية والدفاع عن القضايا العادلة.
والجدير بالملاحظة أن أمريكا- الجمهورية أو الديمقراطية- كانت تبحث دائما عن عدو خارجي تشدّ إليه انتباه الرأي الأمريكي وتبرّر به سياستها الدولية، لذلك وبعد تفكك المعسكر الشرقي، أوجدت "محور الشر" والإرهاب باسم الدين لتشن عليهما حربها العالمية، ناهيكم أن مبررات غزوها للعراق وتدميره، التي كانت تقدمها للعالم بأسره، بات معلوم أنها مزورة ومفبركة. ومن هذه الزاوية أيضا فهي المسؤولة على تحول الإرهاب باسم الدين إلى ظاهرة عالمية.













الرّدة العامّة في المجتمعات العربية أرضية خصبة
لظهور الإرهاب باسم الدين
لم يكن تفكك المعسكر الشرقي وفشل التجربة الإشتراكية وانتصار الرأسمالية في صيغتها النيوليبيرالية مجرد حادث عابر في التاريخ الإنساني، بل رافقته ردّة عالمية على مستوى القيم والمثل والنظريات. فقد بشّر العديد من منظري التيار العالمي للمحافظين الجدد ومن غلاة الليبيرالية بنهاية عصر الإيديولوجيات وبموت الشيوعية وأعلنوا نهاية التاريخ، بمعنى أن النظام الرأسمالي هو آخر مرحلة في تطور النظم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية للإنسانية. ورافق هذا الخطاب التبشيري هجوم عام حتى على ما حققته البورجوازية من ثورة فكرية وثقافية وقيّميّة ومؤسساتية، في حربها ضد الإقطاعية والغيبية والظلامية. فانتعشت تيارات فكرية وثقافية وفلسفية وعلمية غارقة في المثالية تحاول نسخ وإبطال اعتماد التقدم الذي حققته الإنسانية، حتى أن أطروحات البحوث الجامعية في أغلب البلدان الرأسمالية المتقدمة تعج بالمراجعات في هذه المجالات وبالعودة لدراسة الأديان ومنها الدين الإسلامي والحركات التي تعتمده مرجعا، وعلى الأخص في الجامعات الأمريكية.
وتجد هذه الردة معارضة قوية في الأوساط العلمية، ويكفي أن نشير إلى التطور الهائل الذي شهدته الإكتشافات الحديثة وإلى الثورات العلمية والتكنولوجية والإتصالية والمعلوماتية والبيوكمياوية وإلى الجرأة التي يتحلى بها العديد من العلماء في البحوث الجينية وفي الجدل الذي قابل بين الداعين إلى نهاية الداروينية وبين الذين يؤكدون صحتها بالإعتماد على المنجزات العلمية الراهنة. كما قاوم فنانون ومثقفون وكتاب ورجال فكر هذه النزعات، وجميعهم بصدد تقديم الإجابات الضرورية عن التساؤلات الكبرى التي تطرحها التحولات الراهنة.
لقد سمحت الدول الكبرى للجماعات العقائدية أن تتطور بشكل ملحوظ وتجر وراءها مئات أو قل آلاف الأتباع، شيبا وشبابا، بحثا عن حلول فردية في الشعوذة والماورائيات، ولا تتدخل إلا عندما يشير الوضع إلى كوارث محتملة الوقوع، مثل انتحار جماعي أو تخطيط لأعمال إجرامية أو إرهابية، عندها يتجند الأمن والسلط السياسية ووسائل الإعلام لمتابعة الحدث وإشهاره. وليس هذا فقط، بل إن كثيرا من السّاسة تحالفوا مع قوى دينية متطرفة لضمان فوزهم في الإنتخابات.
وكما هو معروف فقد تحالف بوش الإبن، في الدورتين الأخيرتين للإنتخابات الرئاسية الأمريكية، مع "جماعة الرب" ذات النزعة الإنجيلية المتطرفة. وحرص على ربط تحالف متين مع اليمين المسيحي والجماعات اليهودية المتصهينة ومع اللوبي الصهيوني والمدافعين عن دولة إسرائيل. وحاول أن يضفي على البيت الأبيض مسحة دينية، من خلال القيام بالدعاء والصلوات فبل الإجتماعات الرسمية وعند تناول الطعام...الخ. كما سعى أنصاره إلى تقديمه للرأي العام الأمريكي على أنه متدين وهو خير مدافع عن المسيحية. فقد ذهب السيد "توم ديلاي" رئيس المجموعة البرلمانية الجمهورية أمام جمع من المنتدبين الجدد في هوستن، إلى اعتبار:
"أن الله هو الذي اختار جورج والكر بوش للرئاسة وهو الذي يوجهه اليوم للدفاع عن رؤية إنجيلية للعالم".
ولم يتردد نيكولا ساركوزي، المرشح للإنتخابات الرئاسية الفرنسية، عن مقابلة توم كروز المعروف بانتمائه إلى "جماعة عقائدية" وأحد مموليها الكبار، رغم ضغط الإعلام والرأي العام عليه كي لا يقوم بذلك.
وظهرت، في العشرية الأخيرة، قوى سياسية وشخصيات، في أغلب البلدان الأوروبية، تحاول مدّ الجسور بينها وبين الحركات الدينية المتطرفة، وبينها وبين المعتقدات "الطبيعية" للنّاس، لما لاحظته من عودة قوية لديهم للتّدين وللعقائد بصورة عامة.
والخطير في هذا الباب، هو أن أغلب مكونات اليسار الأوروبي والعربي بصدد مراجعة مواقفه من الحركات الدينية والإسلامية بالتحديد، في اتجاه بحث إمكانية التحالف معها، نظرا لما تمثله من ثقل انتخابي، متجاهلة موقفها من القضية الديمقراطية، وبالتحديد الموقف من علمانية الدولة ولائكيتها، باعتبارهما الأساس الذي من دونه لا يمكن الحديث عن جمهورية ديمقراطية وعن دولة سياسية كاملة.
كما عدّلت أغلب الدول الأوروبية موقفها من الحركات الدينية وأعادت تصنيف العديد منها، من حركات إرهابية إلى حركات معتدلة، من أجل ربط الصلة بها والتفكير بشأن البديل الممكن عن النظم القائمة. وذهب الإتحاد الأوروبي، تحت ضغط المنافسة الأمريكية والتطورات السريعة للأحداث، وتحت ضغط شرائح واسعة من النخب، إلى حدّ انتقاد مواقفه السابقة التي كان "عوّل فيها على التيارات العلمانية التي ظلت معزولة عن الجمهور، وتجاهل الإسلاميين الذين يحظون بتأثير فعلي في قطاعات واسعة من الناس". وعلى هذا الأساس أجرى لقاءات متعددة مع رموز "الحركات الإسلامية المعتدلة" بهدف الوصول إلى عقد اتفاقات حول مستقبل المنطقة وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه في معالجة ملف الإرهاب.
أما الإدارة الأمريكية، التي غلبت عليها رؤية عقائدية قائمة على التحالف بين الإنجيلية المتشددة واليهودية المتصهينة، فقد حددت علاقتها، منذ صعود بوش الإبن إلى الحكم مدعوما بالصقور والمحافظين الجدد، بالحركات الإسلامية على أساس موقفها من الدين الإسلامي. وكان "دافيد فروم" قدمه في كتابه "الرجل المناسب...."، من خلال موقف بوش الإبن من الإسلام، الذي يعتبره "من أكبر الأمبراطوريات في العالم" والذي ينبغي على أمريكا "أن تفرض عليه الإحترام"، بما في ذلك عن طريق الحرب.
لذلك نراها حشرت في البداية أغلب الحركات الإسلامية في خانة التطرف والإرهاب وسارعت بإعلان حربها العالمية على الإرهاب وضيطت إستراتيجيا "الحروب الإستباقية" و"الحروب الوقائية". وحددت "محورا للشّر" مكونا في أغلبه من الدول العربية والإسلامية "الحامية للإرهاب". ووضعت مشروعا "لإصلاح الشرق الأوسط الكبير" عن طريق "الفوضى البناءة" و"الدومينو الديمقراطية".
وبعد حرب الخليج الثالثة وغزوها للعراق وما انجر عنه من خلافات كبيرة مع العديد من الدول الكبرى وعلى رأسها فرنسا وما شهدته من صعوبات في السيطرة على الوضع، عدلت بعض الشيء في توجهاتها الإستراتيجية. وراجعت موقفها من "الحركات الإسلامية المعتدلة"، بالإتفاق مع الإتحاد الأوروبي وفي إطار مجموعة الثمانية الكبار، من أجل إدماجها في الحياة السياسية وتأهيلها كي تتحمل دور حزب التداول على السلطة، وذلك في إطار "مشروع الشراكة من أجل إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا".
وقد اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية في استراتيجياتها المختلفة على الحركات الإسلامية المتطرفة والمسالمة والإرهابية للتدخل بكل عنجهية وصلف في الشؤون الداخلية للشعوب، وكأنها وضعت نفسها وصيا عليها للنظر فيما يصلح وما لا يصلح بها. لذلك حمتها وشجعتها ومولتها ودربتها وسلحتها كي توظفها في تغيير الأوضاع.
ومنذ عشرية ونيّف بدأت تظهر الفضائيات الخليجية تدعو إلى إسلام سلفي منمّط أقرب منه إلى الإسلام الجهادي، في الوقت الذي تقدم للشعوب العربية الحركات الإسلامية على أساس أنها المدافع عن الدين الإسلامي، ضد "الحاكم الكافر" و"الصليبية الحديثة"، وعن الشعوب ضد "النظم الجائرة". وتشيع الخرافة وتقسم المجتمع على أساس العقائد. وأعادت صياغة العقليات العامة للشعوب والنخب بشكل أصبحت تقبل بالتّطرف الديني والإرهاب كمكونات لردة الفعل المشروعة على القمع وعلى الإضطهاد الوطني والقومي وعلى الإستغلال والنّهب المنظم للخيرات الوطنية من قبل الدول الإستعمارية. حتى أننا أصبحنا نشاهد في تونس مظاهر أشدّ للتعصب، حيث أصبح المواطن العادي يمارس الإفتاء وكأنه ضليع في شؤون المعرفة الدينية. وبدأ التسامح يترك مكانه للتحجّر والإنغلاق. وأصبحت مظاهر التخلي عن مكاسبنا الحضارية والثقافية والإجتماعية بيّنة على مستوى الرأي العام الشعبي.
لقد مثلت فضائيات البترودولار أداة الربط الدعائية بين التطرف والإرهاب باسم الدين وبين الدين الشعبي الذي أعادت صياغته بشكل أقرب إلى السلفية الجهادية منه إلى صياغات أخرى.
والأخطر هو أن الدول العربية، زيادة على كونها، إمّا أن تكون دول دينية أو دول لها دين، أي توظفه في خدمة سياساتها الخاصة، قد وجدت نفسها مجبرة على تقمص الدور الديني، الرسمي والشعبي، لسحب البساط من "المعارضة الدينية". وبذلك دخلت في مزايدة عقائدية لا تقدر عليها، وواجهت صراعا هي مهزومة فيه بصورة مسبقة، لأنها مضطرة إلى اتخاذ منحى وسطيا في حين أن خصومها منحازون لاختياراتهم الضيقة، وهم لا يلوون على شيء، وبإمكانهم أن يجدوا ما طاب في السيرة والقرآن كي يعززوا جانبهم إلى هذا الحد أو ذاك.























"السلفية الجهادية"
والحركتين الوهابية و"الإخوانية"
يرمي التيار "السلفي الجهادي" جذوره في فرعين أساسيين:
- السلفية بصورة عامة والوهابية على وجه التحديد.
- الحركة الإخوانية بصورة عامة وبالتحديد حركة "الإخوان المسلمين" في مصر.

أ- السلفية الوهابية
تمثل الوهابية التيار الأعرق في السلفية، حيث يعود ميلادها إلى أواسط القرن الثامن عشر. في حين أن التيار السلفي الإصلاحي الذي أنشأه محمد عبدو(1849-1905) ورشيد رضا(1865-1935)، ظهر في أواخر القرن التاسع عشر، وكان يهدف إلى تكوين نخبة تستمد ثقافتها ونقاوة سلوكها وصفائها من السلف الصالح للقرن الأول للإسلام وتكون قادرة على إصلاح الأوضاع بصورة سلمية.
أما التيار السلفي الوهابي فقد ظهرت، مع بدايات توجّه الإستعمار الأوروبي للمنطقة العربية وبدايات انهيار الأمبراطوية العثمانية، على يد محمد بن عبد الوهاب(1703-1791)، وهو حنبلي التكوين، للرّد على وضع اقتصادي واجتماعي وثقافي وعقائدي متدهور في الجزيرة العربية. وقدم معالجة للوضع تمثلت في العودة إلى ما أتى به السلف الصالح وإعادة النّاس إلى "الفطرة" الدينية.
وتعتبر الوهابية دعوة سلفية خالصة، لذلك بدت وكأنها لا تعنى بغير العقيدة والمعتقدين وترفض حصر الدين في أسباب النزول وتسمح بممارسة الإجتهاد فيما لا نص فيه، إذا احترم الأحكام الشرعية، وتنزله منزلتها، وتعتبره مصدرا رابعا من مصادر الشريعة بعد القرآن والسنة والإجماع.
لكن التطورات السياسية في الجزيرة جعلت محمد عبد الوهاب يتحالف مع محمد بن سعود، في إطار "اتفاقية الدرعية"، الذي تقاسم بمقتضاها الرجلان شؤون الدين والدنيا. وظل هذا الإتفاق بين الرجلين والقبيلتين ساريا إلى يوم الناس هذا. وعلى أساس هذا الإتفاق شكّل الوهابيون نواة جيش الملك عبد العزيز حفيد محمد بن سعود، خلال قيام الدولة السعودية الثالثة، مقابل وظائف في شكل "مطاوعة" أخذت لاحقا صبغة رسمية تحت اسم "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وشهد التيار السلفي السعودي، منذ حرب الخليج الثانية وانتصاب القوات الإمريكية في المملكة، انقساما بين اتجاهين كبيرين:
- تيار السلفية التقليدية المتكوّن من ثلاث اتجاهات كبرى: الأول، السلفية الرسمية ممثلة في هيئة العلماء. والثاني، السلفية الراديكالية، "التكفير والجهاد"، التي تتميز بموقف صارم وعنيف ضد السلطة. والثالث، السلفية الإرجائية، التي تتميز بالطاعة المطلقة لولي الأمر.
- وتيار السلفية الجهاديه، الذي تألف من "السعوديين الأفغان" بزعامة أسامة بن لادن الذي لا يرى جدوى في الحوار مع النظام السعودي بل ويتهمه بالكفر.

ب- الحركة الإخوانية في مصر
مثلت حركة "الإخوان المسلمين"، إلى جانب التيار السلفي، التيار الحركي الذي بدأ يظهر إلى الوجود منذ أواسط النصف الأول من القرن العشرين في مصر ثم شمل معظم البلدان العربية والإسلامية، والذي أعطى "للإصلاح" مفهوما "ثوريا"، رغم أنها في نشأتها تحفظت بشأن النشاط السياسي واكتفت بتكون جمعيات ثقافية تربوية أخلاقية.
مثلت الجماعات الإسلامية في مصر الرافد الثاني لتكوّن التيار الإرهابي باسم الدين. وقد نشأت من رحم حركة الإخوان المسلمين، لمّا كان عدد كبير من كوادرها ومناضليها في المعتقلات، على أساس خلافها مع الحركة حول تنصلها من "عهد بناء الدولة الإسلامية".
كانت حركة الإخوان المسلمين، التي تأسست على يدي حسن البنا، ذات أغلبية سلفية عقائديا، تهدف إلى "إقامة الدولة الإسلامية" واتباع كل السبل من أجل تحقيق ذلك. فعقدت صفقات مع الملك فاروق وقبلت بلعب دور الموازن السياسي ضد حزب الوفد. وواصل المستشار حسن الهضيبي، الذي تولى مهمة الإرشاد، نفس التمشي السياسي، بعد اغتيال حسن البنا. فقد سعى إلى الوفاق من جديد مع الملك فاروق. وكان له لقاء معه، صرح على إثر ذلك، قولته الشهيرة التي لخص به توجهات الحركة في علاقة بالسلطة:
"زيارة كريمة لملك كريم".
لكن الوضع تغيّر بعد مجيء الضباط الأحرار إلى السلطة، إذ سرعان ما نفذ صبر "الإخوان"، الذين كانوا يأملون في أن يسلمهم الجيش مقاليد الحكم. فخرجوا إلى الشارع وجرى الصدام بينهم وبين السلطة في مارس 1954، وتمّ اقتياد المئات إلى المعتقلات. وظلّوا على حالهم إلى أن مسك السادات بمقاليد الحكم. فعقد لقاء بين عمر التلمساني، المرشد العام للإخوان، والرئيس السادات، اتفقا فيه على:
- عودة "الإخوان" للحياة السياسية "بالشرعية الغائبة".
- فتح المجال أمام التيارات الدينية في الشارع والمؤسسات برعاية السلطة على أعلى مستوى.
- أن يعمل "الإخوان" على إنهاء سيطرة الناصريين والشيوعيين والتقدميين على المجتمع المدني.
ويذكر عمر التلمساني بشأن اللقاء والإتفاق الذي حصل بين المرشد العام "للإخوان" حسن الهضيبي والرئيس السادات، أن اتصالات ومشاورات حثيثة لعب فيها السيد أحمد طعمية، الذي كان وزيرا، والسيد عثمان أحمد عثمان، وزير الإسكان، الذي التقى مع مجموعة من قادة الحركة: الدكتور أحمد الملط والحاج حسني وعبد الباقي والأستاذ صالح أبو رقيق وبطبيعة الحال عمر التلمساني، وطلب منهم إعداد ورقة تضبط توجهات الحركة حتى ينظر فيها الرئيس بروية. وكان الأمر كذلك وتمت كتابة تسع صفحات حملها السيد عثمان أحمد عثمان.
وبعد ذلك جرت لقاءات عديدة مع نائب الرئيس وقتذاك، السيد محمد حسني مبارك للإستفسار بشأن الصفحات التسع.
وفي صائفة سنة1971 نجح الملك فيصل في أن يرتب اجتماعا بين السادات وبين مجموعة الإخوان المسلمين الذين ذهبوا إلى الخارج". وكان ذلك في استراحة الرئيس في "جاناكليس" "في إطار السرية المطلقة". "حضره زعماء الإخوان في الخارج بعد أن حصلوا على تأمين دخولهم إلى مصر وخروجهم منها". و"كان بين هؤلاء الدكتور 'سعيد رمضان' الذي عاش بعض الوقت في السعودية ثم قصد إلى جنيف حيث رأس منظمة إسلامية ترعاها المملكة العربية السعودية"(7). وتوصل الطرفان في النهاية إلى الإتفاق المشار إليه أعلاه.
وهكذا وجدت الجماعات الإسلامية الطريق مفتوحا كي تسيطر، في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، على النقابات والجامعات والمعاهد وعلى الشارع المصري وتفرض سلطانها بالقوة برعاية من
الدولة.







العقائد "السلفية" والمنهج "الجهادي"
الأساس الفكري والإيديولوجي والسياسي للإرهاب العالمي باسم الدين
ينطوي الفكر الجهادي على التبريرات الإيديولوجية والفلسفية لاختيارات هذه الحركات وعلي الأهداف التي تنشدها وعلى الوسائل الكفيلة بتحقيقها وعلى الفتاوي التي تبيح استهداف المدنيين. ولا يمكن حصر مبادئ تنظيم "القاعدة" في جملة العقائد الإنطلاقية ولا في توجهات بن لادن الخاصة ولا في أطروحات الظواهري، لأنها استوعبت كل أشكال "السلفية الجهادية" وكل الجماعات الإسلامية الراديكالية.
لذلك لا ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة وكأننا أمام حركة سلفية بالمعنى التقليدي للكلمة، بل هي تأليف من الوهابية والإخوانية والخوارجية، حيث أنّها تحمل صفات من هذه وتلك. فهي تتبنى الفكرة الوهابية القائلة "بعدم تاريخية القرآن"، أي بتحريره من "أسباب النزول" وجعل كل آية من آياته وحكم صريح من أحكامه، حكما مطلقا ينبغي تنفيذه، وعدم الإلتزام بها يعتبر إثما.
وأخذت السلفية الجديدة من الوهابية أيضا، اعتماد الإجتهاد ركنا من أركان التشريع الإسلامي، فيما لا يوجد فيه نص صريح ولا يوجد حوله إجماع.
وخرجت "السلفية الجهادية الجديدة"عن السلفية بأن وضعت مشروع بناء "الدولة الإسلامية" بالخروج على الحكام، وتشبهوا بها فيما ينبغي أن يكون عليه أهل "الدولة الإسلامية" في المظاهر والهيئات، مثل تقصير الثياب وإطلاق اللحي والتسوك والتعطر....
ومن جهة أخرى فهي تكفّر أنظمة الحكم والمجتمعات في البلدان العربية الإسلامية وتستحل الدماء والأموال، تماما كما كان يفعل الخوارج، وتدعو إلى الجهاد، بمعنى القتال.
ولها مع الحركة الإخوانية أساس مرجعي مشترك يتمثل في العودة بالإسلام إلى معدنه الصافي القرآن والسّنة والتزام العمل بالسّنة المطهّرة في كل شيء. ويقول حسن البنا مؤسس الحركة الإخوانية في مصر ومرشدها الأول، في هذا الصدد:
إن "دعوتنا إسلامية بكل ما تحمل الكلمة من معان...أنت في فهمك هذا مقيّد بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ومسيرة السلف الصالحين من المسلمين، فأما كتاب الله فهو أساس الإسلام ودعامته، وأما سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم فهي مبنية الكتاب وشارحته، وأما سيرة السلف الصالح فهم رضوان الله عليهم منفذو أوامره وآخذون بتعاليمه، وهم المثل العلمية والصورة الماثلة لهذه الأوامر والتعاليم"(8).
وتلتقي السلفية الجديدة مع الحركة الإخوانية في الحزبية، الطليعة الإسلامية المقاتلة بالنسبة "للقاعدة" والسياسية بالنسبة للإخوان، وفي مشروع بناء الدولة الدينية، "دولة الخلافة" بالنسبة للبعض و"الدولة الإسلامية" بالنسبة للبعض الآخر. في حين أنه، ليس من السلفية الحزبية أو أخذ بيعة على السمع والطاعة أو الإغتيال أو استخدام قوة السلاح لنشر الدعوة أو الدعوة إلى الجهاد بدون إذن الحاكم.
وليس غريبا أن يتّهم السلفيون التقليديون الحركة الإخوانية و"السلفية الجهادية" بأنّهما حركتان خوارجيتان وأحيانا شيعة رافضة، اعتمادا على أنهما خرجتا عن الحاكم الذي ينبغي أن يكون له السمع والطاعة وإن كان ظالما جائرا، وعن تكوين الطائفة المؤمنة.
وبما أن "السلفية الجهادية الجديدة" تأليف بين كل هذه التيارات الإجتهادية في الإسلام، من زاوية عقائدية، فإنها نحت منحى انتقائيا في مراجعها، وبصورة خاصة في علاقتها بالقرآن والسّنة، إذ اعتمدت، في غير موقعها، الآيات والأحاديث التي حفّت بأحداث معيّنة وموجّة وجهة معيّنة، تنطق بروح المقاصد العامة التي وردت في سياقها. ووجدت "السلفية الجهادية الجديدة"، في سيّد قطب وأبي الأعلى المودودي، منظرا الحركة الإخوانية، في صيغتها المتطرفة، وفي ابن تيميّة الفقيه ذي الإجتهادات المتصلبة، قاعدة إيديولوجية وعقائدية وفقهية، لتأويلاتها الصارمة، التي تبرّر بها اعتمادها على العنف، منهجا وأسلوبا في العمل السياسي.
وللتعرف على أطروحات "السلفية القتالية" وعلى أطروحات "القاعدة"، ارتأينا العودة إلى البدايات، كي نتمكن من تنزيلها في إطارها التاريخي.
يعود ظهور "السلفية الجهادية" إلى مرحلة نجاح الثورة الإيرانية في 1978 التي ضغطت على الحركات الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية كي تغيّر في مناهج عملها السياسي. وعزّز غزو الإتحاد السوفياتي لأفغانستان، خلال سنة 1979، هذا التوجه. إذ وجد التيار السلفي الجهادي الظروف مناسبة لتجميع ما أمكن له من الطاقات رمى بها في معركة الدفاع عن "بلد الإسلام" أفغانستان، كي يتصلب عودها، استعدادا لمعارك قادمة.
وفي الميدان، تفاعل التيار السلفي الجهادي السعودي الذي يتزعمه بن لادن ذو المرجعية التقليدية مع التيار الإخواني المصري والمجاهدين العرب الذي كان يقوده عبد الله عزّام، ليؤلف إطارا جديدا اسمه "قاعدة الجهاد". وكان أيمن الظواهري هو الذي ألّف فعليّا بين التيارين من خلال تمكينهما في إطار التنظيم الجديد من عقيدة جديدة قائمة على "الولاء والبراء لله" وتكفير الدولة السعودية. وقد استند في ذلك على "ظلال القرآن" و"معالم في الطريق" لسيّد قطب وتباين مع حسن البنا حول سياسته تجاه الملك فاروق، في كتاب "الحصاد المر".
تلك هي البدايات، لكن الوضع تغير اليوم، بحيث أن الكتلة الرئيسية في تنظيم "القاعدة" لم تعد مؤلفة من التيار السلفي السعودي ومن التيار الإخواني، بل أصبحت من المنشقين عن التيارات الإسلامية الرئيسية ومن الحركات المكفرة لحكامها.
لنتناول الآن العقائد الأساسية للسلفية الجهادية الجديدة ومنهاجها:

(1)
الإطار الفكري العام للسلفية الجهادية
أ- العودة إلى السلف الصالح
لم يقبل دعاة السلفية الجهادية بالتعقيد الذي أصبحت عليه المجتمعات من تعدد وتنوع وآراء، ومن تعارض وصراعات، وفتنوا بفكرة تبسيطية كان سبقهم إليها محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية، تتمثل في العودة إلى السلف الصالح عقيدة ومنهجا. وأخذوا عن ابن تيمية تحديده لخيّر "قرون هذه الأمة"، "في الأعمال والأقوال والإعتقاد وغيرها من كل فضيلة"، التي ضبطها في القرن الأول، عصر الصحابة والخلفاء الراشدين.
ومن ثمّ أصبح الأمر على غاية من السّهولة، بحيث أن كلّ من وافقهم وكأنه وافق الصحابة والسلف الصالح، في عقيدتهم ومنهجهم، ويعدّ من المهتدين، وأن كلّ من خالفهم وكأنه خالف الصحابة والسّلف الصالح وصار من "أهل الشقاق".

ب- "لا تاريخية القرآن".
وتعتبر هذه الأطروحة من أهم مرتكزات السلفية بصورة عامة، وبالتحديد الحركة الوهابية التي حررت القرآن من أسباب النزول، كي تصبح الآيات الصريحة مرجعا صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان. وإذا أضفنا عنصر عدم وجود إجماع، فتح الجماعة بابا جديدا أطلقوا عليه اسم "فقه الواقع" الذي مثّل إحدى الأدوات الإيدولوجية الصارمة التي اعتمدتها الجماعات الجهادية بمختلف نزعاتها في مجمل أعمالها الإرهابية.


ج- "فقه الواقع".
وتعتير الحركة السلفية أن الإجتهاد في ما لا نص فيه يعد أحد أسس التشريع الإسلامي بعد القرآن والسنة والإجماع. وليس هذا فقط، إن الواقع الجديد، واقع الجهاد العالمي، الذي تواجهه مختلف الجماعات الجهادية أصبح في حاجة إلى أداة تبرير تساعد على ملاءمة متطلبات العمل الميداني مع "شرع الله"، فكان "فقه الواقع". ومنذ الحرب الأفغانية الأولى ظهرت في الساحة الإسلامية الجهادية كتابات كثيرة تتولى هذا الشأن، منها كتابات عبدالله عزام وأيمن الظواهري وأحمد المقدسي وغيرهم. وزيادة على ذلك فقد أصبح الإجتهاد موكولا أيضا لأمراء السّرايا الصغيرة، نظرا لظروف "الجهاد السري". ومن ثمّ، لم يعد "الإجتهاد الصحيح" مقصورا على الراسخين في العلم، بل أصبح يتناوله "المجاهدون" الذين لا يملكون سوى "الإيمان" وحفظ البعض من الأحكام والنصوص.
وكان من نتائج التحولات العقائدية التي شهدتها السلفية الجهادية ومحاولة تلبية ضرورات "الجهاد" المحلية والعالمية، أن تمّ تشريع قتل المدنيين العزل والذبح والنحر والنهب والسّبي والإغتيال السياسي والتفجير وكل أعمال العنف والإرهاب الهمجية، باسم الدين.

د- "مناقضة الديمقراطية للإسلام"
تعتبر السلفية الجهادية الجديدة الديمقراطية "دين جديد" لأنّها تعطي للبشر حق التشريع غير مقيّدين بأي سلطة، ممّا يجعلها تضفي عليهم "صفة الألوهية". فقد قال أبو الأعلى المودودي:
"إن الديمقراطية هي تأليه الإنسان...."(9). (الإسلام والمدينة الحديثة، ص33)
ويعمق أيمن الظواهري رأي أبي الأعلى المودودي بشأن الديمقراطية بقوله أنها: "دين وضعي كافر" منح "حق التشريع للبشر"، الذي يجعل منهم "شركاء معبودين من دون الله"، يعبدهم كل من يطيعهم فيما يشرعونه"، بينما يعود حق التشريع في الإسلام "لله تعالى لا شريك له" و"العبادة لله وحده".
ولتمرير حكم الكفر على الديمقراطية، قام السلفيون الجهاديون بمختلف نزعاتهم، مدعومون بأصحاب الإجتهادات الصارمة، بمغالطة مقصودة أولى عندما حوّلوا التشريع الوضعي الخاص بمعالجة العلاقات بين الناس في مجتمعاتهم، والذي هو نابع من إرادة الناس أنفسهم حسبما تتطلبه "شروط إدارة المدينة" إدارة حسنة، وبين التشريع المتعلق بالعقائد والأديان والذي هو "حق خالص لله".
والمغالطة الثانية المقصودة، تتمثل في تغيير نوعية العلاقة بين الحاكم والمحكوم في النظم الديمقراطية، من كونها علاقة أرضية قائمة على قيم ومبادئ تمنح الناخبين حقّ محاسبة ومراقبة من يمثلونهم ومن يحكمونهم والذين يمكن سحب الثّقة منهم متى تنكروا لالتزاماتهم، وتديرها آليات وقوانين تضمن الشفافية وتكرّس الإرادة العامّة للشعب، وترعاها مؤسسات ممثلة ومنتخبة، إلى نوعية أخرى دينية، قائمة بين العبد والمعبود، بين الألوهية والعبودية.
والمغالطة الثالثة المقصودة تكمن في إضفاء طبيعة مقدّسة على تشريعات البشر واحتكامهم لها وحكمهم لبعضهم البعض، في النظم الديمقراطية، والحديث عنها باعتبارها "حاكمية العباد للعباد" التي تقوم مقام "حاكمية الله المطلقة للعباد"، في حين أن الديمقراطية تنزع كلّ قداسة على السياسة والدولة، وتجعل من المعتقد مجالا خاصا منفصلا عن المجال العام.

هـ- "أوجه الكفر في الديمقراطية"
لقد عدد أيمن الظواهري "أوجه الكفر في الديمقراطية" نلخصها كما يلي:
1- إن الديمقراطية تمنح حق التشريع للبشر، "ومن أقر بهذا فهو كافر" اعتبارا وأن التشريع "حق خالص لله تعالى"(10).
2- وتمنح الديمقراطية حكم العباد للعباد، وبذلك فهي "تنصب آلهة وأربابا وشركاء مع الله تعالى، قال تعالى: 'أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله' ". (الشورى:21)
ورد أيضا في سورة يوسف: "إن الحكم إلا لله". (سورة يوسف:40)
3- "لما كانت الديمقراطية تقوم على أساس مبدأ سيادة الأمة، ولما كانت السيادة سلطة لا يوجد أعلى منها، فهي المرجع الفصل في كل أمر وكل شأن، وإلى هذه السلطة فصل النزاع وحسم الخلاف، فكل من أقر بهذا فهو كافر، لأن فصل النزاع وحسم الخلاف هو حق خالص لله تعالى.....من أنكر هذا وأقر بهذا الحق لغير الله تعالى- أي أقر بسيادة الأمة- فهو كافر لإنكاره قول الله تعالى: 'وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله' ". (الشورى:10) (11)
4- إن الإقرار بمبدأ سيادة الأمة يعني أن سلطانها "أعلى من سلطان الله تعالى وأن سلطة الأمة تقدم على ما يقضي به الله تعالى....كما أن هذا يعني أن شريعة الله تعالى لا يمكن تطبيقها ما لم توافق عليها الأمة وهذا يعني أن كلمة الأمة أعلى من كلمة الله تعالى....وكل هذا من الكفر الأكبر المستبين...وقد قال الله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" (الأحزاب:36)"(12).
5- "أما مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات فإنه يعني عدة أمور كلها من الكفر...زمنها:
أ- إسقاط حد الرّدة.....وإسقاط جهاد المرتدين.
ب- إسقاط الجهاد في سبيل الله، أي جهاد الكفار، لما يقرره الدستور من حرية الإعتقاد.
ج- إسقاط الجزية وشروط الذّمة عن غير المسلمين....
د- إسقاط قوامة الرجل على النساء، قال تعالى: "الرجال قوّامون على النساء" (النساء:34)"(13).
ويعتبر عبد السلام فرج أحد مؤسسي الجماعات السلفية الجهادية أن الأحكام التي تدار بها اليوم شؤون المسلمين "هي أحكام الكفر بل هي قوانين وضعها كفار...يقول الله تعالى: 'ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون' (سورة المائدة:44)"،(14) لأنها أحكام وضعية لا تستند إلى "شريعة الله"، بل هي تشريع العباد للعباد، و"في ذلك كفر" يستوجب "قتال أهله" قتال "المرتدين" و"الكفار".

و- "حكم نواب البرلمانات وناخبيهم"
إن حكم السلفية الجهادية على الديمقراطية بالكفر ينسحب على المؤسسات المنبثقة عنها وبالتحديد منها البرلمانات والنّواب وناخبيهم. فالبرلمانات بالسبة له هي تمكن الشعب من ممارسة سيادته "بواسطة نوابه". وعلى هذا الأساس فالنواب "كفار" لأنهم يتولون التشريع، "ومن شرّع للنّاس فقد جعل نفسه إلها لهم وندا لله، وهذا يجعلهم "شركاء" معه "في ربوبيته".
أمّا الناخبون فإنهم بموجب الديمقراطية النيابية يوكّلون النواب عنهم في "ممارسة التشريع الشركي" و"يتخذون" منهم "أربابا من دون الله" وذلك "شرك وكفر بالله"، "لذا فإن المشاركة في هذه البرلمانات بالترشح أو الإنتخاب من الكفر الأكبر بل هو تجاوز على مقام ربوبية الله تعالى"(15).(أبو حمزة البغدادي، لماذا نقاتل؟ ونقاتل من؟، ص ص43-45)

ز- أسلمة المجتمع "من تحت" و"من فوق"
تشترك السلفية الجهادية مع السلفية في اعتبار أن الأساس الأول الذي يقوم عليه المجتمع الإسلامي يتمثل في "فضيلة أفراده"، ممّا يعني أن إصلاح شؤونه مشروط بإصلاح الأفراد، وأن "أسلمته" من جديد تكون "من تحت"، عبر أسلمة الأفراد وليس "من فوق" عن طريق أسلمة الدولة. وأن توسّع الأسلمة من التّحت "يفضي بالضرورة إلى مجتمع إسلامي".
ولا تختلف دعوتها تجاه الأفراد عن الدعوة السلفية بجعل الناس يلتزمون بممارسة العقائد الإسلامية في الحياة اليومية ويتشبهون في مظاهرهم بالسلف الصالح: الصلاة والصوم والزكاة وإطلاق شعر الرأس واللحي والتسوك والتعطر وارتداء النساء النقاب..الخ. وبعث شبكات علاقات خاصة تروج الكتب وتقوم بالخدمات وتعطي الدروس الخصوصية للأطفال وتفصل بين الجنسين كلما سمحت لها الظروف بذلك وتنظم الحلقات الدينية وتنشئ التعاونيات وتكوّن مجالات مؤسلمة تطبّق فيها "الشّريعة"...الخ.
وتعمل السلفية الجهادية على أسلمة المجتمع "من فوق"، أي عن طريق الدولة من خلال "إحياء سنة الخلافة"، أو بناء "دولة الخلافة". وهو هدف استراتيجي ينطلق تحقيقه على كل شبر من "ديار المسلمين" يتم تحريره من "الحكام الكافرين" أو "المرتدين الممتنعين".

ص- وضع المرأة مع السلفية الجهادية الجديدة
يقول أيمن الظواهري : "فالمرأة في الديمقراطية لها حق تقلّد المناصب والولايات كالرجل، لأن هذا مقتضى المساواة التي هي جوهر الديمقراطية، أما قوامة الرجال على النساء فإنها تخالف المساواة..." (16)، والقبول بالمساواة يعني إزاحة نص صريح وعدم العمل به (الرجال قوامون على النساء)(النساء:34)، وهو "كفر".
واعتمادا على وجود نص قرآني صريح بشأن ولاية الرجل على المرأة رفضت السلفية الجهادية الحيّز العمومي الذي سمحت به الحركة الإخوانية للمرأة وأجبرتها على العودة إلى البيت وفرضت عليها الحجاب والنّقاب، حتى وكأنه أضحى أمرا مألوفا في بلادنا.
والأخطر من ذلك أن قوى ديمقراطية ويسارية اتفقت مع حركة النهضة التونسية في بيان صادر عن هيئة 18 أكتوبر على أن ارتداء الحجاب يدخل في مجال "الحريات الفردية" وكأنه لا علاقة له بالقبول بدونية المرأة على الرجل وولايته عليها.
تمثّل مسألة الحجاب، أحد أركان الديمقراطية، باعتبارها تطرح قضية المساواة بين المرأة والرجل، وهي قضية مبدئية لا جدال فيها، تحكم على ديمقراطية الأحزاب النظم السياسية والمجتمعات من دونها، والقبول بها أو رفضها يضع القوى السياسية والمدنية في صفّين متباينين.
والخطير في الأمر أن أصدقاءنا ورفاقنا لم يتبينوا أن الفروق بين السلفية الإخوانية والسلفية الجهادية بشأن قضية المرأة، فروق كميّة، مجالها الحيز العمومي الخاضع لموازين القوى الإجتماعية القائمة في حقبة تاريخية معيّنة وفي ظروف محدّدة.
وعبد الله عزّام له تصور واضح لوضع المرأة:
"...القلعة موجودة.... القلعة هي المرأة، قلعة حصينة، المرأة ما كشفت وجهها حتى الآن، أصيلة ثابتة يضعها زوجها في البيت يقول لها: أنا أغيب سنة، تثبت في السّنة لا تخرج عن الباب...".


(2)
الإطار العقائدي
أ- عقيدة "الولاء والبراء".
وتهدف عقيدة الولاء والبراء إلى تجنيد المسلمين وتأطيرهم إيديولوجيا في السياق السلفي الجهادي ممّا جعل زعماء هذا التيار يضعونها في مقام العقيدة والإيمان. يقول عبد الملك القاسم موضحا مفهوم الولاء والبراء:
"إن الولاء والبراء ركن من أركان العقيدة وشرط من شروط الإيمان"(18).
وشرح مدلولها بقوله:
"ومعنى الولاء: هو حب الله ورسوله والصحابه والمؤمنين الموحدين ونصرتهم.
ومعنى البراء: هو بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق"(19).
ثم مرّ إلى تحديد شروط الوفاء بها من زاوية تجبر المؤمن تدريجيا على القبول بالتأويل الصارم الذي يرمي إليه التنظيم، لاعتماده على القرآن والسّنة ضمن الإطار اللاتاريخي الذي كنا أشرنا إليه أعلاه. وفي حالة مخالفة الإنسان المسلم لبند من بنودها يضع نفسه، من منظور الجماعة، في خانة "المنافقين" و"المبتدعين" و"الفساق"، هذا إذا لم يصنف في خانة "الكفار" و"المشركين"، وهو ما سوف يؤكده عبد الملك القاسم في الشرط السابع لتحقق عقيدة "الولاء والبراء".
وشروط تحققها هي:
أولا: اعتبارها "جزء من معنى الشهادة، وهي قول (لا إله) من (لا إله إلا الله) فإن معناها البراء من كل ما يعبد من دون الله".
ثانيا: و"أنها شرط في الإيمان"( تقول الآية:"ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا..." إلى آخر الآية).
ثالثا: "إن هذه العقيدة أوثق عرى الإيمان"(حديث رواه أحمد في مسنده:" أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله").
خامسا: "أنها الصلة التي يقوم على أساسها المجتمع المسلم".
سادسا: "أنه بتحقق هذه العقيدة تنال ولاية الله".
سابعا: "أن عدم تحقيق هذه العقيدة قد يدخل في الكفر"(اعتمادا على الآية:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم").
لقد أتت النقاط الثلاث الأولى تمهيدا لما يليها باعتبارها تقدم في الشرط الخامس طبيعة المجتمع الذي يريد بناؤه، أي المجتمع الإسلامي الذي لا يمكن أن يكون بصفته تلك إلا إذا قام على عقيدة "الولاء والبراء" الجامعة بين أفراده. وهو مجتمع لا يقبل بوجود عقائد أخرى ويعتبرها في مقام الكفر والشرك، ويحق "إعلان الجهاد ضدها شرعا". وهذا النمط من المجتمعات الصافية، لا تتعدى في تصور أصحاب المشاريع، حدود الجماعة. وزيادة على ذلك فإنها مشاريع طوباوية خالصة وإن قامت فلن تقوم إلا على أساس التصفية العقائدية التامة وعلى تسليم أمرها كاملا للذين نالوا "ولاية الله". وهؤلاء يسوسونها سياسة استبدادية فاشستية لا شك فيها.

ب- الحاكمية لله
تذهب السلفية الجهادية مذهب سيّد قطب في اعتبار الحاكمية "أخص خصائص الألوهية"، بمعنى "أن التشريع كله لله" و"أن الحكم لله وحده". لذلك فهي "أخطر وأكبر قضايا العقيدة"، إذ هي تفصل بين الألوهية والعبودية في إظهار خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية: "تعبّد العبيد"، أي أنه على النّاس "واجب الطاعة لله"، و"أن لله وحده حق التشربع لهم في حياتهم"، و"إقامة القيم والموازين".
أما "العبودية" فهي عبادة لا يتوجه بها البشر إلا لله.

ج- "ديار المسلمين" و"الأرض المباركة".
وبما أن الدين الإسلامي أتى كدين للعالمين، دين موجه للنّاس أجمعين، فكل الأرض بالنسبة للمسلمين فتح وغزو. ومن الطبيعي ألا يرتبط المسلم بقومية أو شعب أو قطر أو وطن، بل يحل رحاله أينما وجد "ديار المسلمين". لأنه ينبغي على المسلم، في نظر الجماعة، أن يعتقد أن وطنه هو وطن الإسلام، وليس شيئا آخر. ويؤكد حازم المدني في إحدى رسائله أن جنسية المسلم هي "جنسية العقيدة" التي "تتساوى" فيها جميع الأجناس والأقوام والألوان حول "رب واحد ومنهج واحد وأمة واحدة"(21). ويعتقد،"السلفيون الجهاديون" في أن "أمّة الإسلام" ممتدة من مشارق الأرض إلى مغاربها. وكانت "سنة الخلافة توحدها" ومنذ أن "سقطت تشتت المسلمون وضاعت كلمتهم"، فأصبحت مهمة "إعادة بناء الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم واستئناف تبليغ رسالة الإسلام إلى أمم الأرض" فرض عين على كل مسلم.
ومن العقائد التي أحياها السلفيون الجهاديون هي عقيدة "الأرض المباركة" التي ورد الحديث عنها في القرآن والسنة. فقد ورد في القرآن ما يلي :
"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله نريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"، (قصة الإسراء).
وفي قصة إبراهيم:
"ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين"، (سورة الأنبياء).
وحسب التفاسير كانت نجاة إبراهيم ولوطا من أرض الجزيرة والعراق إلى أرض الشام.
أمّا في الحديث فقد روى البخاري: "أن رسول الله قال:
"اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا"".
وعن زيد بن ثابت قال: "كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع فقال رسول الله:
"طوبى للشام".
فقلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟
قال: "لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها"".
وعن ابن مسعود قال: "قال رسول الله:
"لا يزال أربعون رجلا من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم، يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم...الأبدال""(22).
وهي آيات وأحاديث تضفي قدسية لا على الأرض فقط، بل وعلى من حولها من المسلمين، وإذا بكل من ينخرط في هذا الإعتقاد بإمكانه أن يرى في نفسه واحدا من الأربعين "الأبدال" الذين "كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا يستقي بهم الغيث وينتصر بهم على ا؟لأعداء"(23)، ممّا يجعله يقدم على أي عمل يقربه من هذا المقام.

د- عقيدة الشهادة
تقوم عقيدة الشهادة على الإيمان بوجود عالم روحاني تنسجم فيه الذات مع الفكرة أو مع الله، وهو من حيث مضمونه الجوهري، إيمان صوفي. وقد وضع له أئمة السلفية الجهادية جملة من المكونات التي تساعد المرء على الإنخراط فيه، وهي أن:
- "الشهيد لا يحس بالألم"، وفي هذا الشأن يعد عبد الله عزام من اختاروا طريق الجهاد والإستشهاد أن تكون ملاقاتهم للموت يسيرة وخالية من الآلام، ويجد في هذا السياق حديثا رواه أحمد والترمذي والنسائي:
"ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة".
وفي رواية مصححة:
"الشهيد لا يجد مسّ القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها"(24).
ويمضي عبد الله عزام في رواية خالد الكردي، في المدينة، الذي انفجر عليه لغم "فطارت قدمه وانبقرت بطنه واندلقت أقتابه" و"بقي يحدثهم ساعتين ولقي الله، ولم يشعر أن قدمه قد قطعت وبطنه مفتوحة"(25).
- "رائحة دم الشهيد كالمسك"، ولتأكيد ذلك تنسج الحكايات الخيالية عن الذين سقطوا في أفغانستان في مواجهة الجيش الأحمر، حتى أن قطرات دم عبد الواحد "بقيت شهرين ورائحتها كالمسك"(26).
- "أحب القطرات إلى الله"، روى الترمذي حديثا حسنا:
"ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين أو أثرتين، قطرة دمعة من خشية الله، وقطرة دم تراق في سبيل الله، وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله"(27).
- "الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون"، اعتمادا على الآية: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا"، وأن أرواحهم في "حواصل طيور خضر" تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى "قناديل معلقة بالعرش"(28).
- "للشهيد في الجنة مائة درجة"، وفي هذا المستوى يتحقق الإتحاد بين الذات الفردية والذات الإلهية في العلاقة بين الفردوس والعرش، ويعطي أئمة السلفية الجهادية لأتباعهم الدعامة الشرعية لما يدعونهم إليه بالإعتماد على حديث رواه البخاري يقول:
"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة- أراه قال- وفوقه عرش الرحمن، ومنه من الفردوس الأعلى تفجر أنهار الجنة".(المصدر السابق، ص1)
- "للشهيد عند الله خصالا"، وهي فضال تمكن الإنسان الذي استشهد وترك متاع الدنيا أن يلقاه في أبهى مظاهرها، تعوض له عن كل الحرمان الذي كابده في الحياة الدنيا، ناهيكم أن يتمكن من أن "يتزوج إثنين وسبعين من الحور العين"، وهي فضائل عددها حديث صحيح رواه أحمد والترمذي وابن حبان:
"إن للشهيد عند الله خصالا- سبع خصال- أن يغفر له من أول دفعة دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه"(29).
وليس غريبا أن نرى هذا الكم من الإستشهاديين لأنهم يعتبرون أنفسهم "قنابل استشهادية" قادرة على ردع القنابل النووية

(3)
مناهج عمل السلفية الجهادية
أ- "الفريضة الغائبة":الجهاد فرض عين.
أصدر محمد عبد السلام فرج، مؤسس تنظيم "الجهاد الثاني"، كتيبا، في أواخر سبعينات القرن الماضي، تحت عنوان "الفريضة الغائبة". وقد انفرد بتجميع وحوصلة الفقه الجهادي استخلصه من كتابات ابن تيمية وابن القيم فيما يتعلق "بدار الكفر" و"دار الإسلام" وقضايا الحاكمية والردة ومشروعية الجهاد وأحكامه وشروطه. وفي الحرب الأفغانية وفي ظل حكومة الطالبان تكاثفت الإصدارات في هذا الباب التي شكلت ما يدعى بفقه الواقع، الذي يشرّع خطف وقتل الرهائن والإغتيال السياسي وتعريض المدنيين للقتل ...الخ.
وكان عبد الله عزام وضّح في كتابه "إتحاف العباد بفضائل الجهاد" وفي وصيته التي كتبها في منزل جلال الدين حقاني، كيف أن الجهاد، في جميع "أرض الإسلام"، فرض عين، وأنه كان كذلك منذ سنة 1492، أي "عندما سقطت غرناطة بيد الكفار- بيد النصارى- ...وسيبقى الجهاد فرض عين حتى نستعيد كل بقعة كانت إسلامية إلى أرض الإسلام وإلى يد المسلمين"(30).
ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول:
"أن الجهاد يصبح فرض عين إذا أسرت امرأة واحدة أو أسر رجل واحد... الجهاد في الكتاب والسنة له مصطلح قرآني مصطلح رباني معناه القتال...
دراستك ليست جهادا، علمك ليس جهادا، جلوسك مع إخوانك في حلقات دراسية أو دعوية ليس جهادا، الجهاد هو القتال مادامت راية القتال مرفوعة، مادامت الأسنة مشروعة وما دمت تتمتع بالصحة وبإمكانك أن تحمل السلاح"(31).
واستخلص عبد الله عزّام بقوله:
"إني أرى أن كل مسلم في الأرض اليوم منوط في عنقه تبعة ترك الجهاد (القتال في سبيل الله) وكل مسلم يحمل وزر ترك البندقية، وكل من لقي الله- غير أولي الضرر- دون أن تكون البندقية في يده فإنه يلقى الله آثما، لأنه تارك القتال، والقتال الآن فرض عين على كل مسلم في الأرض...وترك الفرض إثم، أن الفرض يثاب فاعله ويحاسب أو يأثم تاركه"(32).
و"الجهاد"، لدى عبد الله عزام هو بمثابة الرابطة الروحية العقائدية بالسّلاح، وهو أيضا عبادة وتقرب دائم من الله، يسبق كل أنواع العبادة، قبل الصلاة والصوم والزكاة والحج. فهو مع رأي ابن تيمية حين قال: "فالعدو الصائل الذي يفسد الدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه".
لذلك كان للجهاد، في نظره، الأولوية على كل شؤون الدين والدنيا، باستثناء الإيمان والشهادة.
إن المقاربة التي يتبعها الإسلاميون الجهاديون، في تناول جميع القضايا تقريبا، هي ذات ملامح صوفية بارزة. جعلوا من الجهاد فكرة لها مفعول سحري على الإنسان الفطري وتشده إليها عاطفيا ووجدانيا دون أن تترك لعقله مجالا للوجود وتقرير وتوجيه فعله. وهو مجال مثالي صرف وجذّاب بالنّسبة للشباب على وجه الخصوص، خاصة إذا ما أرهقته ظروف الضياع وغياب البدائل الواقعية.
لقد مكّن فقه الواقع تنظيم "القاعدة" من أساس إيديولوجي عقيدي نافذ وقادر على استقطاب النّاس والشّبان منهم على الأخص، لأنّه مكّنهم من تبرير ديني لاعتبار الجهاد عبادة تسبق الصلاة وكل أنواع العبادة الأخرى، وهو فرض عين على كل مؤمن كي يعطي أتباعه القوّة الضرورية لتحمل أعباء الجهاد، باعتباره عبادة يتقرّب بها المؤمن إلى الله، لذلك يسهل عليه استعمال وسائل قتالية غير معهودة، ويكفي أن نتذكر أحداث 11 سبتمبر2001.

ب- من أساليب "الجهاد"
1- من هم الأعداء الذين حددهم الإسلاميون الجهاديون؟
حدد حازم المدني، وهو من قادة تنظيم "القاعدة"، قائمة "الأعداء النشيطين الآن من منطلق صراع الإمة"، الذين ينبغي إعلان الجهاد ضدهم، في "أربع شرائح مرتبة على أساس أشدها خطورة ثم الذي يليها فالأدنى....وهكذا:
الشريحة الأولى: أ- اليهود (ولا يصح التفريق بين الصهيونية واليهودية أو يهود فلسطين ويهود الخارج).
ب- مسيحيو الغرب، قادة الحرب الصليبية الجديدة: أمريكا وأوروبا الغربية (البروتيستان والكاتوليك).
ج- مسيحيو الشرق من الروس والعرب (الأرتودوكس) والهنود ومثلهم الوثنيون والشيعة.
أرجو الإنتباه للبعد العقائدي للصراع مع هذه الشريحة.
الشريحة الثانية: أ- أئمة الكفر (النظام الحاكم). ب- الوزراء وعلماء السوء. ت- الأنظمة الأمنية التي تعمل على حماية النظام الحاكم.
الشريحة الثالثة: أ- المؤسسات التابعة للنظام الحاكم من إعلام وخلافة. ب- فئة المثقفين المدافعين عن النظام والمتعدين على الإسلام (التيار العلماني). ت- فئة الفاسقين ممن يشيعون الفاحشة ويسمونهم بالفنانين ومن شابههم.
الشريحة الرابعة: أ- الجماعات العصرية ذات المناهج المتباينة والتي لا شوكة لها.
ب- الأحزاب السياسية ذات التوجه القومي"(33).
فهل من تصفية منهجية أشد من هذه؟ كل من ليس في الصف عدو وليس له الحق في الوجود! لذلك نعتبر أن الحركات الجهادية إرهابية فاشية، لأنها تعتزم تصفية كل شيء في المجتمع كي تجعله على صورة "الأمة" عند نشأتها مع السلف الصالح، والتي تشهد اليوم "بعثها الجديد" مع تنظيم "القاعدة". وبهذا المعني فمن اتبع وناصر تنظيم "القاعدة" فهو من "أمة الإسلام" ومن عارضها أو لم يناصرها فهو من "أهل الكفر".

2- "إرهاب الأعداء"
يستعمل سلفيو "القاعدة" أساليب "جهاد" هدفها إثارة أقصى الرّعب في النّفوس وإرباك عموم النّاس، لتحقيق أهدافهم العقائدية والسياسية. وقد أضحى مألوفا لدى الرأي العام أشكال العنف الأكثر إثارة وأشد دمارا وقتلا مثل أحداث 11سبتمبر2001 ومدريد والمغرب ومصر والسعودية. أما عن الذي يحدث في العراق فهو أسلوب منهجي شامل تطبق فيه أطروحات "القاعدة" على الوجه الأكمل.
ومن بين الأساليب التي تجاوزتها الإنسانية حضاريا وأحيتها الجماعات الجهادية بتوسيع ممارستها في الجزائر وفي العراق، في عمليات "الغزو" التي تقوم بها "السرايا الصغيرة" على القرى والمدن أو في عمليات اختطاف الرهائن، والتي تبثها عن طريق الفيديو أو عبر شبكة "الأنتارنات"، هي النحر. وإذا كانت تلك سنة فلماذا لا يحيون أسلوب القتال بالسيف والرمح وعلى صهوة الجواد؟ ولماذا لا يحيون الإستعباد وامتلاك الجواري والسفر على ظهور الدواب؟ ولماذا قبلوا بأن تدججهم وكالة الإستعلامات الأمريكية بالأسلحة الحديثة لمقاومة الجيش السوفياتي؟ إنه انفصام كلي في التفكير والوجود الواقعي !
إن العودة إلى الماضي المرجعي غير ممكنة واقعيا، لذلك فإن اعتماد البعض من أوجهه له غرضان: الأول، ديماغوجي وتمويهي لتأكيد الصلة بين الإسلاميين الجهاديين وبين السلف الصالح، مما يساعدهم على إضفاء طابع قدسي على عملهم وتجييش الناس حولهم، وثانيا، إحداث أقصى ما يمكن الخوف والرعب لدى السكان لإجبار العاديين منهم على الإنصياع وإدخال الإرتباك في صفوف المناهضين. ويندرج بث عمليات النّحر على الفيديو وعلى شبكة الأنتارنات في سياق الغرض نفسه، على الرغم مما تثيره من السخط والإشمئزاز لدى المشاهد.
لقد اعتمدت الجماعات السلفية على ممارسات، كانت عادية في زمانها، خاصة لدى الشعوب المحاربة مثل العرب، واعتبرتها سنة حميدة، في حين أن الإرتقاء الحضاري للإنسانية، أصبح يفرض، بما في ذلك، على قادة الدول الإستعمارية التي تعدّت وتتعدّى على الشعوب، أن يندّدوا، ولو شكليّا، بالممارسات المهينة للذات البشرية والمنتهكة لحقوق الإنسان، ووافق أغلبهم على إلغاء الحكم بالإعدام، وقدموا أكباش الفداء اللازمة في كل مرّة ينكشف أمر تورطها في أعمال من هذا القبيل.
في مثل الطور التاريخي الذي نعيشه، أي في عصر العولمة، أين يتطلع الإنسان إلى التخلص من النيوليبيرالية وإرساء عولمة بديلة تتحقق فيها إنسانيته، طلعت علينا الحركة الإسلامية بفرقها المتطرفة الإرهابية والفاشية توظف ما تشاءت من القرآن والسّنة وتتجاهل مقاصد الآيات والأحاديث والظروف الخاصة التي حفت بكل آية وحديث وغيرها من الإعتبارات والمقاييس التي يعتمدها الفقهاء في التفسير، والتي من شأنها أن تنسّب التعامل في الإحتكام إليها.
ونقدم بعض الأمثلة على كيفية اعتماد زعماء "القاعدة" على القرآن والسنة، يذكر أبو أحمد المقدسي في "إجازة النحر" حديثا:
"روى ابن الأثير وابن إسحاق وغيرهم من أصحاب السير عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: حضرت قريش يوما بالحجر فذكروا النبي صلى الله عليه وسلم وما نال منهم وصبرهم عليه فبينما هم كذلك إذ طلع النبي صلى الله عليه وسلم ومشى حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ثم الثالثة فقال لهم: أتسمعون يا معشر قريش، والذي نفس محمد بيده جئتكم بالذّبح"(34).
وروى الطبراني عن فيروز الديلمي أنه أتى النبي برأس الأسود العنسي فلم يقل له شيئا. وروى البيهقي أن البراء من سرّية أبي حدرد أتى برأس رفاعة بن قيس ولم ينهى عن ذلك. وفي معركة بدر احتز عبد الله بن مسعود رأس أبي جهل وجاء به النبي فقال: "هذا فرعون هذه الأمة".
أما بشأن قبيلة بني قريظة اليهودية، فقد حكم سعد بن معاذ على جميع رجالها ممن بلغ سن الرشد بالقتل وتقسيم أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم. فقال النبي: "لقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد". فأقر الحكم وأشرف بنفسه على قتلهم وحفر الأخاديد لدفنهم. وكانو أكثر من الـ600 نفر.
وتواصل هذا الفعل في التاريخ العربي الإسلامي، فحملت رؤوس لا تحصى إلى الولاة والأمراء، كان من بينهم رأس الكاهنة البربرية.
ويعتبر أبو أحمد المقدسي أن العمل بهذه السنة يهدف إلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وهو مطلب شرعي أتى به الله، ورد في سورة (الأنفال: 12):
"إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان".
وفي سورة (آل عمران:151): "سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله".
واعتمادا على التأويل الخاص للقرآن والسنة، يصبغ الإسلاميون الجهاديون أعمالهم بصبغة شرعية، ويضفون عليها هالة قدسية، حتى تكون كل معارضة لهم في مقام المعارضة لله والرسول. وهي خدعة وتضليل يسهل الكشف عنها بكشف المصالح الحقيقية التي تخدمها والقوى الإجتماعية الواقفة وراءها.









التنظيم والتمويل
لدى الجماعات الإرهابية
أصبحت الجماعات الإسلامية الجهادية وغيرها تعتمد أشكالا تنظيمية جديدة، تتمثل في التجنيد عن بعد، عن طريق الإستغلال الجيّد للأنتارنات ولمعطيات التطور التكنولوجي الحديث والقنوات التلفزيونية الخليجية التي تقوم بتأطير عقائدي للمجتمع على نطاق واسع، وعلى استقلالية كبيرة للخلايا في تحركها وعملها وعلاقاتها الميدانية. وأحاط بن لادن نفسه بخبراء في جميع الميادين الإتصالية والمعلوماتية وقدم كل المساعدة لمختلف الطوائف الإسلامية، بشكل حوّل به الأنتارنات إلى ملحإ افتراضي للحركة الإرهابية على مستوى دولي. فقد أصبحت تستخدم على نطاق واسع للتبشير والتّجنيد والتواصل مع عموم النّاس وربطهم بحاجتهم إلى الحلول التي يواجهون بها أوضاعهم.
وفي هذا الباب ألح أيمن الظواهري على إطارات الحركة أن يتبعوا أسلوبا مبسّطا في توجههم للنّاس "يجعل الحق ميسورا لكل طالب" و"الوصول إلى أصل الدين وحقائقه خاليا من غلو المصطلحات وتقعر التركيبات". كما شدّد على ضرورة "استخدام شعارات مفهومة من قبل الأمة في محاولة لتجييشها"، من ذلك استخدام شعارات العداء لليهود وللولايات المتحدة الأمريكية و"إحياء سنة الخلافة".
إن التبسيط الفائق هو الذي يتناسب والميل العقائدي الساذج للنّاس الذي يجري إشباعه عن طريق الحلول السّهلة والمضمونة النتائج التي يشيعها بينهم. وعندما يبلغ التجنّد، لدى البعض، درجة من التماهي الصوفي بين الذات البشرية والذات الإلهية، يتمّ المرور بهم إلى ترقّب لحظة "الشهادة" بكل ما ترمز إليه من معاني ماورائية. وفي اللحظة التي يبلغ فيها الإستعداد الروحي مستوى لا تردّد فيها، يقام حفل خاشع للمعنيين لتخليد ذكراهم وتقديمهم للأمة "شهداء في سبيل الله".
يتطلب العمل الإرهابي، دون شك، تمويلات كبيرة، لا بد من رصدها لضمان نجاعته واستمراريته وتحقيق أهدافه، خاصة وأن مبالغ مالية كبيرة لعائلات المقاتلين وبالتحديد للذين يقدمون على عمليات انتحارية. ولبن لادن في هذا الباب دور فوق العادة. فهو من أثرى أثرياء السعودية وآسيا الوسطى، وله صلات متينة بالبلدان المعفاة من الضرائب "جنة المستثمرين" ويحتكر تجارة المخدرات الأفغانية ويساهم عن طريق شركة الشركات "وادي العقيز" في رأسمال العديد من المؤسسات والبنوك. وهو أيضا مقاول بنى ميناء في السودان وطرق سيارة. كما يساهم في شركات عالمية مثل موتوريلا، وفي مجال الإليكترونيك والتكنولوجيات الحديثة وفي العقارات والنقل البحري. وتموّل شركته أيضا العديد من المؤسسات الخيرية والجمعيات التي لها علاقة بالإسلام، مهتمة هي الأخرى بتمويل جماعات دينية متطرفة، مثل تنظيم أبي سيّاف في الفيليبين. وخلال سنة 1999 تبين أن رجال أعمال من الصف الأول في المملكة الوهابية تبرعوا بعشرات الملايين من الدولارات لصالح الشبكات الإرهابية التي يقودها بن لادن، عن طريق جمعيتين غير حكوميتين: "النجدة الإسلامية" و"النجدة المباركة". وزيادة على ذلك فإن بن لادن يحظى بمساندة شرائح واسعة من النخب والماليين الخليجيين لعدم رضاهم على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة والضغط الذي أصبحت تمارسه أمريكا على بلدانهم باسم الإصلاح.
لماذا هذه النقلة في عقلية الرأسماليين الخليجيين؟
إن دوافع هذه النقلة، التي يعبّر عنها الإرهاب باسم الدين، هي في الواقع تعبير عن الصراع الذي يدور حول المناطق النفطية وما تمثله من مصالح وعائدات كبيرة، وحول إعادة صياغة الأوضاع الجيوسياسية فيها. ويبدو ظاهريا أن بن لادن رباني وضع كل ثروته على ذمة "الجهاد في سبيل الله". لكنّه في الواقع عطل مشروع مرور الغاز والنفط من آسيا الوسطى إلى الخليج العربي والمحيط الهندي عبر أفغانستان، وله عين على السعودية وكامل الخليج، وليس هذا فقط بل ينظر أيضا إلى القرن الإفريقي. ونفهم هذا الأمر أكثر إذا علمنا أن عائلته ساهمت مع عائلة بوش في شركته العملاقة للنفط بما يقارب عن 12 مليار دولار، وإذا علمنا أنّه على إثر أحداث 11 سبتمبر 2001 مباشرة، سمحت السلطات العسكرية لطائرتين فقط أن تحلقا في الفضاء الأمريكي، واحدة بها بوش وعائلته والثانية بها عائلة بن لادن التي سوف تنقلها إلى مكان آمن.
إن الصراع الواقعي هو صراع عمالقة حول مصالح كبيرة والغفل هم الذين يتوهمون بأنه صراع عقائدي بين الإسلام والمسيحية المتحالفة مع اليهودية، أو ما شابه ذلك من التنظيرات التي لا تساوي فلسا واحدا.
إن مصادر تمويل العمل الإرهابي العالمي لا تنضب، وبصورة خاصة إذا أصبحت شريحة من الرأسماليين أنفسهم، خشية على مصالحها أو بحثا عن سند سياسي يمكنها من إعادة اقتسام النفوذ في المنطقة وعلى النطاق العالمي، تقدم دعمها المالي له باسم الزكاة أو أي تبرير شرعي آخر.
والجدير بالملاحظة أن نشاط الجماعات الإرهابية أصبح يشمل فيما بين الـ 50 والـ 60 بلدا، يتعامل فيها مع الدول لشراء الأسلحة المتطورة والمعدات الإلكترونية عالية الدّقة، ويستغل الظروف المتاحة في البلدان الديمقراطية، وتعتبر كندا، كبلد، موطن تمويل آمن للجماعات الإرهابية، نظرا لما توفره البنوك من تسهيلات لتحويل الأرصدة، ولما تسمح به القوانين المنظمة للحياة العامة من أنشطة وجمعيات ومنظمات إنسانية وخيرية تمكنها من تحويل الأموال إلى الخارج.
وزيادة على ذلك فإن الأنشطة الإجرامية تمثّل مصدرا أساسيا من مصادر تمويل الشّبكة الإرهابية في العالم، نذكر من بينها تجارة المخدرات والعملة المزيفة والألماس والجارة الكريمة. وطرق هذه التّجارة، هي طرق التهريب الآسيوية والإفريقية التي تمر بها تجارة الأسلحة في القارتين.
لذلك حافظت "القاعدة" على سلامة هيكلها التمويلي رغم ما تعرّضت له من ملاحقة ومحاصرة دولية سعيا لتجفيف منابعها. فقد بعث التنظيم مشاريع متنوعة لخلاياه النائمة وغيرها لتمويل نشاطه وتأمين الدعم المالي الضروري لكوادره وتسليح سراياه ولتمويل العمليات الإرهابية.
كما يشير اغتيال الدبلوماسي المصري علاء نظمي، في جنيف في 13 نوفمبر 1995، إلى أن السبب الحقيقي لعملية الإغتيال هذه، هو اهتمامه بملف أموال "الإخوان المسلمين" التي تتراوح قيمتها فيما بين 200 و500 مليون دولار، حسب التقديرات. وهو ما يؤكد أن دولارات الرّعب مؤمنة ومحفوظة في البنوك وهي بأحجام خيالية تجعل من الصراع حولها وحول كيفية توظيفها صراعا له أبعاد عالمية.
وهو ما يؤكد أن تجفيف منابع الإرهاب الذي تشيعه الإدراة الأمريكية، مجرّد وهم، شأنه شأن الحلول العسكرية والأمنية التي تنزع إليها في مواجهة هذه الظاهرة، نظرا لتشابك المصالح بين الإقتصاد الرأسمالي الرسمي والغير الرسمي. كما يؤكد أن الطريق إلى التّحرر من هذا الكابوس لا يمر عبر واشنطن ولا عبر الـG8، بل عن طريق تحرر الشعوب السياسي والإجتماعي.







التغييرات الإستراتيجية
في عمل "السلفية القتالية"

أ- الهجرة اختيار استراتيجي لتأمين القوى
التجأت الحركات الجهادية منذ مواجهاتها الأولى مع النظم القائمة إلى تبرير الهجرة إلى بلد آخر من أجل إعداد العدة للعودة "فاتحين" و"إقامة الدولة الإسلامية". وذهب البعض منها مثل "التكفير والهجرة" إلى حد "هجرة المجتمع الكافر" وإقامة مجتمع منفصل في معسكرات. لكن بعد فشل محاولاتها وتفطن أجهزة الأمن لها، قبلت بالهجرة خارج البلاد. يقول وحيد عثمان أحد أمراء الجماعة المصرية:
"لسنا مطالبين بالجهاد إلا بعد إتمام الهجرة...الهجرة إلى أرض يحكمها حاكم عادل حتى ولو كان كافرا...ونحن نجزم أن البلاد العربية كلها لا يوجد فيها هذا الشرط...ولذلك فالهجرة متاحة في بلاد أوروبا مثل السويد والنرويج وغيرهما... وحاليا جميع أرض الله متاحة للإخوة للهجرة إليها...إنها أرض اليمن، لأنها أرض الحكمة، وهناك العديد من أتباعنا ومن الإخوة يعبدون الله فيها، ويعملون وينشرون الدعوة بحرية كاملة، لذلك فإن حاكمها على كفره عادل".
وعارض عبد السلام فرج هذه النزعات في كتابه "الفريضة الغائبة"، حيث قال:
"هناك من يقول إن الطريق لإقامة الدولة الإسلامية هو الهجرة إلى بلد آخر وإقامة الدولة الإسلامية هناك ثم العودة مرة أخرى فاتحين، ولتوفير جهد هؤلاء فعليهم أن يقيموا دولة الإسلام بينهم، ويخرجوا منها فاتحين"(35).
لكن مرحلة "الجهاد الأفغاني" جعلت الجماعات السلفية تفكر في تحويل أفغانستان إلى قاعدة صلبة لتدريب المقاتلين وتقوية شوكة "الطليعة" وتشكيل "قوة عسكرية مجربة لنصرة المسلمين في كل مكان". وأكد عبد الله عزام أن بناء دولة إسلامية في أفغانستان يقدم للناس مثالا مجسما على رقعة من الأرض، فقال:
"عندما رأيت أفغانستان وقع في قلبي أن هذه الأرض هي التي نبحث عنها لإقامة دولة إسلامية".
وأضاف:
"...الحقيقة أن الشعب الأفغاني فريد في أصالته، ما تلطخ بالحضارة الغربية، فطرته وخاصته لازالت كما هي ما فسدت، العلم في أفغانستان كالنقش في الحجر، الجهاد في أفغانستان كالنقش في الحجر، شعب فطرته سليمة، شعب أصيل...".
وسار دعاة السلفية الجهادية أيضا على سنة السلف الصالح، في مرحلة الدعوة، لمّا هاجر المسلمون من مكّة قاصدين اليمن والحبشة ويثرب. لذلك نراهم في هجرة دائمة، "انتقالا من دار الخوف إلى دار الأمن" أو "من دار الكفر إلى دار الإيمان"، وهي مرحلة ضرورية في ترتيب الأمور للوصول إلى مرحلة الجهاد، و"أما الجهاد فهو ذروة سنام الإسلام"(36).
لقد مرت استراتيجية عمل الجماعات الجهادية من الهجرة الداخلية في المجتمع والهجرة إلى الخارج، أي إلى الإنتقال من "دار الخوف" إلى "دار الأمن"، أو الإنتقال من "دار الكفر" إلى "دار الإيمان"، لإعداد العدّة للعودة "فاتحة" و"بناء الدولة الإسلامية".
وقد حدث تحوّل ثان مع التجربة الأفغانية، حيث أصبحت الهجرة، "جهادية"، أي "لتحرير أرض الإسلام من العدو الصائل" و"بناء الدولة الإسلامية" فيها. وبما أنها كانت أفغانستان، "الإنسان فيها مازال على فطرته"، وتنظيمه الإجتماعي بدائي أقرب إلى مجتمع الأسلام الأول منه إلى المجتمع الحديث، لذلك يمكن إقامة دولة إسلامية أشبه للأصل، تكون بمثابة الأنموذج الذي يقدم للعالم "الدولة الإسلامية الصافية". وزيادة على ذلك فإن أرض أفغانستان هي أفضل مدرسة ومعسكر لإعداد الطليعة الإسلامية المقاتلة التي ينبغي إعدادها جيدا كي تهبّ لنصرة الإسلام والمسلمين، في كل مكان.

ب- الهجرة "الجهادية" و"قتال العدو البعيد"
لكن الإطاحة بالطالبان وغزو العراق وتسديد ضربات محددة في الصومال لدعم التدخل الأثيوبي أفقد "القاعدة" المواطن الآمنة وقلّص وجود الجبهات المفتوحة، جعلها تغيّر استراتيجيتها في اتجاه بعث "سرايا صغيرة" تعمل باستقلال عن بعضها البعض وتتلقى الدعم والتعليمات بصورة منفردة، وتتمتع بكامل الحرية في العمل والحركة.
ولم يكن هذا التغير الإستراتيجي وليد الصدفة ولا هو وليد الإحداث التي حفّت بحرب التحرير الأفغانية من الإحتلال السوفياتي فقط، بل له صلة كبيرة أيضا بالأطروحات التي تتبناها مختلف التيارات الجهادية التي شكلت تنظيم "القاعدة". فقد تبلورت لدى قادة "الجهاد الإسلامي" مثلا أن النظام المصري لا يمثل وحده العدو الرئيسي بل معه الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي.
وكان سالم الرحال، قائد فرع تنظيم الجهاد في مصر قد أصدر، في مطلع الثمانينات، وثيقة تحت عنوان "أمريكا ومصر والحركة الإسلامية"، أكد فيها على ضرورة "ردع العربدة الأمريكية" في "المنطقة الإسلامية" بـ"تقديم المزيد من الدماء، والمزيد من الشهداء، ورفع شعار الخلافة أو الشهادة".
وأكد محمد عبد السلام فرج في أغلب كتاباته على حتمية المواجهة مع "قوى الجاهلية" وفي مقدمتها الغرب و"الطاغوت الأكبر" الولايات المتحدة الأمريكية.
وكان قد سبقهما في ذلك سيّد قطب حيث أكّد على "عداء الغرب عموما للإسلام" وعلى مسعاه "في سبيل عرقلة الصحوة الإسلامية" وعلى "حتمية انتصارها في النهاية على أعدائها وإعادة أمجاد الحضارة الإسلامية".
وكان تنظيم "الجهاد" قد توصل إلى الإستخلاص القائل بضرورة "نقل المعركة إلى أرض العدو وتحويله إلى موقع الدفاع".
وكان أيمن الظواهري قد مرّ في مقالاته بنشرة: "المجاهدون"، من أولوية "قتال العدو القريب" إلى الدعوة الصريحة إلى "منازلة العدو البعيد" وذلك في مقال تحت عنوان: "أمة الإسلام صفا واحدا في سبيل الله لجهاد أمريكا".
وفي كتابه: "فرسان تحت راية النبي"، اعتبر الظواهري:
"أن الإقتصار على العدو الداخلي فقط لن يجدي في هذه المرحلة... لأنه لا يمكن تأجيل الصراع مع العدو الخارجي...فالتحالف اليهودي- الصليبي لن يمهلنا حتى نهزم العدو الداخلي ثم نعلن الجهاد عليه بعد ذلك".


ج- قتال "العدو القريب"وقتال "المرتدين"
تعتبر السلفية الجهادية أن "الجهاد من أجل تحرير ديار المسلمين والأرض المباركة" "أمر شرعي واجب على كل مسلم"، لكنه ينبغي أن يكون "تحت راية مسلمة وقيادة مسلمة". وهو وضع غير قائم الآن (لوجود العدو القريب: الحكام والمرتدين الممتنعين) وينبغي تغييره، حتى تصبح منازلة الإستعمار (العدو البعيد) أنجع وأثبت.
وفي هذا الصدد يعتمد قادة "القاعدة" القرآن في تحديد قتال الأعداء، ويستشهدون جميعهم بالآية التالية من سورة (التوبة:123): "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة".
ويبدؤون بـ"العدو القريب" بدعوى أنه أشد خطورة، باعتباره يمثل وكل من ساواه، أوتاد "العدو البعيد". ويوضّح، في هذا الصدد، سيد إمام عبد العزيز، أن:
"كل من شارك في وضع القوانين الوضعية أو حكم بها، فهو كافر كفرا أكبر مخرجا من ملة الإسلام، وإن أتى بأركان الإسلام الخمسة....
فهذا الحاكم المرتد إن لم تكن له منعة وجب خلعه على الفور ويعرض على القاضي فإن تاب وإلا قتل وإن تاب لم يرجع إلى ولايته. وإن كان الحاكم المرتد ممتنعا بطائفة تقاتل دونه، وجب قتالهم، وكل من قاتل دونه فهو كافر مثله. فكل من نصر الكافر بالقول أو بالفعل لنصرة كفره فهو كافر مثله، وهذا هو حكم الظاهر في الدنيا كممتنع عن أهل الإيمان والجهاد، وقد يكون مسلما في الباطن لوجود مانع من التكفير في حقه أو شبهة ونحوه، إلا أن هذا لا يمنع من الحكم بكفره لقيام المقتضي في حقه، وهكذا جرت السنة في الممتنعين".
وفي النصف الثاني من التسعينات أصبح الظواهري يشير إلى إمكانية إنزال ضربات بأمريكا رغم قوتها. ثم توجه بدعوة في مقال تحت عنوان: "يا أمة الإسلام صفا واحدا في سبيل الله لجهاد أمريكا". وقد انتهى التنظيم السلفي الجهادي مع الظواهري إلى ضرورة منازلة العدو البعيد(أمريكا)، حيث اعتبر في كتابه "فرسان تحت راية النبي"، "أن الإقتصار على العدو الداخلي فقط لن يجدي...." وأن المعركة دولية لا شك فيها"، لذلك أصبحت "القاعدة" المقاتل الإسلامي العالمي في وجه جميع الأعداء وبصورة خاصة العدو الأمريكي الصائل في بلاد الإسلام.
وأضاف أبو حمزة البغدادي، عضو الهيئة الشرعية لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، توضيح أحكام المرتدين، حيث قال:
"أن قتال المرتدين الممتنعين مقدم على قتال الكفار الأصليين وذلك لأن المرتد أعظم جناية في الدين وأشد خصما، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع على ذلك فقال: "وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة:
منها: أن المرتد يقتل بأي حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا يعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي.
ومنها: أن المرتد يقتل وإن كان عاجزا على القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هم مذهب مالك والشافعي وأحمد.
ومنها: أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام" (37).

د- "الحرب العالمية" على "قوى الكفر"
ومن ثمّ أصبح قادة "القاعدة ينظرون لـ"حرب عالمية" على "قوى الكفر"، تجري فيها المواجهة العالمية بين "أهل الكفر متحدين" و"أهل الإيمان محصورين في القاعدة ومن والاها"، حبث قال:
"القوى الغربية المعادية للإسلام حددت عدوها بوضوح وهو ما تسميه بالأصولية الإسلامية، ودخل معهم في هذا الحلف عدوتهم القديمة روسيا، واتخذوا عدة أدوات لمحاربة الإسلام، منها الأمم المتحدة والحكام الموالون والحاكمون لشعوب المسلمين، والشركات متعددة الجنسيات".
لذلك يمكن القول أن استراتيجية "القاعدة" الجديدة التي ظهرت في مرحلة ما بعد الإطاحة بنظام الطالبان أصبحت تجمع بين العمل في المناطق الساخنة التي تدور فيها معارك مباشرة، كما هو الشأن بالنسبة للعراق وفلسطين والصومال، وبين الضرب في البلدان التي يكون فيها التنظيم مستعدا للقيام بأعمال تلحق أضرارا بالنظم القائمة، مثل الجزائر، وبين الضرب في أرض "العدو الصائل" كما كان الشأن بالنسبة لأحداث11سبتمبر2001، التي تعبّر بوضوح عن التغييرات الإستراتيجية العميقة في عمل تنظيم القاعدة، و الشيء نفسه بالنسبة لمدريد ولندن، وبين الضرب في "بلدان الموالاة" مثل السعودية ومصر وفي البلدان الأشد أمنا واستقرارا ومراقبة، مثل تونس. زيادة على الضرب في مناطق بعيدة في تخوم آسيا، تبدو لا علاقة لها بشأن المنطقة العربية أو الشرق أوسطية ولا كذلك بما يجري في آسيا الوسطى، لكن دلالتها الوحيدة تتمثل في أن "القاعدة" تدير حربها فعلا على النطاق العالمي، وهي بصدد رسم المناطق التي تريد اقتسام النفوذ فيها.
تلك هي الملامح الإستراتيجية الجديدة التي نتابع أحداثها بين الفينة والأخرى.




الجماعات الإسلامية والسلفية الجهادية
في البلدان العربية
(1)
الحركة الإخوانية
تعود نشأة الجماعات الإسلامية في باقي البلدان العربية إلى التأثير الذي لعبته الحركة السلفية السعودية، وبالتحديد الوهابية، وحركة الإخوان المسلمين، مصرية المنشأ، في كامل المنطقة.
بعث "الإخوان"، في أربعينات القرن الماضي، "شعبة ارتباط مع العالم الإسلامي" اهتمت، زيادة على الدعاية، بإنشاء فروع للحركة الإخوانية في العالم لإسلامي. وسرعان ما أنشأت أو ساعدت على إنشاء فروع في كل من الأردن وسوريا وفلسطين والكويت والسودان واليمن.
وخلال سنة 1945 أسس مصطفى السباعي، في سوريا، فرعا للإخوان معترفا بسلطة "المرشد العام" المصري. وأسند لمصطفى السباعي صفة "المراقب العام". لكن الجماعة السورية انقسمت إلى مجموعتين أساسيتين، كانت الأولى بزاعمة عدنان سعد الدين، الذي اضطر إلى الهجرة للعراق تجنبا للإيقاف، وكانت الثانية بزعامة ابراهيم أبو غدة، الذي لجأ هو الآخر للسعودية لنفس الأسباب.
أما الجماعات الإخوانية في الأردن فقد تزعمها عبد الرحمان خليفة وكان لها علاقات طيبة بالملك حسين.
وعلى الرغم من عراقة الحركة الإسلامية في فلسطين، لارتباطها بمصر وسوريا والأردن، فلم يقدم "الإخوان" في فلسطين على تأسيس تنظيم خاص بهم إلا خلال سنة 1987، الذي أطلقوا عليه اسم منظمة "حماس" وكان تزعمها الشيخ ياسين.
بينما "الإخوان" في الكويت معاونون مع السلطة. والملفت للنّظر أن "الإخوان" في السعودية لم يسعوا إلى بعث فرع إخواني هناك.
ورعت الحركة الإخوانية المصرية، أو التنظيم العالمي للإخوان، العديد من الحركات الإسلامية في البلدان العربية الأخرى، فقد ساعدت حسن التربي على إنشاء "الجبهة الوطنية الإسلامية" في السودان سنة 1946، وراشد الغنوشي على تأسيس حركة الإتجاه الإسلامي سنة 1981 في تونس، وعبد السلام ياسين على بعث الجماعة المغربية "العدل والإحسان"، وفي الجزائر كانت لهم صلات بمحفوظ النحناح الذي أسس حزب "حماس"، بينما كانت جبهة الإنقاذ الإسلامية مدعومة من قبل السعودية.
ويعود التأثير الذي مارسته الحركتان السلفية والإخوانية، أيضا، إلى الضغط الذي كانت سلطته السعودية على العديد من البلدان العربية فيما يتعلق بالمواقف التي لها علاقة بالدين والإصلاحات التي تضع في الميزان مكانته، مهما كانت الحدود التي هي عليها. وكانت تونس من بين البلدان التي تعرضت إلى مثل هذا الضغط، إبّان الإستقلال، حول مجلة الأحوال الشخصية والمحاكم الشّرعية والحبس، وحول إلغاء التعليم الزيتوني والإختلاط بين الجنسين في التعليم والشغل وسفور المرأة. وشجع هذا الضغط العديد من الزيتونيين الذين كانوا يمثلون التيار المحافظ على معارضة السلطة ومساندة الحركة اليوسفية التي دخلت في صراع مفتوح مع السلطة ومع الجناح البورقيبي في الحزب الحر الدستوري.
كما استغل النظام المصري حاجة الدول العربية الناشئة لإطارات تعليمية لتدريس اللغة العربية فبعث إليها بأعداد كبيرة من كوادر حركة الإخوان المسلمين، كمتعاقدين، متخلصا، في ذات الوقت، من الضغط السياسي الذي كانت تمارسه عليه. وبذلك وفّر الفرصة للحركة الإخوانية كي تبعث خلايا تابعة لها تحت إشراف قادتها مباشرة، خاصة وقد أعلنت نفسها حركة عالمية منذ مؤتمر بيروت سنة 1946.
لكن التطور الواقعي للجماعات الإسلامية في البلدان العربية كان وليد تفاعلها المباشر مع الأوضاع المحلية وبصورة خاصة في علاقتها بالسلطة. فقد حظيت بدعمها وتعرضت للقمع لمّا نشدت الحكم بالإستحواذ عليه أو بتقاسمه.
ومع انتصار الثورة الشيعية في إيران وغزو السوفيات لأفغانستان، تأثرت الجماعات الإسلامية بهذين الحدثين البارزين، حيث أعلنت أجنحتها الراديكالية انشقاقها عن التنظيمات الأم، وأقدمت تيارات عدة على التّشكل في جماعات جهادية مسلحة.
ورغم القطيعة الظاهرة في الأسلوب، فإن الجناحين بقيا على اتفاق في الهدف ألا وهو "إقامة الدولة الإسلامية"، باسم "الخلافة" أو "الأمة الإسلامية" أو "الدولة الإسلامية" القطرية. وهي خاصية بإمكانها أن تسهّل عملية الإستقطاب حول المشروع ذاته، بقطع النظر عن السّبل المنتهجة والتي قد تكون متضمنة في حسابات الطرفين، بالإتفاق المسبق أو من دونه.




(2)
الجماعات الجهادية بديل عن الحركة الإخوانية
واعتمادا على الخلافات التي وجدت منذ فترة السجن، شهد الشارع المصري، منذ أواسط السبعينات، حملات دعائية تكفر النظام المصري وتدعو إلى مقاومته، أثمرت ولادة "تنظيم الجهاد"، الذي أسسه سالم الرحال، الطالب الأردني، بالجامعات المصرية، ثم "تنظيم الجهاد الثاني"، الذي أسسه محمد عبد السلام فرج، على أساس كتاب ألفه عنوانه "الفريضة الغائبة"، كان بمثابة الأرضية العقائدية لهذا التنظيم. وقد كان أعد لاغتيال السادات في أكتوبر1981.
أما التنظيم الثالث، فهو "حزب التحرير الإسلامي"، الذي أسسه صالح سرية، وكان قام بعملية الكلية الفنية العسكرية.
وأخيرا تنظيم "التكفير والهجرة"، الذي أسسه شكري مصطفى، وهو الذي اختطف الشيخ الذهبي وزير الأوقاف واغتاله.
وهكذا ظهرت، على خلفية حركة الإخوان المسلمين والسلفية الوهابية، عدد من الحركات الإسلامية الجهادية في أغلب البلدان العربية، سوف نتعرض للبعض منها:

1- الجماعات الجهادية في العراق
ارتبطت نشأة الحركة الإسلامية في العراق بنشأتها في بلاد الشام وبالدور الذي كان للحركة الوهابية في المنطقة المتاخمة للجزيرة العربية بصورة خاصة. وما يهمّنا هو محاولة التعرف على الجماعات الجهادية نظرا لمكانتها في حركة المقاومة وظهور حركات أخرى تحمل نفس العقائد والتوجهات وأساليب العمل.
ففي عام 1980 تأسس "الجيش الإسلامي الكردستاني" كجماعة مسلحة في جبال كردستان، ثم تلته "الرابطة الإسلامية الجهادية" و"تنظيم الحركة الإسلامية"، ذات الأصول القريبة من الجماعات الإسلامية ومن الحركة السلفية.
وأسست الجماعة السلفية في العراق "كتائب المجاهدين" للمشاركة في الجهاد ضد الغزو السوفياتي لأفغانستان في مطلع الثمانينات مستلهمة من مقولات عبد الله عزام.
كما أسس عبد الهادي دغلس وخالد العارومي وسليمان درويش، خلال عام 1999، تنظيم "جند الشام"، المتكون من "الشاميين الأفغان"، وهو تنظيم ذو جذور سلفية متشددة يكفّر كل الحكومات العربية ويعتبرها مرتدة ولا تحكم بالإسلام ويدعو لمحاربتها.
وبعد احتلال أفغانستان من قبل جيوش الحلف الأطلسي والإطاحة بالطالبان، تكونت "جماعة جند الإسلام"، تحت قيادة أبي عبيد الله الشافعي، ضمت عددا من "العراقيين الأفغان"، كانت تأمر بغلق المتاجر أثناء الصلاة وتمنع بيع الخمر وتدعو إلى "الجهاد".
وفي 10ديسمبر2001 اندمجت ثلاث جماعات إسلامية لتكوّن تنظيم "أنصار الإسلام"، وهي: "جند الإسلام" و"حماس الكردية" و"حركة التوحيد".
ويتبنى هذا التنظيم الفكر السلفي السّني الجهادي المتأثر في الوقت نفسه بالوهابية وبسيّد قطب وبالجهادية المصرية.
وبعد الإحتلال الأمريكي للعراق بخمسة أشهر نشأ "جيش أنصار السنة" المؤلف من خليط من الجماعات الإسلامية السنّية المناهضة للإحتلال، بإمارة أبي عبد الله الحسن بن محمود. وقد أعلن هذا التنظيم الجهاد ضد المحتل مستوحيا أعماله وأوامره من القرآن والسنة.
وأنشأت الحركة الإسلامية في العراق، إخوانا مسلمين وسنة عرب وعناصر عسكرية من النظام السابق، جناحا عسكريا تحت اسم "كتائب الفاروق".
وأخيرا وليس آخرا، "الجماعة الإسلامية المسلحة" التابعة "للقاعدة" فرع الفلوجة، وهي جماعة أبي مصعب الزرقاوي المؤلفة من المقاتلين الأجانب في العراق، وهي اليوم تحت قيادة أبي إياد، الذي شارك في حرب أفغانستان وفي الشيشان.

2- الحركة الإخوانية في سوريا ونشأة الحركات الإرهابية باسم الدين
كانت الحركة الإخوانية في سوريا، رغم لعبها على التحالفات مع مختلف أجنحة حزب البعث التي كانت في صراع حاد على السلطة، الذي عبّر عن نفسه في تعدّد الإنقلابات، تعتمد العنف المنظم كأسلوب للعمل السياسي، وبرز ذلك عندما أعلن حافظ الأسد على إدخال تحويرات "علمانية" في الدستور. فجرت مواجهات مسلّحة مع النظام ومواجهات في الشوارع وعصيانات، انتهت بإيقافات واسعة في صلب التنظيم وفرار عدد آخر خارج البلاد وظل عدد ثالث في السرّية.
وقد أرهقت المواجهات الحركة الإخوانية فانقسمت إلى أربع جماعات:
- جماعة حلب بقيادة عبد الفتاح أبو غدة.
- جماعة دمشق بقيادة عصام العطار.
- وجماعة بقيادة مروان حديد تدعو إلى التخلص من الجماعتين السابقتين.
- وجماعة رابعة أطلقت على نفسها، جماعة المراكز المتفقة.
ولم يوفق التنظيم العالمي للإخوان في توحيد حركة الإخوان السورية وكل ما تمكن من فعله هو تحسين وضع جماعة عبد الفتاح أبو غدة مع جماعة المراكز المتفقة وانتخاب عدنان سعد الدين بصفة "مراقب عام"، وعلى هذا الأساس أصبحت هذه الجماعة معترف بها من قبل التنظيم العالمي. في حين أصبحت جماعة العطار تعمل تحت اسم "الطلائع الإسلامية"، لعدم رضاها بالوضع الجديد دون أن تحدث قطيعة مع الفكر الإخواني. أما جماعة مروان حديد فقد أنشأت تنظيما جديدا أطلقت عليه اسم "الطليعة المقاتلة لحزب الله"، التي أعلنت الجهاد ضد "الحكومة الكافرة" وكانت أول عملية قامت بها هي اغتيال محمد غرة رئيس فرع المخابرات العسكرية، أرفقتها بعملية المدفعية في حلب.
ومنذ أن انطلقت المناوشات الأولى بين النظام السوري والجماعات الإسلامية، بدأت حملات الإعتقالات في صفوفها، وتجاوزت 13000 عنصر خلال الفترة الممتدة بين 1976و1981. وكانت أعوام 1979- 1982 الأشد عنفا، تراوح بين المظاهرات والتمردات ومعارك الشوارع والإغتيالات، وقابلها النظام السوري بالإيقاف والإغتيال السياسي والإعدام وقانون الطوارئ رقم 49، ممّا اضطر العديد من كوادر الحركة إلى الهرب في اتجاه العراق والأردن والسعودية.
وفي ظل هذه الأوضاع المتوترة أسس أبو يوسف شرقية، وهو فلسطيني، تنظيم "جند الشام"، على أساس مفاهيم متطرفة تدعو إلى المواجهة مع "أعداء الله". فأصدر العديد من البيانات تكفّر الجماعات والأفراد وتبنى اغتيال أحد كوادر "حزب الله"، وجرت مواجهات حادة بينه وبين حركة فتح ثمّ بينه وبين الجيش السوري وتمّ إيقاف العديد من كوادره ونشطائه من قبل "وحدة مكافحة الإرهاب".
وأصبح "جند الشام" منذ مدة تابعا لتنظيم القاعدة وشمل لبنان بأعماله الإرهابية، حيث أصدر تهديداته للعديد من الشّخصيات الشّيعية وقام بتفجيرات، من بينها سيارة الإعلامي علي طعمة.

3- الحركة الإسلامية في الجزائر والسلفية الجهادية
تعود نشأة الحركة الإسلامية في الجزائر إلى الأيام الأولى للإستقلال، لمّا اعتمد بن بلّة على المتعاقدين المصريين في تدريس اللغة العربية في مختلف مستويات التعليم، الذين كان من بينهم، عدد لا يستهان به من الإطارات الإخوانية.
وفي سنة 1982 أعلن مصطفي بويعلى الجهاد ضد النظام من أجل إقامة الدولة الإسلامية، وأسس لذلك تنظيما يدعى "الحركة الإسلامية المسلحة". واستمرت المواجهات المسلحة إلى حدود سنة 1989، التي انتهت بقتل قائد المجموعة واعتقال أغلب عناصرها.
وخلال عام 1992 تفجّر الصراع بين الحركة الإسلامية، الممثلة أساسا في "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" التي كان يتزعمها عباسي مدني وعلي بلحاج، وبين النظام الجزائري، على إثر إيقاف الإنتخابات التشريعية التي حاز فيها الإسلاميون، قبل دورتها الثانية، على الأغلبية. عندها دعا علي بلحاج إلى "الجهاد". وتنفيذا لتلك الدعوة تأسس "الجيش الإسلامي للإنقاذ" بإمرة أحمد بن عائشة ومدني مرزوق. ثم تأسس "جيش التحرير الوطني" على يدي عبد القادر شبوطي الذي اقترحه ذراعا عسكريا لحركة إسلامية موحدة، غير أن هذا التنظيم المسلح لم يكن له شأن كبير في الأوضاع التي مرت بها الجزائر.
والملفت للإنتباه أن "الجماعات الإسلامية المسلحة" وجهت حرابها تجاه المثقفين فاغتالت الكتاب والصحفيين ورجال الفكر ووجوها عدة من المجتمع المدني ومن التقدميين، وارتكبت مجازر فظيعة في حق الفلاحين، عن طريق أعنف الغارات وأشدّها عنفا وهمجية. وكانت قد تصرفت، تماما، كمجموعة من الذبّاحين، ارتكب عناصرها جرائم لا تغتفر في حق الشعب الجزائري وفي حق الإنسانية.
وبعد الإحتلال الأمريكي لأفغانستان تحول عدد من "الأفغان العرب" إلى الجزائر لمعاضدة العمل العسكري للجماعات الإسلامية المسلحة هناك.
لكن مواجهة الجيش الحازمة ومشروع المصالحة الوطنية الذي اقترحه الرئيس بوتفليقة أضعفها وقلّص وجودها ووفّر لأغلب مكوناتها ظروف الإندماج الطبيعية في المجتمع، وللعديد من الأحزاب الإسلامية إمكانية العمل السياسي القانوني.
ومع ذلك، انفصلت "الجماعة السلفية" عن "الجماعة الإسلامية المسلحة"، التي اشتهرت بمذابحها ضد المدنيين، حيث رفض مؤسسو الجماعة سياسة التذبيح، ليواصلوا "الجهاد" ضد النظام الجزائري. وأعلنوا عن انسلاخهم عن التنظيم الأم وكان ذلك خلال صائفة 1998. ثم أعلنوا عن التحاق تنظيمهم بـ"القاعدة".
ويتكون التنظيم الجديد من "الجماعة السلفية المقاتلة" و"جماعة صوان" و"حماة الدعوة السلفية" بقيادة سليم الأفغاني، الذي أعلن الولاء لبن لادن بعد يومين من أحداث 11 سبتمبر 2001. وأصبحت "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" الجزائرية، تمثل بصورة رسمية تنظيم "القاعدة" في كامل المنطقة المغاربية، قيادة وتدريبا وتخطيطا وتنفيذا، وأصبح اسمها "قاعدة الجهاد للمغرب الإسلامي".

4- الحركة الإسلامية في المغرب والسلفية الجهادية
ارتبطت التنظيمات الجهادية الثلاث: "الصراط المستقيم" وجماعة "الهجرة والتكفير" وجماعة "السلفية الجهادية" بالعمليات الإرهابية التي شهدتها مدن الدار البيضاء وفاس ومكناس وطنجة وتطوان والناظور. وتنشط هذه التنظيمات خارج إطار الحركة الإسلامية العاملة في الحياة السياسية المغربية والحائزة على رضاء الملك. وهذه الحركات هي: "حركة التوحيد والإصلاح" التي تمثل المكونة الأساسية في "حزب العدالة والتنمية" وكانت قد فازت بالمرتبة الثالثة في الإنتخابات التشريعية المغريبية، و"جماعة العدل والإحسان" الأكثر انتشارا وتنظيما وفاعلية في مقاطعة الإنتخابات، و"البديل الحضاري" و"الحركة من أجل الأمة".
ومنذ تفجيرات الدار البيضاء 2003 والتحقيق جار مع حوالي 3000 عنصر يشتبه في انخراطهم في تنظيم "السلفية الجهادية"، إذ تمكنت أجهزة الأمن في 2006 من تفكيك حوالي 10 تنظيمات إرهابية، منها من هو على علاقة بتنظيم "الجماعة لسلفية للدعوة والقتال" الجزائري والذي أضحى فرعا تابعا لتنظيم "القاعدة"، وحوالي 50 خلية إسلامية راديكالية، بعضها مرتبط "بالقاعدة" والبعض الأخر مازال في طور التكوين.














الحركة الإسلامية في تونس
وولادة السلفية الجهادية
أ- حركة الإتجاه الإسلامي- حركة النهضة
بدأت هذه الحركة تظهر إلى الوجود منذ مطلع السبعينات، في إطار التقاء بين تيارين أساسين، الأول إخواني يمثّله السّيد راشد الغنوشي، الذي كان له أول اتصال مع الناصرية والفكر الإخواني في مصر لمّا تحول إلى الدراسة هناك، مثله مثل العديد من الشبان التونسيين. لكنه غادر مصر بسرعة في اتجاه سوريا، وهناك تحصل على الأستاذية في الفلسفة واعتنق الفكر الإخواني. أما التيار الثاني فقد كان سلفيا من النمط السعودي، وبالتحديد وهابيا، يمثله الأستاذ عبد الفتاح مورو.
تأسست الجماعة الإسلامية في تونس كجماعة ثقافية وتربوية، وكان لعناصرها المؤسسة تشبع كبير واستلهام من كتابات المفكرين الإسلاميين من أمثال أبي الأعلى المودودي وسيد قطب وابن تيمية ومالك بن نبي وحسن البنا وغيرهم. ووجدت حلقاتها مجال العمل الدعوي متاحا في المساجد ودور الصلاة التي أوجدتها في المعاهد والجامعات والمبيتات الجامعية وفي المؤسسات بتسهيلات مباشرة من الإدارة والسلطة السياسية، ومن خلال إلقاء المحاضرات وعقد الندوات وإقامة المعارض للكتب الإسلامية ودعوة المرأة إلى ارتداء الحجاب.
كما وجدت في أول إصلاح خطير للتعليم، الذي قام به الوزير السابق محمد مزالي، والذي استهدف الجوانب العقلانية والتنويرية التي كانت مضمنة في برامج التعليم والتي عوضها بالفكر المثالي وبمقولات لأقطاب السلفية والحركة الإخوانية وأخرى غارقة في التزمت والجمود.
وبما أن السّلطة دعت هذه الجماعات الإسلامية، التي كانت بصدد التشكل، لمساعدتها على محاصرة القوميين واليسار، فقد مكنتها من "مجلة المعرفة" وساعدتها على إصدارها بمطبعة دار الحزب الحاكم، الحزب الإشتراكي الدستوري، ثم جريدة "الحبيب" وفي مطلع تسعينات القرن الماضي كانت قد تحصلت على تأشيرة جريدة "الفجر".
لذلك ركّز دعاتها على التنديد، في الحلقات التي نشّطوها وفي الإجتماعات، بـ"الملاحدة" والشيوعيين وبـ"المتطرفين" الذين كانوا يدعون للإضرابات، وبصورة خاصة إضراب الأساتذة في 1975.
ولمّا اشتد عودها خرجت إلى السّاحة السياسية بعد الإضراب العام لسنة 1978، وانطلقت في فرض عقائدها في الساحة الجامعية والتلمذية وفي الشارع التونسي عن طريق العنف والإرهاب الإيديولوجي. وبدأت تظهر قائمات "المهدر دمهم" والمحكوم عليهم بالإعدام. وانطلقت حملات التكفير وأسلمة المجتمع من خلال غزو المنظمات والجمعيات وإضفاء الخطاب الديني على الحياة العامة. ولم يتردد قادة الحركة في الندوة الصحفية التي عقدوها للإعلان عن ميلاد حركة "الإتجاه الإسلامي"، في 6جوان1981، في الدعوة إلى مراجعة مجلة الأحوال الشخصية. وقد قادها هذا التصعيد إلى إيقاف قادتها ومحاكماتهم سنة1981، ثم أطلق سراحهم في 2 أوت 1984 بموجب عفو رئاسي بتدخل شخصي من الوزير لأول آنذاك السيد محمد مزالي.
وفي ديسمبر 1984 عقدت الحركة مؤتمرها الثاني في السرية أكد زعامة الغنوشي وعبد الفتاح مورو. وفي 6جوان 1985 عقدت ندوة صحفية كشفت فيها كل أوراقها وأعضاء مكتبها السياسي، على إثر عثور المصالح الأمنية على وثائق سرية للحركة.
ومنذ مطلع عام 1987 عاودت حركة الإتجاه الإسلامي التصعيد، من خلال المواجهات في الشارع مع قوّات الأمن، التي كانت تنطلق من المعاهد والجامعات والجوامع والمساجد بعد الصلاة وبصورة عامة بعد كل صلاة جمعة. ونظمت أعمال عنف استهدفت المقاهي والمطاعم. وتمّ الإعتداء على النساء غير المحجبات والفتيات اللاتي ترتدين لباسا "غير لائق"، بواسطة آلات حادة.
وكشفت الأحداث أن الجماعة كانت تعدّ لتغيير الأوضاع عن طريق الإنقلاب، إذ كانت قد تغلغلت في أجهزة الأمن والجيش، حتى أنه كان من بين قادتها من كان يدرّس بالكلية العسكرية، وأن البعض من قادتها، من كانوا يتنقلون، أثناء الأزمة، تحت حماية ضباط مرموقين. وكان رجالات من الدولة قد راهنوا على أن يحدث التغيير بالإعتماد على حركة "الإتجاه الإسلامي" وأعدوا لإشراكها في السلطة. لكن مواجهة 1987 انتهت بمحاكمة القيادة وبعض القيادات الوسطى وبإيقاف "المجموعة الأمنية".
وبحلول 7 نوفمبر1987، حدث منعرج في التعامل السياسي مع الحركة الإسلامية، في محاولة لتشريكها في الحياة السياسية، خاصة وأنها كانت على استعداد لتقديم التنازلات الضرورية من أجل الحصول على تأشيرة العمل القانوني وكسب رهان أسلمة الدولة والمجتمع من فوق، فكان راشد الغنوشي قد صرح بعد 7 نوفمبر1987، بقولته الشهيرة:
"لنا ثقة في الله وفي بن علي".
وخلال عام 1988 خلفت حركة النهضة "الإتجاه الإسلامي"، سعيا من قادتها التأقلم مع الواقع السياسي. وفي انتخابات 1989 التشريعية، جرت مفاوضات بين حركة النهضة وبين جهات من السلطة والمعارضة، حول مشاركتها في الإنتخابات وحول مضمون دعايتها الإنتخابية، بما في ذلك حول إمكانية دخولها لمجلس النّواب عن طريق "القائمات المستقلة" البنفسجية. لكنّها تجاوزت الخطوط الحمر على جميع الواجهات، إذ طفا على السطح خطاب متصلب ومكفّر هاجم المكتسبات ودعا إلى تطبيق الشريعة والعودة إلى السلف الصالح في الدين والدنيا. وتقدمت بقائمات في أغلب الدوائر. وقامت بعمل استعراضي وتعبوي أزعج السلطة والمعارضة الديمقراطية وقطاعات واسعة من الشعب التونسي وعلى الأخص المثقفون والمرأة الذين كانوا هدف الحملة المفضل.
وكان الإعلان عن نتائج الإنتخابات، بمثابة إعلان القطيعة بين السلطة وحركة النهضة، وبينها وبين المعارضة القانونية. ومع حلول عام 1990، خيّم على علاقتها بالسلطة ملف "مجموعة أمنية ثانية"، وبدأ التوتر يأخذ طريقه كي يصبح السّمة البارزة فيها. وأتت حرب الخليج لتدفعه إلى مستوى حملت الطرفين على اختيار المواجهة. فرفعت حركة النهضة شعار السنة البيضاء بالنسبة للشباب التلمذي والجامعي، من خلال الإعلان عن الإضراب اللانهائي. واتجهت إلى المواجهه في الشارع والإعداد للقيام بأعمال "تأديبية" وعمليات إرهابية (عمليات حرق وتفجير) واعتداء على الأشخاص بواسطة الماء الحارق.
كانت حركة النهضة، في مطلع التسعينات من القرن الماضي، مصممة، كما كانت في 1987، على القيام بمعركة فاصلة مع نظام الحكم، حتى أن زعيمها السيد راشد الغنوشي أعلن الجهاد في تصريح له لجريدة "الإنقاذ الوطني" السودانية، حيث قال:
"والجهاد ضد أنظمة الكفر والإستبداد والعشائرية والتجزئة والولاء للأجنبي- وتكاد أنظمة العالم الإسلامي لا تخرج من هذه الأوصاف- فإن للأمة الإسلامية أن تنهض بمهام الصراع الحضاري والشهادة للمشروع الحضاري الإسلامي، فلا مناص من تركيز الجهد الجماهيري على مجاهدة هذه الأنظمة الخائنة لتعريتها وتوهينها وإرضاخها لسلطة الشعب والإطاحة بها"(38).
كانت الحركة الإسلامية تعلّق آمالا عريضة على تطورات الوضع في الجزائر وعلى نتائج الإنتخابات التشريعية فيها، والتي كانت تتقدم بأشقائها في العقائد، رويدا رويدا، للوصول إلى السلطة. ورغم أن إيقاف العملية الإنتخابية قد غيّر كل المعادلات السياسية، فقد بقيت حركة النهضة سجينة رد الفعل على السلطة التي جرّتها إلى التوغل بشكل يصعب عليها الإفلات من فكّي الكماشة عند إغلاقها.
وهكذا انطلقت الإيقافات والمحاكمات التي أتت على البناء التنظيمي للحركة الإسلامية وعلى امتداداتها الشعبية. ورغم قوة الحملة الأمنية سعة وعمقا، تمكن عدد لا بأس به من الكوادر الوسطى وحتى العليا من الهرب إلى الخارج، أين حصلوا على اللجوء السياسي في البلدان الأوروبية التي أقاموا فيها، ومنها واصلوا نشاطهم وأعادوا بناء التنظيم وكانوا سندا قويا لإخوانهم في السجون ولعائلاتهم، زيادة على الدور الذي لعبوه من أجل تحسين صورة حركة النهضة وتقديمها للرأي العام الوطني والعالمي على أنها حركة قابلة بمبادئ الديمقراطية وقيم النظام الجمهوري وبحقوق الإنسان. وعدّلت في برنامجها الذي أدخلت فيه المطالب المتعلقة بالحريات وانتقدت البعض من خياراتها السياسية السابقة، إلا أنها حافظت على الجوهر الذي يمثل هويتها وهوية مشروعها، وهو العمل على إقامة دولة قائمة على العقيدة، أي دولة استبدادية باسم الدين.

ب- اليسار الإسلامي، الإسلاميون التقدميون
انتمى أهم عناصر هذا التيار للإتجاه الإسلامي، ومنهم، أو بالأحرى أغلبهم، من مؤسسي الإتجاه الإسلامي، وكانوا قد عبروا عن آرائهم في "مجلة المعرفة". وكانت "مجلة 14-21" المعبّر الرسمي عن أفكار هذا التيار. ومن بين منشطيها الأساسيين السادة حميدة النّيفر وصلاح الدين الجورشي وزياد كريشان ومحمد القوماني وعبد العزيز التميمي. غير أن هذا التيار لم يتمكن من التشكل حزبيا، رغم الأطروحات التي كانت تميّزه عن باقي الحركة الإسلامية في عمومها. فقد عقد مؤتمرا يتيما (مؤتمر منزل تميم) ترأسه وقتذاك السيد زياد كريشان. وكانت توجهات هذا التيار تقترب من "التدين العقلاني"، على حد تعبير السيد راشد الغنوشي، بما معناه الربط الجدلي بين "النص والعقل".
وتوجّهت عناصر هذه المجموعة، فيما بعد، كل حسب ميولاته. منهم من قصر نشاطه على المجال الحقوقي، ومنهم من واصل الإهتمام بالحقل السياسي، في إطار الأحزاب القانونية، ومنهم من اكتفي بالعمل الأكاديمي.
والجدير بالملاحظة أن المجموعة تتفاعل مع محيطها وقد تظهر بين عناصرها مواقف مختلفة حول العديد من القضايا، لكنّها تحافظ على كثير من التماسك في تدخلها على جميع الواجهات. وقد تقرّر في يوم من الأيام بأن تلعب دورا خاصا في الحياة السياسية من منظور إسلامي مغاير لما هو سائد في أوساط الحركة الإسلامية.

ج- حزب التحرير الإسلامي
يمثل هذا الحزب فرعا من الحزب الذي أسسه تقي الدين النبهاني في القدس سنة 1952. وشغل محمد فاضل اشطارة دور النقيب الذي خلفه فيه محمد الجربي. ويضع هذا الحزب هدفه الأساسي "إعادة دولة الخلافة". وهو يعتبر الحكام في البلدان العربية والإسلامية "كفارا ومرتدين". وكان عقد مؤتمره التأسيسي خلال شهر جانفي 1983.
وهذا الحزب هو حزب متطرف، يعتبر الحريات والعمل النقابي والمساواة بين المرأة والرجل والديمقراطية والجمهورية "بدعا غربية لا مكان لها في دين الإسلام". وكان يهدف أيضا إلى قلب نظام الحكم في تونس عن طريق القوة وإقامة الدولة الإسلامية ثم إعادة "تأسيس الخلافة الإسلامية".
وكان هذا الحزب بمثابة تجمّع لعدد من الحلقات الإسلامية، وله إصدارات وبيانات من بينها نشرية "الخلافة" التي كانت تصدر في السرية، وغالبا ما كان توزيعها سببا مباشرا في الإيقاف والمحاكمة. وقد تمّ إيقاف عناصره النشيطة أيضا، بمناسبة كل مواجهة بين حركة النهضة والسلطة. وجرت محاكمته في مطلع ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

د- التيار الشيعي
ظهر هذا التيار في تونس في مطلع الثمانينات، تفاعلا مع الثورة الإيرانية. وكانت عناصره البارزة تنتمي إلى حركة الإتجاه الإسلامي، من بينهم السادة مبارك العباش والتيجاني السماوي الذي ألّف كتابا تحت عنوان "ثم اهتديت" وعماد الدين الحمروني. وتطوّر الجناح الطلابي لهذا التيار في السنوات الأخيرة، خاصة بعد التسهيلات التي منحت لعناصره كي يواصلوا دراستهم في إيران. وقد تشكل التيار الطلابي تحت اسم "خط الإمام"، بعد أن أصدر في مطلع الثمانينات بعض البيانات باسم "حزب الله".

هـ- الجبهة الإسلامية
تأسس هذا التيار في مارس 1988، تاريخ صدور بيانه التأسيسي، على أيدي السادة محمد خوجه ومحمد على الحراثي وغيرهما. ويعد وجود هذا التيار وليد التأثير المباشر الذي لعبته "جبهة الإنقاذ الجزائرية" في الأوساط الإسلامية التونسية. وليس هذا فحسب بل كان للسيد علي الحراثي علاقات مميزة مع "الفيس" مكنت العديد من عناصر التنظيم من الإفلات من الإيقاف ومغادرة البلاد إلى الجزائر ثمّ إلى باكستان (بيشاور) فأفغانستان.

و- "التكفير والهجرة"
ويعد هذا التيار انشقاقا عن "الجبهة الإسلامية" ولم يظهر بأدبيات أو ما يدل على وجوده رغم حصول الإنشقاق فعلا.
ز- الدعوة والتبليغ
تيار دعوي متغاضي عن النشاط السياسي مهما كانت اتساع هامش الحرية المتوفر في البلاد. وهو تيار يمثل تحديا واقعيا باعتباره كاسحة أمام الحركة الإسلامية في دفع ظاهرة التدين المنمط، وإشاعة "مظاهر التدين" في اللباس والحلاقة والخمار وغيرها، تلك المظاهر التي تعتبرها الحركة الإسلامية جزء من برنامجها الدعوي، زيادة على كونه يؤسلم المجتمع "من التحت" دون أن يتعرض للمضايقة الأمنية.
ومن الأكيد أن غموضا كبيرا وشكوكا تدور حول الدور الذي يلعبه في البلاد.

ص- طلائع الفداء
طلائع الفداء مجموعات إسلامية مسلحة يتزعمها محمد الحبيب الأسود، تمّ الكشف عنها خلال سنة 1987 في خضم المواجهة مع الإتجاه الإسلامي، وتوجهت لها تهمة التخطيط لقلب نظام الحكم وإقامة دولة إسلامية.

ع- التيار السلفي
تعود الأصول التاريخية للتيار السلفي إلى الظاهرة الصوفية التي شهدتها تونس، إذ كانت حركة إصلاحية لشؤون الدين والدنيا، بما فيها شؤون الحكم. وتعتبر تونس قبلة لهذا التيار. ومازالت امتداداته الطبيعية، "الطريقة"، قائمة كما كانت عليه لقرون خلت. ومن المعلوم أن هذه الحركات قد وجدت في تونس مكانا آمنا للتأصل بين النّاس. وتجد السلفية الحديثة مكانها اليوم أيضا، في بلادنا، إذ شهدت في السنوات الأخيرة انتشارا واسعا وبصورة أخص في صفوف الشباب.
وتنقسم السلفية إلى تيارات أساسية ثلاث:
الأول، ممثل في السلفية الإصلاحية، وهو تيار أقرب إلى الفكر الإخواني والسلفية الوهابية يعتمد بصورة خاصة على كتابات سلمان العودة وعائض القرني.
والثاني، ممثل في السلفية الرسمية التي تحاول إيجاد التأويلات الشرعية لمواقف السلطة وتقوم بالرّد على الأطروحات الدينية المتزمتة وعلى الإرهاب باسم الدين.
والثالث، هو تيار السلفية الجهادية الذي يتبنى أطروحات "القاعدة" والذي يستمد إشعاعه من فعلها على المستوى الدولي ومن وجود عناصر تونسية برزت في أفغانستان والبوسنة والشيشان والجزائر والعراق، ويجري تناقل أخبارها بين الشباب المتدين وعبر الشبكة.
وبما أن هذا التيار أصبح ينتمي إلى الفرع المغاربي لتنظيم "القاعدة" فمن الطبيعي أن يتمتع بدعم وإمكانيات غير عادية. وقد كشفت أحداث سليمان والضاحية الجنوبية هذا التحول في الجاهزية.











أحداث الضاحية الجنوبية
لتونس العاصمة:
الدلالات والمعالجة
أدرك الرأي العام الوطني، بعد مدة من الذهول من جرّاء غياب المعلومة حول ما يجري في الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة، أن "الجماعة السلفية الجهادية" في تونس قد مرّت إلى مرحلة التنفيذ، بعد مدة من الإعداد الطويلة. وهي مصممة على المضي إلى النّهاية، حتى أن المواجهة معها تطلبت أكثر من 10 أيام لشلّ مقاومتها. فالجماعة مدججة بالسّلاح: أسلحة آلية متطورة وكلاشنكوف وقاذفات صواريخ RPG ومتفجرات قوية وأحزمة ناسفة وكمّية هائلة من الذخيرة، وعناصرها عالية التدريب، وكان بإمكانها إلحاق ضرر فادح بالبلاد والعباد.
وعلى إثر تفكيك خلية "خالد ابن الوليد"، انطلقت حملة إيقافات واسعة في الأوساط السلفية في كل من الوطن القبلي وتونس العاصمة وسيدي بوزيد والقصرين والقيروان وصفاقس والساحل والكاف ومنزل بورقيبة، بهدف تعطيل تطورها وشلّ حركتها. ومازال تعقّب أتباع هذا التيار متواصلا والمراقبة حولهم مشدّدة.
وإزاء هذا الحدث تعددت الآراء والمواقف، بين من يحمل المسؤولية كاملة للسلطة، باعتبارها مسؤولة عن الأوضاع العامة بالبلاد، ومن يحمّلها للحركة السلفية، ومن يعتبر: "أن غياب التيار"الإسلامي الوسطي" هو الذي ترك مجال الإجتهاد التبسيطي الذي يبيح القتل..."، ومن يتصور الحدث نتيجة مؤامرة حاقدة قامت بها عناصر أمنية ذات أصول يسارية وبعثيّة دفعت في اتجاه تشجيع التيار السلفي لمحاصرة الحركة الإسلامية....الخ.
وتتواصل التأويلات دون انقطاع وتتكاثر، خاصة أمام غياب فضاءات الحوار الرسمية التي توفّر الإمكانية لإعادة الأمور إلى نصابها ولفرز المواقف والآراء بوضوح، من خلال ما تقدّمه من إعلام وتوضيحات كفيلة بوضع حد للإشاعة والدردشات المتولدة عنها.
وبقطع النظر عن كل ذلك، فإن الرأي العام الوطني والشعبي في حاجة إلى الوقوف على دلالات أحداث الضاحية الجنوبية ونقاش مقترحات المعالجة. ونبدأ بمناقشة أسباب ظهور هذا التيار.

أ- الأوضاع الموضوعية والردة العامة في المجتمع
أرض خصبة لظهور التطرف والإرهاب

1- الإرهاب في صيغته العفوية ردة فعل عاطفية على الأوضاع
يشكل التطرف والإرهاب عامة، كما أشرنا لذلك أعلاه، ردة فعل عاطفية على الأوضاع الإجتماعية المتردية التي تعيشها الطبقات الشعبية وعلى التعطل التام للحياة السياسية والجمعياتية والثقافية التي تعانيها النّخب وعلى الشعور بالغبن الذي يختزنه المجتمع بأسره، بدرجات متفاوتة، حيال التعدي على الشعور القومي والوطني الذي تقوم به الدول الهيمنية وحالة الفزع والإرتباك التي أحدثتها العولمة النيوليبيرالية.
ومما يشحن أكثر هذا الرّد العاطفي، على الأوضاع، حالة الكبت من جرّاء عدم توفر مناخ من الحرية، التي تسمح للمواطن بالتعبير عن رأيه والتصرف بمسؤولية في المجتمع، حيث أنه غالبا ما يجد نفسه مجبرا على مجاراة رأي المسؤول أو السلطة السياسية- مثله كمثل مثقف الأمير- خوفا على موقعه وعلى ما يحصل من منافع، أو خوفا على نفسه من العسف. ويولّد هذا الزيف وضعا مشوها يمنع المواطن من تلمس المخارج والبحث عن الحلول، ويسمح بمزيد من الإحتقان والميل للصيغ المتشنجة والمتطرفة في رد الفعل الرافض والغاضب، الذي يفتح على إمكانية الوصول إلى حالة من حالاتها، الإرهاب.
والخطر كل الخطر يتمثل في أن يوجد من المثقفين من ينظر لهذه الحالات ويعطيها صيغا إيديولوجية وسياسية متكاملة تتماشى مع الأوضاع الخاصة لكل مجتمع ولنوعية الوعي السائدة فيه.
لذلك ظهرت حركات إرهابية باسم قوميات أو ديانات تعرضت للإضطهاد من قبل قومية غالبة أو دين غالب، في إطار الوطن الواحد أو من قبل دولة استعمارية. كما تطورت حركات إرهابية وتمكنت من تجييش الشعوب وراءها فتحولت إلى حركات فاشية ونازية وصهيونية وأصبح رموزها أبطالا قوميين أو دينيين. وظهرت أيضا حركات إرهابية باسم الشيوعية شغلت أوروبا وأمريكا اللاتينية لزمن ثم سارت إلى التفكك والإندثار.
لقد اعتمدت جميع هذه الحركات، بقطع النظر عن الإيديولوجيا التي تتخفى وراءها، على الوعي العامي للنّاس الذين هم في حاجة ماسة للرّد على الإضطهاد الوطني أو الإجتماعي أو الديني. لكنها حين تتشكل وتخرج من إطارها البدائي، العفوي والعاطفي، وتصبح حركة مضبوطة بأهداف وبرنامج، تأخذ الطبيعة الطبقية للطبقة التي تعبّر عن مصالحها، من خلال السياسات وأساليب العمل والتنظيم التي تنتهجها، والتي غالبا ما تجعلها تتقارب معها وتقدم لها الدعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتجد هذه الحركات، بعد الأرضية الطيبة للظهور في الأوضاع الموضوعية، السماد الكفيل بجعلها تنمو بصورة سريعة ويتمثل في الردة الثقافية والإجتماعية التي يدخلها المجتمع، حيث تعشش الخرافة ويسود الفكر التبسيطي على جميع الأصعدة ويتقهقر الوعي الطليعي والنخبوي كي يستقر في مستوى الوعي العامي.
وبتفاعل هذين العاملين لا مناص من ظهور الإرهاب في المجتمعات. لكن تحوّله إلى ظاهرة عالمية مرتبط بالأوضاع الدولية وبالحركات الفكرية والإيديولوجية والسياسية التي تشكّل المعارضة الراديكالية للنظام العالمي القائم.
وقد كشفت الوقائع التاريخية على أن جميع هذه الحركات تحوّلت إلى صنيعة شرائح طبقية من الطبقات السائدة جشعة وشوفينية ومتعصبة ومتحجرة، توظفها للضغط على شرائح أخرى من أجل إعادة ترتيب البيت الداخلي أو تستعملها لتلهية الرأي العام الديمقراطي والشعبي، كي تتمكن من تمرير سياساتها بسهولة، أو هي بكل بساطة أداة بين أيدي قوى خارجية عالمية أو إقليمية، تستخدمها شحم مدافع لإعادة ترتيب الأوضاع الجيوسياسية.

2- السلفية الجهادية في تونس حلقة من حلقات الإرهاب الدولي
لقد كنا تعرضنا لانتقال "السلفية الجهادية" و"القاعدة" من تيار قطري أو قومي أو إسلامي في حدود مجالات تدخله إلى تنظيم عالمي يتدخل، سواء بسواء، في جميع البلدان العربية والإسلامية والغربية والآسيوية والأمريكية، الديمقراطية والدكتاتورية، المتقدمة والمتخلفة، التي تواجه اضطهادا قوميا ودينيا وثقافيا واستغلالا اقتصاديا والتي تمارسه في حق غيرها. وهذا التدخل في كل الإتجاهات يدخل، كما كنا أشرنا إلى ذلك أعلاه، في إطار صراع مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية حول مصالح ومناطق نفوذ عالمية محورها النفط العربي ولمنطقة آسيا الوسطى. وتؤكد زعامة بن لادن للإرهاب الدولي ودعم عدد من الرأسماليين الخليجيين والسعوديين طبيعة هذا الصراع.
وعلى المستوى الإقليمي، كان تنظيم "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" الجزائري، هو الذي يتحمل مسؤولية التنسيق مع باقي الجماعات الجهادية في المنطقة المغاربية. وعندما أخذت "القاعدة" ملامح تنظيم عالمي وأصبحت فرعا له تحت اسم "قاعدة الجهاد للمغرب الإسلامي"، خرجت المسؤولية الفعلية من بين أيدي الجماعات الجهادية القطرية لتتجمع لدى التنظيم الإقليمي ومنه إلى التنظيم العالمي. وهذا الإنتقال في المسؤولية يجعل أمر القيام بأعمال إرهابية موكولا لقرار القيادة الإقليمية الخاضعة لأيمن الظواهري.
ومن الطبيعي جدا أن يكون قرار الظواهري وبن لادن وحتى قرار القيادة الإقليمية لاعتبارات سياسية وموازنات إقليمية ودولية لا علاقة لها بالأوضاع المحلية لأي بلد من البلدان المغاربية. لذلك فإن الأطروحة القائلة بأن تدهور الأوضاع المحلية في بلادنا وأوضاع الحريات هي التي كانت السبب المباشر لمحاولة القيام بعمليات إرهابية، فيها كثير من المغالطة والعاطفية في التعيير والتقييم، حيث أنها لم تبلغ درجة تقارب الإنهيار من شأنها أن تدفع مباشرة إلى الحلول المغامرية ومن ضمنها الحلول الإرهابية. ومما لاشك فيه هو أن الوضع في حاجة إلى معالجة جدّية وحلول شاملة ومراجعات جوهرية، وأنه إذا لم يتم تناوله بمسؤولية قد يؤدي إلى حالات يأس بإمكانها أن تولد مباشرة ظواهر إرهابية.
ولا بد من الإشارة إلى أن "خلية خالد ابن الوليد" للسلفية الجهادية في تونس، منذ أن تأسست كانت حلقة من حلقات الإرهاب الدولي، تمويلا وإعداد وتنسيقا وتسليحا، ولم يكن للأمير غير البحث عن الفرائس التي سيدفعها شحم مدافع. وليس من الصعب حتى على المافيات أن تجد في أي بلد من يقوم لها بالعمليات القذرة، بمقابل، والمقابل متوفر !!!
ويقدر الخبراء بأن عدد المجندين وراء القيادة الإقليمية المغاربية يقارب الـ5 آلآف نفر، يعملون على كامل المنطقة المغاربية انطلاقا من ليبيا ومرورا بتونس والجزائر والمغرب وصولا إلى موريطانيا، ويراقبون بلدان جنوب الصحراء وبلدان شمال البحر الأبيض المتوسط. وتقرر قيادة هذه المجموعات الإنكشارية الضرب في أي مكان أو وقت شاءت. فقد ضربت ثلاث مرات في الجزائر مباشرة بعد فشل العملية في تونس. ولا أحد يدري متى تقرر العودة إلى تونس.
لذلك فإن الحديث على أن الجماعة الإرهابية في تونس ظهرت كنتيجة مباشرة لتردي الأوضاع، تعتبر حجة ضعيفة، يسهل ردّها. ولا نعتقد أننا في حاجة للإلتجاء إليها لإثبات معارضتنا للسّلطة، بل إن استعمالها يخفض الوعي حيال الخطر الذي تمثله جماعات السلفية الجهاية واقعيا.
ونود الإشارة أيضا إلى أن تحميل السلطة المسؤولية لا يبرر في شيء عدم التباين بكل وضوح مع الإرهاب. ومثل هذا التباين لا يخفف في شيء مسؤولية السلطة تجاه الوضع العام، سلبا كان ذلك أو إيجابا !!! فالتباين مع الإرهاب لا يستوجب ترددا مهما كان، شأنه شأن الفاشية والتعاون مع دولة أجنبية والإعتداء الخارجي وديمقراطية الدبابات. وإن المرور عليه مرور الكرام والتركيز على التمايز مع السلطة، لا يعدو أن يكون سوى تبرير مقنّع للإرهاب لا أكثر ولا أقل.
وذات المنطق بإمكانه أن يذهب إلى تحميل السلطة مسؤولية حصول الكارثة لو شاءت الظروف ونجح الإرهابيون في تنفيذ عملياتهم. وقد يصل البعض إلى اتهامها بالتنسيق معهم لأغراض سياسية معيّنة. وهو منطق أدى بالبعض إلى الحديث بأن عملية سليمان ليست سوى صراع بين قوى مختلفة في السلطة !!!
إن تأكيدنا على ضرورة التباين مع الإرهاب دون تردد يعود إلى وعينا بما يمثله من خطر حقيقي على حياة الناس وأمنهم، وعلى اقتصاد البلاد وعمرانها وسلمها الأهلية. ونحمل مسؤولية العمل الإرهابي لأصحابه الفعليين دون غيرهم. ونحمّل السلطة أولا والمعارضة الديمقراطية والمجتمع المدني ثانيا المسؤولية تجاه الوضع في معالجته والبحث عن الحلول الكفيلة بتجنيب بلادنا مآلات شهدتها بلدان شقيقة وصديقة.

ب- السيد راشد الغنوشي يتعمد الغموض
1- "القضية الأم" ليست قضية دينية
وفي تعرّضه لأحداث الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة، حمّل السيد راشد الغنوشي المسؤولية، تماما مثله مثل حلفائه، للسلطة. فقد أكد أن:
"السياسة التي سلكتها الدولة إزاء الحريات حتى الآن مثل حرية التعبير والتدين وتكوين الجمعيات والأحزاب.....ليس من شأنها إلا أن تقود إلا إلى العنف..."
وأضاف معلقا أن هذه الأحداث:
"مؤشر على بداية لتحول تونس إلى أرضية للقاعدة، وللأسف فإن الشمال الإفريقي معرض لأن يكون أرضية للقاعدة بسبب سياسات خاطئة تقصي الأطراف الإسلامية الرئيسية، والتيار الإسلامي المعتدل بما يفتح طريق جهنم على هذه البلدان"(39).
ويقول في مقام آخر:
"الخلاصة أن هناك أزمة تزداد يوما بعد يوم استفحالا في علاقة الدول العربية والإسلامية بشعوبها....وإن من أسباب هذه الأزمة الموقف من الإسلام والمسلمين، ....بما يجعل الهوة بين أكثر الحكام والنخب العلمانية المحيطة بهم وبين الشعوب التي تزداد وعيا والتزاما بالإسلام وتترسا به...إن الهوة بين الطرفين تزداد يوما بعد يوم اتساعا على كل صعيد بين الخطاب الرسمي والممارسة، بين مقتضيات الدين كما تفهمها الشعوب وبين سياسات أكثر الحكام...إن كل ذلك يمثل تربة خصبة لتصاعد الإحتجاج ولتفريخ التطرف بكل أنواعه وتفجر العنف"(40).
وحتى لا يتهمنا السيد راشد الغنوشي بالإنتقائية نشير إلى أنه في تعرضه لتوصيف الأزمة في البلدان العربية والإسلامية تعرض للموقف من العراق وفلسطين ولتجاور "الترف و"الفقر الكافر" وتجاور"المساجد مع الخمارات ودور الخنا والفجور" و"لتجفيف المنابع والإستئصال"...الخ.
لكن الأكيد وكما هو بيّن في تصريحات السيد راشد الغنوشي أن الأزمة الحاصلة بين الدول وشعوبها تتمثل في أن أغلب الدول علمانية وشعوبها "تزداد وعيّا والتزاما بالإسلام"، وبصيغة أخرى فإن القضية الأمّ عندنا هي قضية دينية. وكان قد أشار أعلاه أن النظام التونسي يصادر"حرية التدين". فهل أن النظام التونسي يلاحق المواطنين والمواطنات لاعتناقهم الدين الإسلامي؟
وبما أن مثل هذه الأحداث لم تحصل أبدا، فإن السيد راشد الغنوشي، وهو يتناول الموضوع بالتحليل، ارتكب خطأ طفيفا ذا صبغة اصطلاحية، خلط فيه بين "مظاهر التدين" والتدين. وقاده هذا الخلط إلى جعل الإسلام السياسي و"علاماته" في مقام الدين كله، كي تصبح كل معارضة له بمثابة معارضة للدين. وهو بذلك نحى منحى "الجماعات الإسلامية" المتطرفة التي جعلت "مظاهر التدين" (الخمار والحجاب واللحية والجلباب الهندي الباكستاني...) في مرتبة الفرائض الخمسة وربّما في مرتبة الدين كلّه !!!
ولا نعتقد أن الحديث عمّا يتعرض له "الإسلام والمسلمون" يخرج عن هذا الإطار حيث يترك للقارئ الإعتقاد أن القمع الذي تعرضت له حركة النهضة في مطلع التسعينات لمّا رامت المواجهة مع السلطة كان بمثابة قمع موجّه ضد الإسلام والمسلمين !!! فالحركة الإسلامية بمختلف تفرعاتها شيء والإسلام والمسلمون شيء آخر. لا أحد ينكر أنّها تجمّعات سياسية خاصة من المواطنين والمواطنات الذين يؤمنون بالدين الإسلامي، غلفوا أهدافهم السياسية ومشاريعهم السياسية الخاصة بخطاب ديني، في حين أن الدين الإسلامي هو دين أغلبية السّكان، وليس من حق أي كان احتكاره، باسم السياسة أو أي تأويل عقائدي كان، وأن المسلمين ليسوا حصرا ممثلين في الحركة الإسلامية وأنصارها، بل هم أغلبية السكان في الجمهورية التونسية.
ومن زاوية النظر هذه فإن الغنوشي مثله مثل قادة السلفية بصورة عامة والسلفية الجهادية بالتحديد، يعتبر أن القضية الرئيسية في "الأمة الإسلامية" هي قضية دينية، أي أن الحكام يحكمون بغير "شرع الله". لذلك أعلنت "السلفية الجهادية" "الجهاد الهجومي" ضدهم، من أجل "إحياء سنة الخلافة"، في حين أن الغنوشي يعمل على إقامة الدولة الإسلامية التي تكون السلطة فيها:
"مدنية على كل وجه لا تختلف عن الديمقراطيات المعاصرة إلا من حيث علوية سيادة الشريعة الإسلامية أو التقنين الإلهي على كل سيادة أخرى"(41).
وبودنا لو يعطينا السيد راشد الغنوشي فرقا واحدا في نمط الحكم الذي يريد إرساءه مع الذي يردون إحياءه، إنه نمط حكم تكون فيه السيادة للشريعة الإسلامية وللتقنين الإلهي، أي بناء دولة دينية تزيح بالضرورة كل العقائد الأخرى وتكون بالضرورة في شكلها السياسي استبدادية. والإستبداد باسم الدين متعدّد ومتنوع، فيكون سودانيا أو سعوديا أو إيرانيا أو طلبانيا...الخ. لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن المرور سهل من التأويل الوسطي إلى الأكثر تشددا، اعتبارا لكونه يتحرك في نفس المنظومة وفي نفس النوعية. وزيادة على ذلك فالجميع يشهد على ما أتته تلك الأنظمة في شأن الدين والدنيا، وإلى أي درك مضت بالإنسان المسلم وغير المسلم.
إن المجتمع الإنساني في جميع البلدان متعدّد ولا يمكن أن يساس بغير مراعاة هذا التعدد. فالدولة لمّا تضفي على نفسها صفة عقائدية، تضيّق على بقية العقائد، هذا إذا لم تنفيها خوفا من "الفتنة"، عملا بالآية: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله". (سورة البقرة:191)
ويتكرس ذلك في مجال الحكم من خلال فرض المعتقد الإسلامي "بالمنطق والقوة" اعتبارا أن الإسلام "يأبى الشرك في العبادة أو الإشتراك في الحكم"(42). ويعني ذلك اضطهاد وقمع العقائد المعارضة والناس أجمعين لإجبارهم على القبول بالعقيدة السائدة. وبذلك يأخذ أسلوب الحكم طبيعة استبدادية، لأن القمع يخرج بالضرورة من دائرة العقائد ليشمل بقية الحريات العامة والفردية وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وبصورة خاصة لمّا تلتجئ قوى تنشد الحكم إلى التخفي بالدين. إنها ديناميكية الواقع التي لا تكترث بالمثاليات.
إن قضايا المجتمعات العربية، ليست قضايا الدين، لأنها تعلمت إدارة التعايش المدني بين مختلف طوائفها وأعراقها وثقافاتها وأديانها، وقبلت في صفوفها الذين لا يؤمنون بالدين، ولم تشعر في أي وقت أنها مهدّدة في عقائدها أو هي مستعدة للتنازل أو التخلي عنها. ولم تظهر "الفزاعات" إلا مع انتشار حركات الإسلام السياسي، وهي تشهد، في المرحلة الراهنة، تصلّبا أشدّ من السّابق، من جراء التأثير الذي تمارسه عليها الفضائيات الخليجية.
إن قضاياها هي قضايا التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وهي قضايا الحريات والديمقراطية، وهي قضايا المواطنة والمساواة بين الجنسين، وهي قضايا العلم والمعرفة، وهي أيضا قضايا التحرر الوطني والإجتماعي ومقاومة الفقر والجهل والأميّة، وفي كلمة، هي قضايا الإرتقاء الحضاري لمجتمعاتنا وليس العودة به إلى السلف الصالح.

2- هل من موقف واضح بشأن الجماعات الإرهابية وضحاياهم؟
ورغم قناعاتنا بوجود توافق في الهدف واختلافا في شكل تجسيده، فإننا نعتقد أن خلافات كبرى أخرى موجودة في أسلوب تحقيقه. إن "السلفية الجهادية" تدعو إلى "الجهاد الهجومي" في حين أن السيد راشد الغنوشي الذي كان دعا إلى "الجهاد الدفاعي" يدعو اليوم إلى "الجهاد المدني"، وقد أكد في أكثر من مرة تباينه مع "المناهج العنيفة" في الوصول إلى السلطة، مما يبرئه من الأسلوب الإرهابي، لكن السيد راشد الغنوشي متعاطف تعاطفا كليّا مع الجماعات الجهادية، وعلى الأخص مع رموزها الأولين، حيث يقول:
"الأصل حسن الظن بالمؤمنين. ويشهد العارفون بالجماعات الجهادية عموما وبالخصوص الأجيال الأولى أنهم على دين، يبتغون التقرب إلى الله بأعمالهم، محتسبين ما يصيبهم، صوامون قوامون، قد باعوا أنفسهم لله عزّ وجلّ واسترخصوا في سبيل الله كل متاع الدنيا، ووجهوا وجوههم شطر الدار الآخرة يبتغون فضلا من الله ورضوانا، فهم إخواننا في الدين نقدّر فيهم حملهم لهمّ الإسلام وغيرتهم عليه وعلى أمته، فلهم علينا حقوق المسلم على المسلم. ومنها حق النصرة، بمعناها الشرعي وليس الجاهلي. وحديثنا عنهم يندرج في هذا الباب، لأنه لا ينال من القلوب والنيات، ولا يهدر حرمتهم، وإنما ينصب على ما تنتجه أو تعيد انتاجه عقولهم من فهوم وتصورات للإسلام ولواقع المسلمين وللعلاقات الدولية، ومناهج التغيير، فهنالك تكمن الاخلال الخطرة، بل الأخطاء القاتلة"(43).
وبودنا لو يلتزم السيد راشد بالوضوح، اعتبارا وأن الإرهاب ليس منهاج تغيير، لأنه أعمى، وأسلوب عمله أقرب إلى الجريمة المنظمة منه إلى النضال السياسي. والغموض الآخر ما أسداه من الثناء على مفكري هذه الجماعات وقادتها، بلغ إلى حد التعبير عن "حق النصرة" لهم باعتبارها واجب لا بد من الإيفاء به.
لكننا نجد السيد راشد الغنوشي يتباين مع "الخوارج المحدثين" بوضوح في مقام آخر، حيث يقول:
"إن المبادئ السامية للإسلام كثيرا ما يساء إليها، إلى حد حملها على أضدادها، سواء أكان ذلك بالتأويل المتعسف، أم بتجاوز حد الإعتدال في التطبيق، فيتحول الجهاد في الإسلام- مثلا- من دفاع عن الحرية والعدل إلى ترويع للآمنين وإرهاب للمؤمنين أو المستأمنين واستحلال للدماء البريئة والأموال المعصومة"...."واستباحة واسعة لدماء المسلمين....". ثم يستشهد بآية قرآنية تتوعد وتتهدد من "استباح دم مسلم بغير حق"، جاء فيها:
"ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ولعنه الله وأعد له عذابا عظيما". (النساء:92) (44).
وبما أن الإرهاب أعمى، يضرب المسلم وغير المسلم، فلماذا يشدد السيد راشد الغنوشي على المسلمين من دونهم؟ ورغم أنه عبّر عن تنديده بأحداث 11 سبتمبر وبأحداث مدريد ولندن فإنه يعتبر العمليات الإنتحارية في إسرائيل التي استهدفت سكّانا عزّلا في المقاهي والملاهي والنزل "جهادا دفاعيا" برعت فيه "حماس".
وأمام هذا التصنيف عير المرئي لما يستبيحه الإرهاب من دماء، لمسلمين كانوا أم مسيحيين وغيرهم من أي ديانة كانت أو قوم كانوا، يخول لنا مطالبة السيّد راشد الغنوشي بالوضوح في التعبير عن الموقف من الإرهاب، ليس من زاوية الشكل فقط بل من زاوية الجوهر أيضا، أي حول المشروع نفسه. لأن عدم القيام بذلك يجعلنا نقرن طبيعيا بين الدولة الدينية التي يدعو لها وبين مشروع "دولة الخوارج الجدد". أما التباين الثاني المفترض فهو يتعلق بالضحايا، أي "السكان العزل". وفي هذا الشأن نحن نعتقد أن العنف السياسي يصبح إرهابا إذا استهدف "غير المحاربين"، بقطع النظر عن جنسهم ولونهم وعقائدهم. وأخيرا التباين مع الأشكال الهمجية التي طفت على السطح في الجزائر والعراق على أيدي "جماعات السلفية الجهادية".

3- "الإسلام المعتدل" و"علاقة الدين بالدولة" لا يمثل درعا واقيا من الإرهاب
إن معضلة المجتمعات العربية تتمثل في أنها لم تنجز نقلتها الديمقراطية في مرحلة الإستقلالات وأقامت أنماط حكم تتراوح بين الإستبداد الشرقي والجمهوريات الديكتاتورية، تحافظ فيها بشكل أو بآخر على علاقة الدين بالدولة، كدولة لها دين توظفه في جوانب منه في إدارة المجتمع أو كدولة دينية تشريعا ومؤسسات وسياسة وإدارة مجتمع. وتمثل هذه العلاقة عنصرا أساسيا في تقييد عملية الإنتقال. لذلك نعتقد أن تمسك السيد راشد الغنوشي وحركته بالعمل على إقامة دولة دينية لا يخرج عن إطار التعطل التاريخي لعملية الإنتقال الديمقراطية في البلدان العربية، بل ستكون بالضرورة تصفية جذرية وقاسية لمحاولات فك الإرتباط بين الدين والدولة التي حدثت في البعض منها وفي مقدمتها تونس.
لماذا نحن نعتقد أن الحل يكمن في إخراج الدين من دائرة السياسة، أي من دائرة الشأن العام؟
إن الديانات والعقائد إطلاقية بالأساس، ومنها التي تحتل مجال المطلق تماما، وهي لمّا تتوجه للنّاس، بدعوتهم إلى الحقيقة المطلقة أو ما شابهها، لا تثنيها الفوارق عندهم، بل تنزل بكل ثقلها لفرض الإنصياع عليهم وإلا قاومتهم. وغالبا ما تكون الدعوات في صيغ اجتهادات وتأويلات خاصة لمقاصد الدين أو المعتقد. وتعطي بذلك للمطلق بصفته مطلق طابعا نسبيا. ومن هنا تبدأ البلايا.
لنترك للسيد راشد الغنوشي الكلمة كي يحدثنا عن وجه من وجوهها:
"يعجب كيف تمت استباحة مئات الآلاف من أرواح المسلمين عبر التاريخ بمجرد تأويلات باطلة متطرفة نزعت عن الملايين من المسلمين حرمة وهبها الله لهم لمجرد أنهم لا يشاطرون قلة موتورة المزاج ضيقة الأفق حرفية الفهم، لا يشاطرونها فهمها الحرفي الضيق للدين وموقفها السياسي من الحكم، أو نهجها في التعامل مع مظالمه، فما كان منها إلا أن كفرت الحاكم وكل من يعمل معه بل كل من لا يشاطرها مواقفها المتطرفة، ولم تقف عند هذا الحد بل انتصبت في مقام القاضي لتصدر أحكاما باستباحة أموال ودماء مخالفيها، وتتولى إنفاذها، منحدرة من الحاكم- بعد أن قصرت يدها عنه- إلى حاشيته وأعوانه، وظلت تمتد بسرطان التفكير إلى أن شمل المجتمع أو أغلبه، كل جهاز دولته من رجال أمن ومالية وتعليم فكلهم كافرون مستباحو الدم وكل من شك في كفرهم فهو كافر أيضا. إنها الإستعادة البلهاء المأساوية لسيناريو الخوارج فكرا ومنهجا، أولئك الذين لم يشك الإمام علي وقد كفروه وأهدروا دمه، في تقواهم وأنهم من الكفر فروا،...."(45).
إن الإسلام تجاوز الـ14 قرنا من الوجود كدين ودولة ومن قبله المسيحية واليهودية، ولم نقف على عصر أو ملك خلا من التأويل بما فيه المتطرف، ولم نقف على عصر لم يتحول فيه الصراع السياسي إلى صراع ديني، في صيغ مذاهب واجتهادات، صفت الوجود الشيعي من تونس، على يدي محرز بن خلف، المعروف باسم سيدي محرز.
لم تسلم أوروبا من الصراع العقائدي وقطعت أشواطا في التعايش السلمي داخل مجتمعاتها بين مختلف العقائد، وأصبحت الحريات مشاعة والتداول على السلطة ينظمها الدستور، والشأن العام تديره المؤسسات، والمواطن فاعل في أي موقع يختاره، كل هذا حصل بعد الثورة البورجوازية الديمقراطية، ولا زالت هذه النوعية من العلاقة في المجتمع بصدد التطور والتعمق أكثر فأكثر.
ولا نعتقد لحظة واحدة أننا سوف نسلم من التأويلات "الخوارجية"، أيّا كانت، إذا ما ظل المعتقد، الذي هو شأن خاص، يتداخل مع السياسة والدولة.
وتأسيسا على ما سبق ذكره، فإننا نعتبر أن "الإسلام المعتدل" لا يمثل "حاويا" أو "مستوعبا" للتطرف والإرهاب بل كاسحة ألغام، يهيئ العقليات والمجتمع للقبول بما هو أدهى وأمر.
ويطل علينا الدرس من إيران، كلنا يذكر كيف أطنب الخميني قبل وصوله إلى السلطة في الحديث عن الإصلاحات الديمقراطية والإقتصادية والإجتماعية، حتى أنه تقدم ببرنامج إصلاح زراعي، شعاره المركزي "الأرض لمن يفلحها"، أي توزيع الأرض على الفلاحين. لكن الكلام المعسول انتهى منذ الأسابيع الأولى التي انتصب فيها على دفة الحكم. فظهرت "المشانق الشعبية" و"منصات الجلد" في الساحات العامة وفي شوارع طهران والمدن الكبرى. وبطش الحرس الثوري بالفلاحين الذي حاولوا الإستيلاء على أراض يفلحونها. وتمت تصفية كل المعارضات لصفوة الخمينية، بما في ذلك داخل الجهاز، فازدحمت المعتقلات بالمساجين السياسيين. وتمّ إعدام ما يقارب عن المائة ألف من ساسة وإطارات النظام القديم ومن المعارضة الديمقراطية والثورية والإصلاحية التي وقفت إلى جانب الخميني ضد الشاه، بمن فيهم رئيس الحزب الشيوعي الإيراني "توده" والمئات من "مجاهدي خلق"(مجاهدي الشعب). وفي العشرية والنصف الأخيرة لاحت محاور صراع بين الشق المتصلب في الحكم والشق المعتدل. واقتسما النفوذ لدورتين نيابيتين، وتطلع الرأي العام لأمكانية فوز الثاني في الدورة الأخيرة، لكن فوز الشق "النجادي" الأكثر تصلبا واستفزازا ومطامع توسعية في المنطقة، كان ساحقا. ومنذ ذلك الحين تبخرت محاولات التفتح وعاد الإنغلاق وكأن شيئا لم يحدث.
وبلغة العقل، يا أستاذ راشد، الجميع يعلم أن الحركة الإخوانية في مصر هي أمّ كل الحركات الإسلامية شرقا وغربا وتأسست على أيدي حسن البنا وشهدت منظرين كبار مثل سيّد قطب، وكان لها عشرات آلاف من الأعضاء النشطين، وتعاونت بالكامل مع الملك فاروق وعقدت اتفاقا مع السادات وواصلت الإلتزام به مع حسني مبارك، ومع ذلك، ورغم اعتدالها، لم تكن حائلا أمام ظهور "الحركة السلفية الجهادية" في مصر بالذات التي كانت موطن ولادتها وتفريخها في كامل المنطقة العربية والإسلامية، وكانت الركيزة الأساسية للإرهاب العالمي باسم الدين.
والشأن نفسه بالنسبة للدولة السعودية، التي منذ أن تأسست كانت دولة دينية طائفية(وهابية)، ومع ذلك، لم يحمها تشددها في الدين من ظهور تيار من صلبها أكثر تشددا، السلفية الجهادية التي تزعمها بن لادن والتي تحوّلت إلى الركيزة الثانية للإرهاب العالمي باسم الدين.
لذلك فإن مواصلة الحديث عن السياسة من خلال توظيف الدين التوظيف الأسلم وعن علاقة الدين بالدولة، لا يمكن أن يمثّل معالجة جذرية تحمي مجتمعنا من الإرهاب، ولا يمكن بالتالي لـ"الإسلام المعتدل" أن يكون "درعا واقيا" لبلادنا من "نار جهنم" الإرهابية، بل هو الحاضنة التي تفرّخ فيها الجماعات المتطرفة باسم الدين!!!


ج- تعاملت السلطة مع الشعب التونسي
وكأنه قاصر
كنّا ترقبنا بفارغ صبر، كسائر المواطنات والمواطنين والمعتنين بالشأن العام، توضيحا رسميا من قبل الحكومة بشأن أحداث الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة، خاصة وأن التصريحات التي صدرت، زيادة على تضاربها، لم تقدم لنا الإعلام حول ما كان يجري في الميدان، ممّا فتح الباب أمام الإشاعة التي تحولت إلى موضوع الأحاديث والنّقاشات والمواقف.
ولا نعتقد أنه يوجد مبرر واحد لهذا التّستر على الخبر، خاصة بعد أن تمّ تحديد دائرة العمليات، واتخذت التدابير الأمنية اللازمة. لأن التوضيح الرسمي من قبل وزير الداخلية من شأنه تحفيز المواطنين وجعلهم يتصرفون بصورة عادية مع المراقبة ولا يرون فيها تعد عليهم ولا يجعلهم ينجرون وراء الإشاعة وتتكوّن لديهم صورة واهمة حول "الجماعة المسلحة وأغراضها.
أما بشأن الإعلام المضاد الذي من شأن أن يضر بالسّياحة والإستثمار، فإن الدوائر الأجنبية المعنية بذلك والعاملة في تونس، كانت قد نقلت الأحداث أول بأول إلى بلدانها. وكان مثل هذا الحدث متوقعا من قبل الجميع، خاصة وأن قضية الغريبة مازالت مفتوحة إلى اليوم. وكانت دوائر أمريكية نبّهت لما جرى في ذلك العام الماضي وردت السلطة التونسية عليها رسميا.
وزيادة على ذلك، فإن بلدانا عديدة تعرضت إلى ضربات قاسية، منها مصر والمغرب الأقصى والجزائر والسعودية والأردن، وإسبانيا وبريطانيا وتركيا وأمريكا في مناسبتين، في حين أن بلادنا تجنبت مآسيها، هذه المرة، في اللحظة المناسبة.
ومما أثار استغرابنا هو أن الحكومة عوضا أن تتوجه مباشرة للشعب، بصورة رسمية، عن طريق الإذاعة والتلفزة أو عن طرق عقد ندوة صحفية، اختارت أن تتوجه إلى "التجمّعيين"، وكأنهم وحدهم المعنيون بما جرى !!!
إن الشعب التونسي الذي مثّل ويمثّل عمادة هذه البلاد والذي لم يبخل عليها بالغالي والنفيس، له على الإدارة حقّ، يعلو على جميع القوى، وبصورة خاصة على الحزب الحاكم. وبموجب هذا الحقّ من واجب الإدارة أن تتوجه له بصورة رسمية وتعامله بما يستحق. فهو الذي يذهب إلى صناديق الإقتراع وهو الذي يدفع الضرائب قبل غيره وهو الذي يشقى من أجل إنتاج الثروة وينزل عليه معصار الأسعار كلما تقلبت السوق ويضغط على أجره كلما قلق الأعراف أو شحت علينا السوق العالمية، المالية والبضعية، وهو الذي يواجه معصار العولمة، وماذا أكثر !!!
لم يكن الأمر يضع الحكومة في أي نوع من الحرج لو توجهت إلى الشعب مباشرة، قبل أن تتوجه إلى "التجمع". لأن التوجه لـ"لتجمع"، يكشف عن عقلية مترسخة مفادها أن الحزب الحاكم هو "الشعب"، يكفي بالتالي التوجه إليه وتعبئته لحسم كل القضايا.
كما أن مثل هذا السلوك يتجاهل أحزاب المعارضة وسائر مكونات المجتمع المدني.
ولا يفوتني، بهذه المناسبة، أن أعبّر بصفتي كمواطن تونسي لحما ودما وروحا، معارض لنظام الحكم، عن رفضي لمثل هذا السلوك المهين لصفة المواطنة وعن شعوري بالغبن في التعامل معنا كمواطنين من درجة ثانية مقارنة بـ"التجمعيين".
لكن ينبغي القول أن الدولة تحملت مسؤولياتها أمنيا وعسكريا ومنعت حدوث كارثة محققة، نجا منها مواطنات ومواطنون وسقط ضحايا عوضا عنهم، أعوان أمن وعسكريون - حسب ما يشاع.
والمثير للإستغراب أن كل أطوار العملية ظلت في كنف التستر التّام، وهو في اعتقادنا سوء إدارة إعلاميا وسياسيا بغاية تكتيل الشعب وقواه الديمقراطية والتقدمية ضد الإرهاب.
ومن أجل حماية شعبنا وتحصين بلادنا من مخاطر العمل الإرهابي، نحن في حاجة ماسة إلى فتح حوار عام حول أمهات القضايا التي تشغل بال التونسيات والتونسيين، حتى تتحمل الدولة مسؤولياتها في مجالات اختصاصها ويتحمل المجتمع المدني دوره، ويخرج المواطن من الوضع السلبي الذي حشر فيه ليصبح مسؤولا ومعنيا بمجتمعه، وتصبح الحلول الموضوعة على بساط البحث معبّرة عن إرادته وتتناسب وتطلعه للفعل الجاد.
إن اللحظة لحظة تفكير وتقييم ورأي ومسؤولية وتعبئة طاقات ووعي وحوار وبحث عن مخارج. وتقتضي المصلحة الوطنية تشجيع قوى النّور على النهوض لردّ قوى الظلام ومحاصرة الرّدة العامة وتجفيف منابع الإرهاب، خاصة وأن لنا مكاسب حضارية وثقافية واجتماعية ذات شأن، بإمكانها أن تتحول إلى عامل استقطاب وانحياز شعبي واسع لقيم العقل والحرية والإلتزام المدني.

د- مقترحاتنا لمواجهة الإرهاب باسم الدين
كنّا قد وقفنا على الأسباب الموضوعية لظهور الحركات المتطرفة والإرهابية فلاحظنا أنها تكون في بدايات تشكلها ردة فعل متشنجة وعاطفية على تدهور الأوضاع الإقتصادية والمعيشية لشرائح اجتماعية واسعة من مختلف الطبقات، وعلى ما أصبحت تشعر به من هشاشة أوضاعها الإجتماعية وعدم اطمئنان على المستقبل، خاصة أمام ما أحدثته العولمة، ببرامج الإصلاح التي فرضتها المؤسسات المالية والتجارية، من اضطراب في البنية الإقتصادية والإجتماعية، وعلى ما تكابده من كبت سياسي وتعانيه من قهر واضطهاد قومي ووطني وما تعيشه من ضياع قيمي وخوف من تفسخ هويتها أمام قيم وثقافة العولمة.
وكنّا قد وقفنا أيضا على ما تمثله الرّدة العامة للمجتمع والهجوم على مكاسبنا الإجتماعية والثقافية والحضارية من قبل الفكر الظلامي المتكلس وعلى الأخص منها صيغ الإسلام المنمط، الذي تروج له الفضائيات الشرقية. وهي صيغ تفتح مباشرة على الإسلام السياسي الجهادي.
وكنا قد أكدنا أن مواصلة خلط الدين بالسياسة وتوظيف الدولة للدين ووجود معارضة سياسية متستر بالدين، من شأنه أن يولّد باستمرار تأويلات للدين متطرفة وإرهابية.
إن هذه الظروف مجمّعة: الظروف الموضوعية تولّد النقمة والغضب والرفض العاطفي والمتشنج، والظروف الذاتية: أي الوعي النخبوي الذي ينتجه المثقفون الإسلاميون وخاصة منهم المتخرجون من مدارس التجارب السياسية للجماعات الإخوانية، هي التي تولّد الإرهاب كممارسة وكحركة.
وكنا قد أشرنا إلى أن الإرهاب لمّا يتحول إلى حركة، يخرج عن إطار ردة الفعل العفوية والعاطفية على الظروف الموضوعية، ليصبح في علاقة بالدوائر التي يخدم مصالحها. ويكون عموما على علاقة باقتصاد الجريمة وبالدولة، وطنية كانت أم أجنية، أو بدوائر متنفذة مالياّ وسياسيّا، في هذه أو تلك.
وبشأن السلفية الجهادية فقد وقفنا على تحوّلها إلى حركة إرهابية عالميّة، استقلت بذاتها في حرب أفغانستان الأولى، أين وجدت الفرصة لوضع أسسها الفكرية والفقهية والسياسية، وجمّعت قوة عسكرية محنّكة ومدربة ومسلحة بأسلحة عصرية ومعبأة إيديولوجيا بشكل تكون مستعدة للتدخل في أي مكان ووقت تقرره المجموعات القائدة. وقد حدث أيضا هذا التحول في الحركة لمّا أصبحت المعبّر السياسي عن مصالع شريحة من الماليين السعوديين والخليجيين الغاضبين من الوجود الأمريكي في المنطقة، والذين أصبحوا يتوقون إلى إعادة اقتسام للنفوذ في المناطق النفطية.
وزيادة على ذلك فإن عولمة الإقتصاد غير الشرعي والإقتصاد الموازي، ساعدت على سرعة تحول هذه الحركة إلى حركة إرهابية عالمية، لأنها وجدت مصادر تمويلها أينما حلّت، في هذين الفرعين من الإقتصاد المعولم، تديرها "الخلايا النائمة".
ومكمن الخطر الإرهابي العالمي المتستر بالدين في كونه يضرب متى شاء قادته ذلك بقطع النظر عن الظروف المحلية لكل بلد، وبإمكانه إحداث اضطرابات اقتصادية واجتماعية وربّما إحداث منعرج في سياسة السلطة يأخذ توجها أكثر انغلاقية حيال قضايا الحريات والديمقراطية.
وقد يبدو أن الغرض السياسي للعمليات الإرهابية هو إرهاب العدو ورد هجماته، غير أن هدفها الرئيسي هو إعادة "دولة الخلافة"، التي ينبغي أن تقوم على أساس "الشريعة الإسلامية" و"القانون الإلهي". وكما سبق أن بيّنا أن هذه الدولة سوف تلغي كل وجود سياسي أو مدني، وكل رأي أو فكر أو منهاج خارج إطار عقيدتها. إنها دولة فاشيّة خالصة، في ظل سيادة الرأسمالية، وقد كانت، بمثل هذه الخصائص، في العهد الإقطاعي، دولة تيوقراطية استبدادية.
وتشترك السلفيّة الجهادية مع عموم الحركة الإسلامية في نفس الهدف، ألا وهو إقامة "الدولة الإسلامية"، ورغم الفروق الحاصلة بين هذه الدولة الإسلامية أو تلك، التي تعبّر عن نفسها في الإجتهادات المختلفة لتياراتها، فإنها فروق كمّية موجودة داخل نوعية واحدة، لأن الجامع بينها والذي يمنحها جوهرا واحدا هو أن التشريع والحكم فيها خاضعان للشريعة الإسلامية وللقانون الإلهي.
وزيادة على أن السلفية الجهادية الجديدة، تمثل الإرهاب العالمي المتستر بالدين، فإنها أيضا حركة فاشية عالميّة. وهي تختلف عن الفاشيّة الأوروبيّة في كونها ليست مرتبطة بدولة أو بقومية أو بأمّة، بل هي حركة عابرة للدول والقارات والقوميات.
وتأسيسا على ما سبق ذكره يتأكد لنا أن مواجهة السلفية الجهادية ينبغي أن تكون مواجهة شاملة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنيّة وعسكرية:

1- المعالجة السياسية
أ- إن أهم مكسب سياسي تحقّق في المجتمع التونسي، يتمثل في بناء الدولة الحديثة، دولة الإستقلال، على أسس علمانية، دون أن تصبح لائكية بأتمّ معنى الكلمة. ورغم أنها استلهمت في تشريعاتها وحكمها ومؤسساتها من مبادئ وقيم وآليات النظام الجمهوري فأعدّ المجلس التأسيسي دستورا للبلاد وأعلن قيام نظام جمهوري، وصادق نواب الشعب في البرلمان على باقي التشريعات، وترك المجال العقائدي للشريعة. لكن الدولة الناشئة التجأت إلى الدين في خطب الجمعة لتأطير الشعب وتعبئته لتحقيق هدف محدّد أو في الصراع ضد أطراف خارجية.
وبما أن الدولة مازالت في حاجة إلى الدين لإدارة الشأن العام، فقد جعلت من أئمة المساجد موظفين ضمن الجهاز الإداري للدولة وتتولى الإدارة ثم وزارة الشعائر الدينية مهمة الإشراف على هذا الجهاز وعلى المساجد والجوامع، بما فيها الكتاتيب لتدريس القرآن للأطفال، بينما انفصل التعليم الديني والفقه عن جامع الزيتونة ليدرّس في الكلية الزيتونة التّابعة للتعليم العالي والبحث العلمي.
وهذا يعني أن الدولة التونسية رغم المكسب الجوهري الذي حققته فإنها لم تقطع سوى نصف خطوة في علاقة الدولة بالدين، حيث أنّها لم تحوّله نهائيا إلى شأن خاص بكل فرد يربطه بمعتقده، لأنّها واصلت توظيفه في مجالات من الشأن العام. وبالنظر لضيق مجال الحريات وانغلاقه تماما في بعض الفترات، فقد التجأت بعض القوى السياسية، الحركة الإسلامية بمختلف تعبيراتها، إلى التستر بالدين في معارضتها للسلطة ولنظام الحكم عامة.
وقد وجدت هذه الحركة في الخلط بين الشأن العام والشأن الخاص، بين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، مجالا يمكنها من تحويل السياسة إلى شكل من أشكال التأويل الديني، أي الإجتهاد، متستفيدة من العقائد العامة للشعب ومن السلطة الروحية التي يحوزها الدين. وهي تعارض السلطة وكل القوى العلمانية على أساس الدين، وتسعى إلى تحويل الصراع السياسي بين الآراء والبرامج والمواقف إلى صراع، في آخر المطاف، بين الدين والكفر. وبذلك فهي تخضع السياسة والشأن العام، سواء مباشرة- كما هو الشأن بالنسبة للسلفية الجهادية- أو في التحليل النهائي- كما تحاول القيام بذلك حركة النهضة حاليا-، للشريعة والحكم الربّاني، أي للشأن المعتقدي الخاص، والذي يتولى السهر على نقاوته وصفاء تنفيذه أهل "الحل والعقد".
إن الفصل بين الدين والسياسة وبين الدين والدولة وتحجير استغلال الدين والجوامع والمساجد وبيوت الصلاة في السياسة من قبل أي كان، ومنع مظاهر التدين في الإدارة والتعليم والمؤسسات العمومية التي أصبحت اليوم أداة تمييز في الخدمات (أنظر في هذا الشأن قطاع الصحة)، وحياد الدولة تجاه المعتقد ورعايتها لدور العبادة، وإشاعة الحريات في المجتمع وضمان ممارستها، من شأنه أن يخرج الدين نهائيا من دائرة التوظيف السياسي ويجرّد المتفقهين والساسة الذين لهم مشاريع استبدادية ورجال الإفتاء المتهافتين الذين نصّبوا أنفسهم أئمة وأمراء يشرعون لأشنع الممارسات البربرية والهمجية، بالقناع الديني الذي يتسترون وراءه.
وتحاول الحركة الإسلامية، بمختلف مكوناتها، أن تجعل من الدين- المعاد صياغته- إلى مؤسسة تتدخل في الدولة، إذا لم تكن هي الدولة، ومرجعية حاسمة في كل الشؤون، في العلم والحياة والسياسة والطب والثقافة والفن والموسيقى والأسرة....الخ. وإن تجريدها من الحجاب يحملها على أن تتقدم بمشاريعها السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية كما هي، فتظهر على حقيقتها كمشاريع استبدادية وفاشية يسهل التّجنّد ضدها ومقاومتها.
ب- يتحمل نظام الحكم مسؤولية كبيرة في إنماء الحياة السياسية والخروج بها من حالة الركود والوهن، من خلال إشاعة الحريات في المجتمع وتمكين المواطن من المشاركة في إدارة الشأن العام، كي يتحمّل مسؤولياته تجاه شعبه ووطنه. وفي هذا الصدد، فإن السلط العمومية مطالبة، اعتبارا لمسؤوليتها، بفتح الفضاءات وتوفير الإمكانيات المادية واللوجيستيكية أمام الأحزاب السياسية ومختلف مكونات المجتمع المدني، كي تتمكن من توسيع دائرة فعلها ونشاطها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تمكين الأحزاب السياسية المدنية وكذلك المنظمات والجمعيات، الراغبة في النشاط القانوني من ذلك. كما ينبغي تعميم التمويل العمومي على مختلف الأحزاب ومكونات المجتمع المدني، كي تتمكن من المساهمة في تأطير المجتمع وتتحفظ إزاء "التعامل" مع قوى خارجية ويتعمّق لديها الإنتماء الوطني. وهي ظروف تساعد العديد من القوى على الخروج من السلبية.
ج- وتتحمل الأحزاب ومكونات المجتمع المدني من جهتها مسؤولياتها إزاء الشعب والوطن، من خلال ما تقوم به من فعل إيجابي توعوي وسياسي وتأطيري للمواطن في إطار مشاركته في الحياة العامة. وهو دور ينبغي أن يصاغ طبقا لمبادئ الديمقراطية والقيم العامة التي بلغتها الإنسانية وآليات ومؤسسات النظام الجمهوري.
ويفترض، الإلتزام بهذه القيم والمبادئ، التموقع في الصف الديمقراطي والتباين مع قوى الإستبداد العلمانية والدينية، ومع الإرهاب بمختلف أشكاله، ومع الإرهاب العالمي والفاشية، ومع القوى الهيمنية وعلى رأسها الإمبراطورية الأمريكية التي توظف هذه القوى من أجل إعادة ترتيب الأوضاع الجيوسياسية والعالمية، طبقا لما تتطلبه مصالحها الجوهرية وعلى الأخص منها الهيمنة على مصادر الطاقة في العالم.


2- إجراءات اقتصادية واجتماعية
لمواجهة عملية تهميش شرائح شعبية واسعة عن دائرة الإنتاج
فرضت العولمة، على جميع البلدان، نمطا نيوليبيراليا من التنمية الإقتصادية والإجتماعية، أضفى هشاشة أكبر على اقتصاديات البلدان النامية، حيث جعلها عرضة إلى الإضطراب ومرتهنة لدى السوق المالية والبضاعية العالمية، مما أدى بها إلى انتهاج سياسة مالية صارمة قلّصت من دور الدولة الإقتصادي والإجتماعي.
وإن سياسة تنموية عقلانية تفترض وجود مخطط يدمج كل مكونات العوامل الإقتصادية والبيئية والمناخية والموارد المتوفرة والممكنة....الخ، ووجود سياسة تصنيعية تراعي التكامل في المنطقة المغاربية والعربية، تلبي حاجيات السوق الداخلية وتستوعب قوى عمل جديدة تتمتع في أغلبها بتحصيل علمي لا بأس به.
لقد أجبرت الدولة على التخلي التدريجي عن دورها الإجتماعي، ممّا جعلها ترمي بالأساسي من هذا العبء على كاهل العائلة التي تعاني من ضيق ذات اليد وصعوبات الحياة.
وقد أدت هذه الإختيارات إلى تهميش شرائح واسعة من الشغالين زيادة على الذين دخلوا سوق الشغل حديثا وظلوا عاطلين وخاصة منهم أصحاب الشهائد، وإذا أضفنا أن ما يفوق عن 500 ألف من المشتغلين في القطاع غير المنتظم، وتراجع مستوى عيش الطبقات الكادحة والمتوسطة، نتبيّن أن وضع التشغيل والمعيشة، في بلادنا، أصبح يتسم بالهشاشة.
إن هشاشة التشغيل والمعيشة أثرت على بقية أوجه الخدمات الإجتماعية التي كانت تغطيها الدولة في أغلبها، ونشير إلى الصّحة على سبيل الذكر لا الحصر، حيث أصبح الكادح عاجزا على تحمّل نفقاتها فيركن إلى التطبب والشعوذة إلى أن يبلغ به المرض مبلغا، قد يأتي على حياته، عندها يتوجه إلى المستشفى فيجبر على خلاص كلفة التداوي أقساطا، بـ"الكمبيالة"، ومن أين له ذلك؟.
وأمام عدم وضوح آفاق المستقبل وما تفرضه هشاشة التشغيل والمعيشة على الكادحين وعلى العائلة التونسية، التي بذلت كل ما تملك من أجل تعليم بناتها وأبنائها، أملا في حياة أفضل، وإذا بهم بعد تخرجهم يجدون أبواب الشغل موصدة في وجوههم، فتبتلعهم البطالة والهامشية ويصبحون مهيئين لتقبل أيّ حلّ وهميّ مصحوبا بمساعدتهم الحصول على لقمة عيش كيفما كانت وإعطاء معنى ما لوجودهم كبشر. وهي الأرضية الخصبة التي ينبت فيها التطرف والإرهاب دون عناء.
لذلك نحن نعتقد أن أحد الأوجه الكبرى للتصدي للظاهرة تتمثل في ضرورة ضبط اختيارات اقتصادية واجتماعية تنطلق من هذه الأرض، من حاجيات السّوق الوطنية وحاجيات الشعب، تتكامل مع نظيرتها في المنطقة المغاربية وتتعاون عربيا، وهكذا يكون انخراطها في العولمة منطقيا ومثريّا.
إن بلادنا في حاجة ماسّة إلى وضع أسس اقتصاد تضامني، تكون فيه المؤسسة مطالبة بالتفكير في المحيط الإجتماعي الذي تنشط فيه، أي أن تتحمل جزءا من أعباء التشغيل على المستوى الوطني وعلى الأخص تشغيل أصحاب الشهائد، والإسهام في المجهود الوطني للتنمية الإقتصادية والإنسانية، والإيفاء بالضرائب والتزام الشفافية في المعاملات والتصدي للرّشوة والمحسوبية والعمالة باعتبارها أساليب تفرخ وتشيع الفساد الإقتصادي.
كما نعتقد أنه على الدولة أن تستعيد مكانتها في القطاعات الإستراتيجية باعتبار الدور الذي تلعبه تجاه بقية القطاعات، زيادة على دورها المعدّل للسّوق والمنظم للخطط التنموية والذي يمكن الدولة من تحمل دورها الإجتماعي ويخفف على الكادحين أعباء الضرائب. وهو دور يجعلها أكثر قدرة على إدماج غالبية السكان في العملية الإنتاجية الرسمية ومحاصرة مجالات الإقتصاد غير الشرعي والهامشي الذي تعشش فيه الجريمة إلى جانب "الخلايا النّائمة" للحركة الإسلامية في عمومها، ابتداء من "الدعوة والتبليغ" وصولا إلى تنظيم "القاعدة".

3- إدخال إصلاحات أساسية على التعليم والبحث العلمي والثقافة
تعزز مكانة العقلانية وتؤصلها في المجتمع
لا شك وأن التحولات الجارية في العالم تفرض إصلاحات جوهرية للمنظومة التربوية والتعليمية والبحث العلمي وكل المجال الثقافي، وهو ليس موضوعنا حاليا. والإصلاح الذي نطمح إليه هو الخاص بمراجعة المضامين وبإعادة الإعتبار للعلم والمعرفة وللشهائد العلمية.
فبالنّسبة للمضامين، نحن نعتقد أن مجموع المعارف التي يحصل عليها الشاب خلال دراسته هي التي تكوّن رصيده ومحصلة ثقافته وإدراكه للظواهر والجواهر، بمعنى أنه إذا كان تكوينه قائما على أساس العقلانية والفكر النقدي، فمن الطبيعي أن يتكوّن جيل، أو أجيال، من المثقفين، لهم شخصية متميزة مبدعين عقلانيين متصالحين مع عالمهم، إلا فيما ندر، أما إذا كان تكوينه قائما على جمع انتقائي بين الفكر الغيبي والظلامي والفكر المثالي والعقلانية المشوهة، فمن الطبيعي أن ينتج عقلا- عاطفيا عاجزا على التأليف المركب، تسيطر عليه الغيبيات. وبذلك يصبح أكثر قابلية للتفاعل مع الإجتهادات التبسيطية للمعتقد، وبصورة أخص في مثل الظروف التي أتينا على ذكرها في الفقرات السابقة.
إن مضامين البرامج التعليمية إلى حدود أواخر الستينات ومطلع السبعينات كانت قد مثّلت، على علاّتها، قاعدة صلبة تكوين أجيال من المثقفين التونسيين الذين نهلوا من التراث العالمي النيّر، حيث كانوا قد درسوا أدباء وفلاسفة التنوير والتيارات الثقافية والفكرية المعاصرة، وتعرفوا، في الوقت نفسه، على الشعر"الجاهلي"، وعلى رأي النقاد فيه بمن فيهم طه حسين، وعلى المعرّي ورسالة الغفران وعلى الجاحظ وابن المقفع وعلى الفكر المعتزلي والقرمطي، وعلى الفرابي وابن سينا وابن رشد، وعلى محمد عبده وقاسم أمين والطاهر الحداد...الخ، وعلى مختلف الصراعات التي قابلت بين التسيير والتخيير والمنزلة بين المنزلتين وغيرها من الأطروحات الفكرية والعقائدية التي حملتها حضارتنا.
إن هذا المخزون بالذات هو الذي استهدفه أول إصلاح للتعليم أدخله السيد محمد مزالي، حيث تمّ التضييق على المضامين العقلانية وتعويضها بأخرى ظلامية، تحت شعار "التعريب" و"التصالح مع هويتنا العربية الإسلامية". وتتالت الإصلاحات بعد ذلك، لتنحيف البرامج، وتغيير المناهج باستمرار. وإذا أضفنا إلى ذلك النقلات الكمّية التي شهدها التعليم الثانوي والعالي والتي أحدثت تراجعا كبيرا على كيفية ونوعيّة التأطير المدرسي والثانوي والجامعي، ممّا أثّر سلبا على نوعية المثقف التونسي بصورة عامة وعلى قيمة الشهائد العلمية، التي بعد أن كان معترفا بها عالميا ومكانتها مرموقة، أصبحت في مرتبة متدنية وغير مرغوب فيها.
إن مواجهة الإرهاب لا تعني الصدام فقط بل معالجة مجمل الظروف المولدة له، وصراعنا ضد السلفية الجهادية هو صراع ضد الظلامية بصورة عامة وضد التخلف الذي نحمله في ذواتنا.
لذلك نحن نعتقد أن مراجعة جدّية لمضامين تعليمنا، في اتجاه إعلاء مكانة العقلانية والفكر النقدي والتواصل مع التراث الإنساني النيّر ومع متطلبات الثورات العلمية والتقنية والإتصالية والمعلوماتية، والحفاظ على مستواه الرّاقي وصيانة شهائدنا العلمية من الإبتذال، يمثل الواجهة الرابحة الممكنة.
أما بشأن تدريس التربية الدينية في التعليم الأساسي والثانوي والتفكير الإسلامي، فإننا مع الرأي القائل بتدريس تاريخ الأديان والأديان المقارنة، حتى تتنزل الأديان في إطارها الموضوعي وتخرج من الشحن الذاتية المختزنة عبر العصور والتركيز على القيم الإنسانية المشتركة بينها وعلى ما هو متقدم فيها. وبهذا الشكل يتلقى النشء معرفة موضوعية عن الأديان ويتخلص من التعصب والشوفينية ويقبل بسهولة التعايش بين الأديان والثقافات ويدرك معنى أن المعتقد شأن خاص بكل إنسان فرد، ويتأصل في المجتمع معنى حرية المعتقد التي تتوافق مع علمانية الدولة ولائكيتها.
ولضمان نجاح ونجاعة هذه المراجعة، نقترح فتح حوار عام في المجتمع حول مجمل هذه القضايا، وإشراك، القوى الديمقراطية والتقدمية والمجتمع المدني والأطراف المعنية في هذا القطاع من إدارة وأساتذة وتلاميذ وطلبة وباحثين، في القرار والإجراءات المزمع اتخاذها.
أما بشأن البحث العلمي، فمن غير المعقول أن يظل بعيدا عن المخاض الذي يشهده المجتمع. وإذا تتبعنا مكانته لدى الدول المتقدمة وبصورة خاصة لدى أمريكا التي تستثمر في هذا الميدان، ثلاث مرات أكثر من أوروبا مجمعة. وتصبح المسألة ذات إلحاحية أكبر خاصة وأننا نعيش في عصر تحول فيه العلم والمعرفة إلى بضاعة لها سوقها الخاصة واقتصادها الخاص، الإقتصاد اللامادي، الذي أصبح عنصرا حاسما في المشاريع التنموية.
تعج جامعاتنا بالبحوث في جميع الميادين، ومن المؤسف أنها لم تخرج من رفوف المكتبات والأرشيفات، وفي هذا الصدد على سلطة الإشراف أن تخصص ميزانية كافية للنشر، الذي ينبغي أن يتجاوز نخبة النخبة، لينزل إلى مستويات أدنى، تعميما للفائدة وتشجيعا للباحثين وإلزام المشرفين بالنّوعية، اعتبارا وأن النّشر يضع الطرفين أمام مجهر النقد الخارج عن الأطر الأكاديمية الضيقة. ولا نعتقد أن شبكة الأنتارنيت مستغلة على الوجه الأفضل من قبل جامعاتنا في هذا المضمار، ممّا يدعونا إلى تثوير العقليات والممارسات ومواكبة العصر.
يساعد الرفع من مستوى التأطير الجامعي على الإرتقاء بنوعية البحوث العلمية، لكن قيمتها العلمية والمعرفية تبقى هامشية على المجتمع إذا لم تساعده على تحسس سبل الرقي والتقدم وعلى فهم القضايا العميقة التي يشهدها. وتلعب الحوارات العامة بشأن الجامعة والجامعيين والبحث العلمي، دورا هاما في ضبط مشاغل المجموعة الوطنية وهمومها وتؤهل الباحثين للتفاعل معها.
وفيما يتعلق بالثّقافة والفنّ، فإن دورهما في المجتمع على غاية من الخطورة، اعتبارا وأن "المثقفين والفنانين هم مهندسو أرواح الشعب" أو "هم روح الأمة". وعلى هذا الأساس فهم يحتلون مكانة هامة في إعداد الذهنية العامة للشعب ووجدانه وذوقه بما يجعله قادرا على رفض المشاريع التصفوية والإستبدادية. ويكون من الخطأ التقليل من شأن المثقفين والفنانين كي لا يسقطوا في الإرتزاق، مثلهم مثل مثقف الأمير، أو في الرفض السّالب الذي يدفعهم إلى المغالاة والمغالطة أو الإنسحابية والعيش في برج عاجي متعالين على المجتمع وعلى النّاس. وهو ما يتطلب العناية الفائقة بالثقافة والمثقفين والفن والفنانين من زاوية التأهيل والإعداد والفضاءات والإمكانيات.
وبقدر ما يحتل المضمون أهمية في التبليغ فإن الشكل الذي يظهر به في العمل الإبداعي بإمكانه أن يؤصل المضمون ويثبته في الذاكرة الشعبية، وهو عمل يحتاج إلى إمكانيات وإعداد وتأطير يتجاوز الإمكانيات الفردية للمبدع أو المثقف، ومن المستبعد تحقيق أي تقدم في هذا المجال إذا لم تتحمل المجموعة الوطنية عبء التعبئة الشاملة لملكاتها وطاقاتها لاستحضار النير من تراثها ومن التراث الإنساني لمقاومة جحافل الظلام.
الدعم الثقافي، ليس من المعقول بالمرّة أن تتلقى نوعية من الثقافة والفن الهامشية الدعم ويحجب على غيرها. وانطلاقا من اعتبار المثقف أو الفنان مواطنا قبل كل شيء فهو مطالب بالعناية بشؤون بلده وحمل هموم مجتمعه إلى هذا القدر أو ذاك. لكن هنالك فرق عميق بين الإلتزام بقضايا الشعب والشعبوية، فالأول يعني الإرتقاء بوعي الشعب إلى مستوى متقدم يصبح فيه المواطن الفرد يتصرف بمسؤولية في كل ما يتعلق بقضايا الشأن العام، في حين أن الثانية تعني الإنحدار إلى مستوى الوعي العامي للنّاس والوقوع في كماشة الوعي المتخلف الذي يكون فيها الإنسان الفرد، "فردا" تعلو مصلحته الضيقة وتصوراته الضيقة لمختلف المسائل على المجموعة التي ينتمي إليها، طبقية كانت أم سياسية وثقافية و.... إن ما يسمى بالفنّ الشعبي لا علاقة له بالإلتزام بأي قضية من قضايا المجتمع، بل إن القضايا التي يتغنى بها هي قضايا فردية تخصّ صنفا معينا من النّاس، كأفراد، في بعض حالات وجودهم. وبالمقابل فإن الثقافة والفن الهادف يحمل هموم شرائح اجتماعية، ولهذا السبب بالذات فإن المجموعة الوطنية التي يحمل همّها، يكون من واجبها تحمل العبء معه وتقديم الدعم له حتى يتمكن من أداء مهمته والقيام بدوره على الوجه الأفضل.
الفضاءات، وإلى جانب ذلك من غير المعقول أيضا أن تبقى دور الثقافة مفتوحة باحتشام أمام النشاط الشبابي وأمام العناصر النشيطة الثائرة على الوضع كي لا تبعث نوادي ثقافية وتعبر عن آرائها كيفما شاءت ويترك المجال للحوار لصقل العقل والمواهب وتهذيب الذوق. والشأن نفسه بالنسبة لجامعة نوادي السّنما والسنمائيين الهواة، والنوادي في المعاهد التي تسعى الإدراة إلى فرض تبعتها للشبيبة المدرسية وغيرها من العراقيل والسّلوكات التحكمية والهيمنية للحزب الحاكم والإدارة.
وتتحمل السلط العمومية مسؤوليتها كاملة في توفير الفضاءات الحرّة للشباب باعتباره المستهدف المباشر. إن غلق الفضاءات العمومية أمامه، يحرمة من منابع ثقافية يغذي بها عقله ويحتمي بها من مخاطر التمويه والتضليل، ولا يترك أمامه غير ثقافة المقاهي أو الجوامع كلما ضاقت به أحواله. وفي كلا الحالتين يجد من يترقبه لتوجيهه الوجهة اللازمة.
لذلك فإن الواجب الوطني يدعو إلى مراجعة هذا الأسلوب في الإدارة بصورة جذرية وفتح الفضاءات للشباب وترك المجال أمامه للتصارع والتحاكك والنقاش والتباري وتأطير مجمل حركته بشكل لا ينفي دوره وإسهامه ومستوى وعيه واستعداده.


4- الإتصال والإعلام في صدارة المواجهة مع الإرهاب
لقد نجحت الحركة الإرهابية العالمية إلى حد الآن في إدارة المعركة إعلاميا وفي توظيف شبكة الأنتارنيت على الوجه الأفضل، وفشلنا نحن، سلطة ومعارضة ومجتمع مدني. فالإعلام عندنا، من جهة السلطة أو المعارضة، له وظيفة دعائية. والسبب في ذلك هو موقف نظام الحكم من حرية الإعلام والرأي، ممّا يجعل وسائل الإعلام والإتصال خاضعة لرقابة صارمة وبصورة خاصة الإذاعة والتلفزة والأنتارنيت. إن القضية ليست مقابلة بين مؤسسات خاصة وعمومية، بل تتمثل في مجال الحرية الذي تتركه الدولة للمجتمع. وهذا المجال ظل لما يزيد عن الخمسة عقود لا يسع غير الحزب الحاكم. فأصبح مع العادة مجالا حيويا خاصا يعسر تقاسمه حتى مع الأصدقاء. وأمام غياب النقد والمنافسة، يقدم الخبر بمقص واحد تتناقله مختلف وسائل الإعلام، هكذا تعودنا أن نسمع الإذاعة ونتابع التلفزة الوطنية ونقرأ الجرائد من الغد، وإذا أصابنا الضجر من خطابنا الخشبي نلتجئ للفضائيات لتتبع أخبار بلادنا.
نحن في مأزق جدي، حيث تمّ تجاوزنا يمنة ويسرة وشمالا وجنوبا، في مجال الحريات والإعلام، في حين أن بلادنا كانت مؤهلة أكثر من أي بلد آخر إلى فتح باب الحريات والإعلام والشبكة على مصراعيه، ولا خوف علينا من الحرية، فبها نتفاعل وبها نتصدى للإرهاب وبها نصنع مستقبلنا وبها نذود على بلادنا.
من غير المعقول أن نتصور مواجهة ناجعة للإرهاب وسائل الإعلام والإتصال وكأنها غير معنية بالمسألة، والأخطر أن بعض الصحف في ملفاتها الدينية وبمناسبة كل يوم جمعة تروج لأفكار ومواقف لا تختلف في شيء عن العقائد الجهادية.
تزخر بلادنا بالطاقات النيّرة تنشط الندوات والحوارات ليست الخاصة بالنشاط الحزبي "للتجمع"، بل الموجهة لمعوم المواطنين، ويمكن إشراك أساتذة الجامعة الزيتونية الذين بإمكانهم أن يكشفوا بسهولة للرأي العام نوعية الفتاوي التي يقوم بها المتفقهين الجدد.
إن العقل إذا لم يتحرر من كوابيسه بالعلم والمعرفة بإمكانه الوقوع في كماشة عرضية تأتي على صاحبه نهائيا، وبصورة خاصة إذا كان يافعا متطلعا للحياة.
إن مستقبل أبناءنا بين أيدينا ومستقبل بلادنا وشعبنا مرتهن بالقرارات والإختيارات التي بإمكانها أن تنبع من خلال مشاركة كل القوى النيرة والعقلانية في حوار مفتوح مع الشعب، حتى يتحمل كل مسؤولياته التاريخية.

تونس في 20 مارس2007














المراجع
1- د. رقية بنت محمد المحارب، الإرهاب والعنف والتطرف في الكتاب والسّنة، (دراسة أكديمية)، ص 3.
2- المصدر السابق، ص6.
3- المصدر السابق، ص7.
4- سلمى لمين، الإرهاب العالمي(بعث جامعي للدراسات المعمقة، بكلية الحقوق تونس جامعة المنار، وتحت إشراف العميد حبيب سليم)، ص15.
5- المصدر السابق، ص10.
6- المصدر السابق، ص14.
7- أيمن الظواهري، الحصاد المرّ، ص 55.
8- الوطن العربي عدد1566، الصدر في 7 مارس2007.
9- أبو الأعلى المودودي، الإسلام والمدينة الحديثة، ص33.
10- أيمن الظواهري، الحصاد المر،ص15.
11- المصدر السابق، ص15.
12- المصدر السابق، ص16.
13- المصدر السابق، ص16.
14- محمد عبد السلام فرج، الجهاد الفريضة الغئبة، ص5.
15- أبو حمزة البغدادي، لماذا نقاتل؟ ونقاتل من؟ ص ص43-45.
16- أيمن الظواهري، الحصاد المرّ، ص16.
17- أسامة مناصفي، السلفية الجهادية (دراسات حول الحركة الجهادية، نورالدين المباركي) ص11.
18- عبد الملك القاسم، الولاء والبراء، موقع "مراجعات فكرية".
19- المصدر السابق.
20- أيمن الظواهري، الحصاد المرّ، ص14.
21- حازم المدني، هكذا نرى الجهاد ونريده، ص25.
22- د. أكرم حجازي، رحلة في صميم عقل السلقية، (دراسات حول الحركات الجهادية) ص ص73-74.
23- المصدر السابق، ص74.
24- عبد الله عزام، إتحاف العباد بفضائل الجهاد، ص2.
25- المصدر السابق، ص3.
26- المصدر السابق، ص1.
27- المصدر السابق، ص1.
28- المصدر السابق، ص1.
29- المصدر السابق، ص2.
30- أسامة مناصفي، السلفية الجهادية، ص7.
31- المصدر السابق، ص8.
32- المصدر السابق، ص9.
33- حازم المدني، هكذا نرى الجهاد، ص18.
34- موقع الفردوس، ملف إجازة النحر.
35- عبد السلام فرج، الفريضة الغائبة، ص13.
36- عبد الله عزام، اتحاف العباد بفضائل الجهاد، ص6.
37- أبو حمزة البغدادي، لماذا نقاتل؟....، ص ص29-30.
38- صحيفة الإنقاذ الوطني السودانية الصادرة بتاريخ 25-04-1991.
39- صحيفة الشرق القطرية الصادرة في 10جانفي2007.
40- وقع "الشبكة الدعوية".
41- راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية.
42- حازم المدني، لماذا نقاتل؟...، ص25.
43- الغنوشي، حوار. نت بتاريخ 9 أكتوبر2006.
44- الغنوشي، موقع "الشبكة الدعوية.
45- المصدر السابق.






المراجع والوثائق المعتمدة

أ- الدراسات:
1- أسامة مناصفي، السلفية الجهادية
2- إياد خليل، الحركات الجهادية الإسلامية
3- د. أكرم حجازي، رحلة في صميم عقل السلفية
4- د. جهاد عودة و د. عمار علي حسن، عولمة الحركة الإسلامية الراديكالية
5- عبد الرحيم علي، القاعدة من التنظيم إلى الشبكة
6- د. رقية بنت محمد المحارب، الإرهاب والعنف والتطرف في الكتاب والسنة

ب- بحوث جامعية:
1- l’identification des reseaux terroristes, Presente par mouna Kraiem-Dridi
Le Terrorisme Internationale : Notion En Quete D’une Definition - 2
Presente Et Soutenu Publiquement Par :
Lamine Salma
Sous la Direction Du Doyen :
M.Habib Slim
Terrorisme Et Entraide Judiciaire, Presente Par Hatem Yahyaoui, - 3
Sous L’encadrement Du Professeur :
Ajmi Bel Haj Hammouda
4- المثقفون العرب وأحداث 11سبتمبر،
إعداد: هند العرفاوي ،
تحت إشراف: الأستاذ حمادي الرديسي




ج- مؤلفات:
1- أوليفيه روا، تجربة الإسلام السياسي، الطبعة العربية، ترجمة نصير مروة، دار السافي للنشر،
الطبعة الثانية 1996.
2- Mondialisation Financiere et Terrorisme,Rene Passat, Jean Liberman
Enjeux-Planete

د- وثائق ومقالات تحليلية
1- د. أسماء بنت عبد العريز الحسين، أسباب الإرهاب والعنف والتطرف
2- هيثم رباني، قراءة في ظاهرة انتشار السلفية في المغرب العربي
3- قاعدة الجهاد في بلاد المغرب، صحيفة الحياة الصادرة يوم 1أكتوبر2006
4- غنية قمراوي، صحيفة الشروق الجزائرية بتاريج 20أكتوبر 2006، تحركات لضم التنظيمات
الإرهابية المغاربية إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال.
5- أمير تنظيم القاعدة في أوروبا يرسل خلاياه إلى المغرب من المشرق، صحيفة "العلم" المغربية
الصادرة يوم 13جانفي 2007 .
6- أميمة أحمد، فرنسا على خط مكافحة الإرهاب بالمغرب العربي، إسلام أون لاين.نت
7- رويتر(الجزائر)، 12جانفي 2007 ، المتشددون يمثلوناختبارا أمنيا لدول المغرب العربي
8- سوهام المصري، نشأة الإرهاب ومساره العالمي
9- صلاح السعدي، إسلام أون لاين.نت، "الخلايا الإرهابية" بالمغرب...العرض متواصل في
2007 (14جانفي 2007)






الفهرس
- الإرهاب ومختلف أشكال العنف
1- تعريف الإرهاب
2- أنواع الإرهاب
3- الإرهاب والإعلام
- الإرهاب العالمي والعولمة النيوليبيرالية
1- الـG7 تقرر دخول عصر العولمة النيوليبيرالية
2- العولمة النيوليبيرالية، استغلال واضطهاد شامل للشعوب
3- الإرهاب العالمي وليد العولمة وخصمها حول اقتسام مناطق النفوذ
- أمريكا وفرت الظروف الملائمة لتحول الإرهاب باسم الدين إلى تيار عالمي
- الردة العامة في المجتمعات العربية أرضية خصبة لظهور الإرهاب باسم الدين
- "السلفية الجهادية" والحركتين الوهابية و"الإخوانية"
- العقائد "السلفية" والمنهج "الجهادي" والإرهاب العالمي باسم الدين
1- الإطار الفكري العام للسلفية الجهادية
2- الإطار العقائدي
3- مناهج عمل السلفية الجهادية
- التنظيم والتمويل لدى الجماعات الإرهابية
- التغييرات الإستراتيجية في عمل "السلفية القتالية"
- الجماعات الإسلامية والسلفية الجهادي في البلدان العربية
1- الحركة الإجوانية
2- الجماعات الجهادية بديل عن الحركة الإخوانية
- الحركة الإسلامية في تونس وولادة السلفية الجهادية
- أحداث الضاحية الجنوبية في تونس العاصمة: الدلالات والمعالجة