samedi 11 juillet 2009

الحركة الإحتجاجية بمنطقة الحوض المنجمي بتونس توجه أصبع الإتهام لخيارات الدولة الإقتصادية والإجتماعية وتطالب بتنمية أعدل

بشير لعبيدي وعدنان الحاجي عضوا "اللجنة المحلية" المؤطرة للحركة الإحتجاجية بالرديف أمام التحقيق
مثل الرفيق بشير لعبيدي، وهو عضو قيادي في الحزب الإشتراكي اليساري، يوم 8 جويلية 2008، أمام حاكم التحقيق بالمحكمة الإبتدائية بقفصة من أجل:
- تكوين وفاق قصد التحضير لارتكاب اعتداء على الأشخاص والأملاك العامة والخاصة.
- الإضرار بأملاك الغير.
- قطع السبل العمومية ومنع الجولان.
- صنع وحيازة آلات ومواعين محرقة ورميها على أملاك الغير.
- رمي مواد صلبة على موظف عمومي حال مباشرته لوظيفته والإعتداء عليه بالعنف الشديد.
- إحداث الهرج والتشويش بالطريق العام.
- الإنخراط في عصابة والمشاركة في تكوين وفاق قصد التحضير لارتكاب اعتداء على الأشخاص والأملاك العامة والخاصة والمشاركة في عصيان دعي إليه بخطب ألقيت بمحلات عمومية واجتماعات عامة وبمعلقات وإعلانات ومطبوعات.
ودام الإستنطاق حوالي الثلاث ساعات دفع فيها الرفيق جميع التّهم الموجهة إليه وكشف عن المتسببين الحقيقيين في الأزمة وأعلن تمسّكه بشرعيّة تحرّك أهالي الحوض المنجمي وأهالي الرديف.
وقد تمّ إيقافه، يوم 1 جويلية 2008 صحبة ابنه مظفر لعبيدي، تلميذ بالسّنة الرابعة تعليم ثانوي. وكان غسان لعبيدي ابنه الأكبر، طالب بكلّية العلوم بالمنستير، تعرض لسوء المعاملة عند إيقافه ليلة المداهمة ممّا استوجب نقله إلى المستشفى بعد إطلاق سراحه، خاصة وأنه يعاني من مرض عضال.
وأحيل المناضل اليساري والنقابي عدنان الحاجي، في 23 جوان الماضي، على حاكم التحقيق بنفس التهم. وأشار المحامون إلى أن منوبهم قد تعرض للضغط المادي والمعنوي عند إيقافه وإجباره على الإمضاء على محضر دون قراءته. وتقدموا بطلب تأجيل التحقيق إلى يوم 26 جوان. فكان لهم ذلك. وأصدر حاكم التحقيق بطاقة إيداع بالسجن في شأنه. غير أن التحقيق تأجل ثانية إلى يوم السبت 28 جوان، يوم انعقاد الجلسة العامة للمحامين، مما أدى إلى حضور محام واحد تولى الدفاع عنه.
وقد تكون الإيقافات في أوساط نشطاء الحركة الإحتجاجية بالرديف تجاوزت المائة، حسب عديد الأوساط المتتبعة للوضع في الجهة.
حصلت هذه الإنعطافة في الوضع بعد أن قطعت أشواط في المفاوضات بين "اللجنة" والأطراف المعنية تبعث على الأمل وفتحت باب الإنفراج، خاصة بعد إمضاء ثلاث اتفاقيات مع مناولة نقل الفسفاط والبلدية وأخيرا مع الـ"سوغاص". كيف حدث ذلك؟
أقدم شاب، والده عضو بالمجلس البلدي، يوم 5 جوان 2008 على تحريض مجموعة من الصبية لرمي أعوان الأمن بالحجارة، مؤكدا بأنه لن يكف طالما لم يمكن من تكوين "شركة مناولة". وعلى إثر ذلك تمّت محاصرة العديد من الأحياء وملاحقة الفارين من المواطنين والشباب الذين فاجأهم هذا التوتر غير المفهوم في الوضع. لكن رغم نداءات التهدئة التي توجه بها أعضاء اللجنة إلى المواطنين فقد تسارعت الإحداث في اتجاه الأسوأ حيث تكثفت المداهمات والملاحقات والمواجهات التي بلغت ذروتها بإطلاق عيارات من الذخيرة الحية سقط على إثرها قتيل وحوالي 25 جريح.
ونشير إلى أنه كلما تقدمت المفاوضات وتوصلت اللجنة إلى اتفاق مع أي طرف إلا وظهر عمل استفزازي لتعطيل المسار والعودة به إلى نقطة الصفر ودفع السلطة إلى الخيار الأمني في معالجة الوضع. فقد أقدمت بعض عائلات معروفة في معتمدية الرديف بنصب خيام على سكة القطار وفي مراكز العمل بالشركة لتعطيل الإنتاج والمواصلات. وحصل السلوك نفسه بأم العرائس. كما عمدت بعض الأوساط في الرديف إلى تجنيد مجموعات من الشباب لرمي أعوان الأمن بالحجارة ليلا كي تجبرهم على رد الفعل والدخول في مواجهة مع الأهالي. أما الذي وقع في المتلوي وأم العرائس فهو أخطر مما شهدته الإستفزازات، إلى ذلك الحين، حيث عمدت مجموعات إلى إضرام النار في إطارات مطاطية في الطريق العام ورمي مراكز الأمن والمعتمديتين بالحجارة.
ولفهم التطورات التي شهدتها الأوضاع ومختلف القوى المتدخلة نرى أنه لا بد من العودة إلى انطلاق التحركات التي دامت حوالي الستة أشهر.

ما هو الإطار القانوني الذي سمح لعديد الأطراف
بالتدخل في الإنتدابات بشركة فسفاط قفصة؟
ينص الفصل23 من الباب الثالث فيما يتعلق بالإنتدابات بشركة فسفاط قفصة على ما يلي:
بمناسبة كل انتداب وعند تعادل الكفاءة ومجموع عدد النقاط في مناظرة أو امتحان أو اختبار فإن الأولوية تفتح حسب الترتيب التالي:
1- للأعوان القدامى الذين وقع رفتهم بحسب حذف وظائفهم أو التنقيص في عدد الأعوان.
2- إلى أبناء الأعوان العاجزين عن العمل بسب حادث شغل أو مرض مهني وإلى أبناء المتقاعدين.
3- إلى أبناء أعوان الشركة وخاصة منهم ضعاف الحال حيث تراعى الحالة الإجتماعية في هذا الصدد.
وتضبط كيفية تطبيق هذه الأحكام في محضر جلسة بين الإدارة العامة وممثلي الأعوان. ويتم آليا انتداب أحد أبناء عائل ضحية حادث شغل أو مرض مزمن قاتل.
واعتمادا على هذا الفصل القانوني وقعت نقابات المناجم مع إدارة شركة فسفاط قفصة اتفاقا نص على انتداب عدد من الأعوان بنسبة 20% من عدد المتقاعدين تمنح للحالات الإجتماعية المنصوص عليها في القانون يتم النظر في شأنها من قبل نقابات المناجم تحت إشراف الإتحاد الجهوي وجامعة المناجم والسلط الجهوية.
وقد استأثرت هذه الأطراف في الإنتدابات السابقة بالحصص كاملة فتقاسمتها دون احترام ما نص عليه قانون الشركة المذكور أعلاه أو مراعاة الحالات الإجتماعية المزرية التي كانت عليها بعض العائلات من ضحايا حوداث الشغل.
وقد ارتفعت العديد من الأصوات منددة بهذا الحيف واحتج المواطنون بأشكال مختلفة.

نتائج دورة 2007 وتفجّر الإحتجاج في منطقة المناجم وتكوين "اللجنة" بالرديف
على إثر الإعلان عن مناظرة في دورة 2007 لانتداب أعوان جدد بشركة فسفاط قفصة استبشر أهالي الحوض المنجمي خيرا وشارك أبناؤهم بالآلاف عسى أن يكون الحظ حليفهم فيحصلون على شغل. لكن النتائج خيبت الآمال وكانت سببا في اندلاع حركة احتجاجية واسعة في منطقة المناجم.
فقد تميزت في المظيلة بقطع الطرقات وإضرام النار في الإطارات المطاطية في الشوارع واحتجاز مسؤول وجرت مصادمات مع الأمن وإيقاف عدد من المحتجين...إلخ.
وفي أم العرائس نصبت الخيام على السكة وفي مداخل مراكز العمل ونظمت مسيرات احتجاجية ومواجهات مع قوات الأمن وإضراب عن الطعام قامت به مجموعة من المعطلين عن العمل ومن المطرودين ومن الذين تعرضوا لحيف أو اضطهاد.
وحدثت تحركات مشابهة بالمتلوي تدخل فيها الكاتب العام للإتحاد الجهوي بنفسه لينبه المحتجين والمضربين عن الطعام بخطورة ما أقدموا عليه وحذرهم بأنه لن يتبنى تشغيل أي فرد من عائلة من انساق وراء حركة الإحتجاج.
وفي الرديف تم تنظيم مسيرات احتجاجية وإضراب عن الطعام قام به عدد من المعطلين عن العمل واعتصام مفتوح لعدد آخر بدار الإتحاد المحلي. كما حصلت اشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن. وحتى لا تتحول مظاهر الإحتجاج إلى فوضى وتصادم مع قوات الأمن وأمام انسحاب نقابات المناجم من مقر الإتحاد المحلي تشكلت لجنة محلية لتأطير التحركات وضمان صلة التحاور بين المحتجين والسلط المسؤولة سواء أكانت محلية أو جهوية أو مركزية.
ولقيت "اللجنة المحلية" مساندة جميع الهياكل النقابية بالمعتمدية التي توجهت بعريضة إلى الأمين العام للإتحاد العم التونسي للشغل والكاتب العام للإتحاد الجهوي بقفصة وإلى جميع السلط المعنية من أجل إلغاء نتائج المناظرة وفتح تحقيق جدي في التلاعب بها.
كما لقيت اللجنة مساندة ودعم جموع غفيرة من المواطبين، أتت لحضور الإجتماعات العامة وساهمت في حركة الإحتجاجات وحمتها من التجاوزات الفوضوية والإستفزازات بشتى أنواعها.

نتائج إيجابية أسفر عنها أول لقاء بين"اللجنة المحلّية" والسيد معتمد الرديف
بتكليف من السيد والي قفصة عقد السيد معتمد الرديف جلسة تفاوض مع "اللجنة المحلية" التي تقدمت له بتقرير مكتوب رصدت فيه التجاوزات المرتكبة في نتائج المناظرة وتقدمت له بمقترحات للتجاوز وإعادة الأمور إلى نصابها.
وفي اليوم الخامس لانطلاق الحركة الإحتجاجية تمت دعوة "اللجنة المحلية" من قبل السيد المعتمد لإبلاغها بالنتائج وبالقرارات التي اتخذتها السلط المسؤولة. وهي كما يلي:
1- إلغاء شكل المناظرة في المستقبل ليصبح الإنتداب في شركة فسفاط قفصة حسب الملفات تنظر فيها لجنة محلية.
2- إلغاء حصة النقابيين.
3- مراجعة نتائج المناظرة.
4- إسناد 17 موطن شغل لأصحابها.
وعلى إثر ذلك عقدت "اللجنة" اجتماعا طارئا بجميع الإطارات النقابية والمضربين عن الطعام والمعتصمين والمساندين وتم الإتفاق بالإجماع على تعليق الإضراب والإعتصام وجميع أشكال الإحتجاج ومتابعة تنفيذ نتائج المفاوضات مع السلط المحلية والجهوية في إطار الشفافية والمصداقية.
واعتبر المجتمعون أن هذه النتائج مكسبا لأهالي الرديف وكافة أهالي الحوض المنجمي.

من يقف ضد الإتفاقات ويعمل على إفشالها؟
لما كانت "اللجنة" تعرض نتائج المفاوضات التي أمدها بها السيد المعتمد جندت بعض الأوساط المعروفة لدى السلط الجهوية والمحلية ولدى السلط الأمنية مجموعة من الشباب تحت جناح الظلام رشقت قوات الأمن بالحجارة، من أجل دفعها إلى رد الفعل والهجوم على المواطنين بمن فيهم المجتمعين في مقر الإتحاد المحلي للشغل بالرديف. وقد تكرر هذا الصنيع عدة ليال. وتصدت "اللجنة المحلية" لهذه الإستفزازات ونددت بالواقفين وراءها ممن لم يرضيهم الحل والنتائج التي كانت في غير صالحهم وكانت في صالح أهالي الحوض المنجمي. وهؤلاء هم الذين دأبوا لسنوات خلت على اقتسام حصص فرص التشغيل التي توفرها شركة فسفاط قفصة، سواء أكانت عن طريق المناظرة أو المخصصة للحالات الإجتماعية.
وفي 19 جانفي 2008 انعقد مجلس جهوي للإتحاد الجهوي بقفصة أعلن فيه الكاتب العام عن تمسكه بـ"حصة النقابيين" من الإنتدابات للشغل بشركة فسفاط قفصة واعتبرها "مكسبا لا يمكن التفريط فيه" وأكد بأن "التشغيل سيتم كما أردنا وكما نريد نحن في المستقبل" واتهم أطرافا في السلطة تعمل مع بعض النقابيين "للتشويش على الإتحاد وعلى مصداقيته" واقترح في نهاية كلمته إضرابا جهويا لتعطل المفاوضات وترك للهيئة الإدارية الجهوية تحديد موعده.
وكان نقابيو الرديف قد حضروا فعاليات المجلس الجهوي ودافعوا عن وجهة نظرهم وشرحوا للحاضرين ما أصدروه من بيانات وما تظمنته مداخلاتهم من حقائق حول ما يحدث من تلاعب بملف الإنتدابات بشركة فسفاط قفصة.
وحالما انتهت أشغال المجلس الجهوي فوجئت الرديف بمجموعات من عائلات معروفة وعناصر مشبوهة تنصب خياما على سكة القطار وفي مراكز العمل بالشركة لتعطيل الإنتاج والمواصلات، تماما كما حدث ذلك في 5 جانفي 2008 بأم العرائس. ومن أجل إرباك المسؤولين وضعت على الخيام صورا لرئيس الدولة. والجدير بالملاحظة هو أن هذه الخيام من الحجم الكبير لا يملكها أي مواطن. وهؤلاء المنتصبون يرفضون الحوار مع أي كان وهم باقون في أماكنهم إلى غاية صدور أوامر لهم بإخلاء المكان.
وفي 22 جانفي 2008 عقد الكاتب العام للإتحاد الجهوي مجلسا جهويا قطاعيا لنقابات المناجم صدرت عنه لائحة بـ12 مطلبا في مقدمتها: الإسراع بإدماج الناجحين في المناظرة بالشركة، تلته مطالب "الخيام" التي عطلت الإنتاج لما يزيد عن 19 يوما.
وظل الوضع على حاله بين أخذ ورد: عدم تنفيذ الإتفاقات وتجمعات أمام مقر الإتحاد المحلي.

التراجع عن الإتفاقات وإيقاف عدنان الحاجي وبشير لعبيدي وعدد من نشطاء الحركة الإحتجاجية
صدر يوم 7 أفريل 2008 قرار من الرئيس المدير العام لشركة فسفاط قفصة في شكل رزنامة تشغيل تتصدرها قائمة الناجحين في المناظرة. مما يعني التراجع صراحة عن الإتفاقات التي حصلت بين اللجنة والسيد معتمد الرديف بعد موافقة والي الجهة. ورغم أن مثل هذا التراجع قد أثار قلق المواطنين والنشطاء، إلا أن اتفاقا حصل بين الجميع على ضرورة الحذر والتريث وملازمة اليقظة تجاه الإستفزازات خاصة وأن طبول الحل الأمني كانت تدق وكان أعضاء اللجنة يتوقعون أن يتم إيقافهم بين الفينة والأخرى.
وفي الليلة الفاصلة بين 6 و7 أفريل أقدم بعض الشبان على قذف مركز الشرطة بالرديف بالحجارة ثم انسحبوا ولا أحد يعلم وجهتهم. وكان أهالي المدينة و"اللجنة المحلية" في غفلة مما حدث تلك الليلة. وما يبعث على الظن أن هذه المجموعة قامت بفعلتها بدفع من بعض الأوساط التي تعمل على إفشال الإتفاقات هو أن هذه الحادثة الإستفزازية استغلت مباشرة لتفعيل "الخيار الأمني"، الذي كان بصدد الإنضاج.
وفعلا حلت مباشرة بعد "الحادثة" أعداد غفيرة ومتنوعة من قوات الأمن التي أقدمت في الصباح الباكر والناس نيام على اقتحام بعض المنازل والقبض على مجموعة من الشباب وصل عددها الـ23 شابا. لقد استيقظت مدينة الرديف على وضع غير عادي، حيث كان التواجد الأمني كثيفا وقد أغلقت المنافذ المؤدية إلى مقر الإتحاد المحلي للشغل. وحالما حل الرفيق عدنان الحاجي بالمكان ليستفسر عن الإيقافات التي حصلت وكان صحبة المناضلين بوجمعة شريطي وعادل الجيار، انقض عليهم أعوان الأمن وأمعنوا في ضربهم والتنكيل بهم ونقلوهم بمعية المناضل الطيب بنعثمان إلى منطقة قفصة أين تعرضوا للضرب والإهانة وسوء المعاملة.
لقد جرت عملية إيقاف عدنان الحاجي ورفاقه من جموع المواطنين. فدخلت مجموعات من شباب المدينة المنخرط في حركة الإحتجاج في مناوشات مع قوات الأمن. وأعلنت السيدة جمعة الحاجي، رغم حالتها الصحية الحرجة، دخولها في إضراب جوع أمام مقر الإتحاد المحلي. وقررت نقابة التعليم الأساسي ونقابة التعليم الثانوي ونقابة الصحة ونقابة التأطير التربوي ونيابة المالية الدخول في إضراب مفتوح ابتداء من صبيحة 7 أفريل 2008.
وفي صبيحة يوم 8 أفريل 2008 تم إيقاف الرفيق بشير لعبيدي على مرأى من زملائه المعتصمين بمدرسة حي النور. وقد تعرض هو الآخر للضرب والإهانة والتنكيل وأصبح أشد ضراوة في منطقة الأمن بقفصة.
وتواصلت مداهمات المنازل يوم 8 أفريل للقبض على الذين توجد أسماؤهم بالقائمات الأمنية. وكانت الليلة الفاصلة بين 8 و9 أفريل ليلة ترويع الأهالي بامتياز حيث تمت مداهمة المنازل بأحياء العمايدة وزمرة وحي السوق والنزلة. وقد تعرض الأهالي إلى العنف المادي واللفظي ولم يسلم إلا من بات ليلته خارج منزله معتصما بالجبل.
وفي 9 أفريل 2008 تمكن وفد حقوقي من دخول المدينة المحاصرة يتألف من السادة عبدالرحمان لهذيلي عضو الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهادي بن رمضان رئيس فرع الرابطة بجندوبة وشكري الذويبي وعلي الحبيب وعمر قويدر أعضاء فرع توزر نفطة ومسعود الرمضاني ورشيد الشملي عن اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحوض المنجمي. وقد لاحظ الوفد أن الدكاكين مغلقة وقوات الأمن منتشرة بكثافة وشاحنات المياه الساخنة مرابطة قرب المعتمدية أين تجمع مئات من المواطنين والمواطنات رافعين شعارات تطالب بإطلاق سراح الموقوفين. وحاول الوفد لقاء السيد المعتمد دون جدوى.
وفي مساء يوم 9 أفريل 2008 أطلق سراح عدد من الموقوفين من بينهم بوجمعة شريطي وعادل الجيار.
وفي 10 أفريل 2008 قامت حوالي 200 إمرأة بمظاهرة طالبن فيها بإطلاق سراح الموقوفين. وفي نفس اليوم تم إطلاق سراح كافة الموقوفين. فاستقبلتهم مدينة الرديف استقبالا يعبر عن الثقة التي وضعتها فيهم.
وفي 12 أفريل 2008 بعث المسؤول عن النظام الداخلي للإتحاد العام التونسي للشغل إرسالية للمسؤول النقابي عدنان الحاجي يعلمه فيها بتجميده لمدة 5 سنوات.

جولة جديدة من المفاوضات مع "اللجنة" واتفاقيات تبعث الأمل وتعزز الإنفراج
وعلى إثر إطلاق سراح الموقوفين ساد جو من الإنفراج خاصة بعد أن أمر رئيس الدولة بنقل السيدة جمعة الحاجي إلى تونس لمتابعة وضعها الصحي عن كثب وبعد لقاءات حوار بين بشير لعبيدي ومسؤول سام وحوار ثان بين عدنان الحاجي والسيد وزير الصحة العمومية، تبعه لقاء ثالث بين عدنان ومسؤول سام. ثم حصل لقاء أخير قبل عودة الرفيق بشير إلى الرديف. وقد تمكن الرفيقان عدنان والبشير من شرح جلية الأوضاع في الرديف والحوض المنجمي وكانا تقدما بمقترحات حلول عاجلة وآجلة.
وعلى أساس هذه السلسلة من اللقاءات وبناء على ما لمساه من تفهم واستعداد لضمان قنوات الإتصال بالسلط المحلية والجهوية وتيسير التحاور مع اللجنة، عاد بشير لعبيدي إلى الرديف ثم لحق به عدنان بعد أن اطمأن على صحة زوجته، وبدأت لقاءات التفاوض. فاستبشر الجميع بالروح التي كانت تحدوها وبالنتائج المحققة والوعود المقدمة.
وبروح تفاؤلية كبيرة جرت الإحتفالات بـ1 ماي التي كانت بمثابة مهرجان شعبي تم فيه تثمين انتداب حوالي 50 شابا من أبناء ضحايا حوادث الشغل بشركة فسفاط قفصة والإتفاقيات المبرمة لفائدة عمال حضائر البلدية. وتمّ إبرام اتفاقية مع مناولة نقل الفسفاط.
وبعد أن تعطلت المفاوضات مع شركة "سوقاص" للحراسة المخصصة لشركة فسفاط قفصة، التي يملكها السيد عمارة العباسي الكاتب العام للإتحاد الجهوي للشغل بقفصة، لعدم حضور ممثل عنها في جلسات التفاوض، التأمت الجلسة أخيرا يوم 26 ماي 2008، بحضور تفقدية الشغل بقفصة ونائب الرئيس المدير العام لشركة الفسفاط مصحوبا بالمدير المالي وممثل عن الولاية ومجموعة من متفقدي الشغل وممثل السوقاص وحضر نيابة عن اللجنة الأستاذ رضا الرداوي. وتم الإتفاق على ترسيم كل عون له أربع سنوات أقدمية وصرف المستحقات المالية الناتجة عن إعادة التصنيف والإلتزام بـ60 ساعة عمل أسبوعية وصرف المنح المدرسية والتعويض للمتضررين من جراء مرض مهني وتأمين جميع الأعوان وتوفير وسائل نقل خارج مناطق العمران واحترام الحق النقابي زيادة على التزام الشركة بعدم اتخاذ أي إجراء ردعي أو تأديبي أو تعسفي ضد أي عون من جراء القيام بالإضراب وخلاص أيام الإضراب كاملة لجميع أعوان الرديف طيلة المدة الفاصلة بين 28 أفريل 2008 و27 ماي 2008.
وكان رافق اللجنة إلى قفصة موكب بـ40 سيارة وواكب جلسة التفاوض في الخارج حوالي 200 عامل. وبموجب هذا الإتفاق علق الإضراب وتجمع مئات المواطنين أمام مقر الإتحاد المحلي للشغل بالرديف في جو احتفالي حتى ساعة متأخرة من الليل.
والجدير بالملاحظة أن الحوار بين السلط المحلية والجهوية قد أسفر عن نتائج إيجابية لفائدة الأهالي منها تشغيل عدد لا بأس به من الشباب في مختلف الآليات وتمكين عدد من حاملي أصحاب الشهائد من بعث شركات مناولة، زيادة على الإتفاقيات المبرمة السابقة الذكر.

استفزاز جديد وعودة للحلّ الأمني وإيقافات ومحاكمات بالجملة وتهم غريبة!!!
سبق وأشرنا للإستفزاز الذي قامت به مجموعة من الشباب لقوات الأمن المرابطة بالرديف يوم 5جوان 2008 والذي استغل لشن حملة واسعة من المداهمات والملاحقات والعنف الموجه ضد الأهالي لترويعهم أتلفت فيها المعدات المنزلية والمدخرات العائلية وألحقت أضرارا بليغة بالمتاجر والمخابز وغيرها. وهجر الشباب المدينة في اتجاه الجبال ونفطة وتوزر ودقاش، خاصة بعد استعمال قوات الأمن الذخيرة الحية يوم 6 جوان 2008.
ثم دخل الجيش مدينة الرديف ليفرض العودة إلى "حالة الهدوء" في الوقت الذي تواصل فيه قوات الأمن بمختلف فرقها ملاحقة الشباب والأشخاص الذين ضبطوا في القائمة منذ القرار الأول بتنفيذ الخيار الأمني في 7 أفريل 2008. وتم إيقاف أغلبية العناصر النشيطة ومثل كل من عدنان الحاجي وبشير لعبيدي أمام حاكم التحقيق بالتهم التي تعرضنا لذكرها في الفقرة الأولى لهذا الكراس.
وبقطع النظر عن الأحكام التي قد تصدرها هيئات المحاكم وعن الإجراءات التي قد تتخذها السلطة فإن المعضلة تبقى قائمة في التهم الموجهة ضد أعضاء "اللجنة المحلية" بالرديف الموقوفين وضد نشطائها. هذه اللجنة التي لعبت دور المؤطر للحركة الإحتجاجية وجنبتها الإنزلاق وراء المسارات الفوضوية وجنبت الدولة الوقوع في فخ منطق الحل الأمني الذي قد كان أدى إلى كارثة أشد وأعنف على الضمير الوطني مما حصل يوم 6 جوان 2008.
لقد ناهزت الحركة الإحتجاجية الستة أشهر ولم تسجل مرة واحدة ضررا حصل بسببها لمواطن أو تاجر أو صاحب مقهى أو صاحب مخبزة....إلخ. وكانت "اللجنة" تصرفت بحكمة وتبصر وتحملت كامل مسؤولياتها في التهدئة وفي تقديم الحلول لمختلف الوضعيات. وكانت مفاوضا للسلط المحلية والجهوية والوطنية وأمضت على اتفاقيات معها. واليوم تصبح بعملها ذاك محل اتهام لأن أعضاءها خطبوا في الناس ووجوههم الوجهة الصحيحة ولأنهم أطروا أهالي الرديف عن طريق النّشطاء ولم يتركوا أي منفذ لأي كان يروم توظيف الحركة واستغلالها ولأنهم قادوا مسيرات سلمية احتجاجية للفت انتباه السلطة لمشاكلهم ومطالبهم الملحة.
إن الحل الأمني جعل السلطة تجرم "اللجنة" التي تحملت مسؤولياتها كاملة في تأطير المواطنين وتنحاز إلى جانب الذين وقفوا ضد كل إمكانية لحل الأزمة بالحوار ودفعوا بكل قواهم في اتجاه الحل الأمني لأنه يضع غشاوة على ما يأتونه من فساد تحول مع الأيام إلى ظاهرة معطلة للتطور والتنمية في الجهة وعمق الفوارق الإجتماعية بصورة استفزازية حيث استثرى بعض الوصوليين بصورة غير مشروعة وخيالية وجعل رقعة الفقر تتوسع بين المواطنين ويتعمق الشعور لديهم بالغبن والضيم حيال رجحان كفة العدل الإجتماعي لصالح أقلية "مستغولة" وكأن لا حول ولا قوة لأحد عليها.
من الطبيعي أن تضع، هذه التغييرات الفجئية في خيارات تعامل السلطة مع الحركة الإجتماعية ومع تعبيرات من المجتمع المدني، في الميزان مسألة المصداقية التي تعتبر الإطار الأمثل في إدارة العلاقة بين الطرفين.

الحركة الإحتجاجية توجه أصبع الإتهام لخيارات الدولة الإقتصادية والإجتماعية وتطالب بتنمية أعدل
لقد كشفت الحركة الإحتجاجية على رؤوس الملإ مسألة التلاعب بانتداب العملة والأعوان بشركة فسفاط قفصة من قبل مجموعة من العناصر المتنفذة في الجهة. وكشفت في سيرها خطورة الفساد الذي مس الأجهزة الجهوية والمحلية للدولة والذي شمل المؤسسات الإقتصادية المتنفذة. وعرت عن الوضع الإقتصادي والإجتماعي والصحي والبيئي الناجم عن الخيارات التنموية التي اتبعتها الدولة وعن وضع عقاري غامض ومتخلف يؤكد وكأن هذه الجهة ظلت منسية ولم تعرف الإصلاحات التي أدخلتها الدولة التونسية الحديثة على نظام الملكية.
وليس غريبا والحالة تلك أن تعادل نسبة البطالة في الجهة مرتين أو ثلاثة موسطها على المستوى الوطني، لأنها ظاهرة مركبة من أربعة مصادر على الأقل:
- أولها يعود لضعف النسيج الصناعي وانعدام المشاريع الكبرى في الجهة القادر على استيعاب جزء من اليد العاملة الجديدة. وهو وضع ناجم عن اختلال التوازن في التنمية الجهوية. ناهيكم أن البنية التحتية للجهة متدهورة بشكل لا تشجع الإستثمارات الخاصة على التوجه إليها. وهو مجال تعود المسؤولية الرئيسية فيه للدولة.
- وثانيها يعود إلى التدهور البيئي للمنطقة جراء غسل الفسفاط الذي يدفع بنفاياتها في الأودية المجاورة وجراء نمط الإستغلال المكشوف وما ينبعث عنه من أتربة وغبار، مما ألحق أضرارا فادحة بالأراضي الفلاحية وبالمائدة المائية وقضى على إمكانيات النشاط الفلاحي لعدد من أبناء الجهة وتركهم دون مورد رزق يصونهم من الفقر والجوع ويحمي كرامتهم.
- كانت شركة فسفاط قفصة ولازالت المشغل الأكبر في الجهة، حيث كانت تعد في أواسط الثمانينات، ما لا يقل عن الـ17 ألف عامل. وبتنفيذ سياسة الإصلاح الهيكلي فقد نزل عدد العاملين فيها اليوم إلى حوالي الـ6 آلاف عامل. وبقطع النظر عما دفعت الشركة من تعويضات للعمال، التي كان الإتحاد العام التونسي للشغل فاوض بشأنها وقبل بها وأمضى عليها، فإن أغلب العمال تحول بعد مدد متفاوتة إلى عاطلين عن العمل لصعوبة بقاء المشاريع الصغرى على قيد الحياة عامة وبصورة خاصة في جهة إمكانياتها محدودة. وتحول هؤلاء إلى العطالة يعني أن عائلاتهم لقوا نفس المصير.
- تفاقم بطالة أصحاب الشهائد التي زادت الطين بلة، حيث كانت العائلات تترقب حصول إبنها أو إبنتها على شهادة عليا تمكنه من شغل كي يصبح عائلا لبقية أفرادها، كما جرت العادة.
إن الجرح الإجتماعي غائر في هذه المنطقة لذلك حطمت الحركة الإحتجاجية في بلادنا كل الأرقام القياسية وكانت حركة أهلية بأتم معنى الكلمة. ومدلولها الرئيسي هو صيحة: كفى حرمانا ! كفى فسادا! من أجل تنمية أعدل!
"الحركة الإحتجاجية" كانت حركة شعبية
"محتجة" على وضع سيّئ ومطالبة بتحسينه
لقد سمعنا وقرأنا وشاهدنا متدخلين عديدين حول الوضع في الحوض المنجمي فكان أغلبهم يعتبر أن ما يجري هناك هو بداية الحريق واعتبره البعض الآخر "بروفة" أولى تجري على الركح السياسي بصدد الإعداد لزعزعة أركان النظام. ولا تعدو أن تكون هذه التهويمات سوى أضغاث أحلام رفض الواهمون مبارحتها حتى بعد حوالي الـ6 أشهر من تواصل الحركة دون أن تخرج حتى إلى عاصمتها "قفصة". والسبب في ذلك ليس "رجولية أهالي الجنوب" الذين يرفضون الظلم والحبف والتعدي وليس أيضا في أن بقية الجهات لا تعاني البطالة ولا تواجه الحاجة والفقر ولا تشهد ثراء فاحشا لبعض الوصوليين ولا تعرف فسادا، سواء أكانت محظوظة أو محرومة من تنمية جهوية عادلة، بل لأن مختلف أوجه الحياة الإقتصادية والإجتماعية والصحية والبيئية والثقافية بلغت فيها حدا لم يعد مقبولا من قبل التجمعات الأكثر حرمانا وشعورا بالحيف والظلم المسلط عليها. وبما أن بقية الجهات والأوساط الإجتماعية مازالت لم تبلغ درجة البؤس والشعور بالبؤس التي بلغتها بعض مدن الحوض المنجمي، فإنها لم تقدم على التحرك بشكل شعبي. وكل ما لاحظناه في السنوات الفارطة هو اعتصامات وإضرابات جوع وإضرابات عن العمل يقوم بها العمال احتجاجا على غلق مصنع أو الزيادة في الأجر أو تحسين ظروف العمل...إلخ. مما يعني عموما أن الأوضاع العامة للشعب لم تبلغ درجة لم يعد فيها غير قابل العيش كما في السابق.
كما أن السلطة عرفت كيف تسير الشؤون الإقتصادية والإجتماعية، في ظل أوضاع عالمية متقلبة، بشكل حمت الإقتصاد من هزات عنيفة تكون أرضية لقيام حركات احتجاجية واسعة. ومن الأكيد أنه بين أيديها مخارج عديدة وإمكانيات تسمح لها بمواصلة تهدئة الأوضاع والتحكم فيها.
لذلك كانت "الحركة الإحتجاجية" تعبر عن رفض أهالي الحوض المنجمي لأوضاعهم السيئة وعن مطالبة الدولة بالعناية بهم وإخراجهم من حالة البؤس والفاقة التي يعيشونها. ولم تكن موجهة ضد السلطة. هكذا أراد المواطنون أن تكون حركتهم. لذلك كونوا لجنة ممن يثقون بهم للتفاوض مع السلط المحلية والجهوية والوطنية. فكانوا في مستوى المسؤولية وحققوا مكاسب تذكر للأهالي. ومن مصائب الدهر أنهم الآن يقبعون في السجون لأنهم مثلوا أهاليهم أحسن تمثيل.
لكن بما أن دعاة الحل الأمني يعتبرون أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ينبغي أن تكون قائمة على "ميثاق الخضوع" و"الطوعية" الذي يسلم المحكوم بموجبه أمر إدارة شأنه والشأن العام للحاكم. وفي حالة "الإحتجاج" يعتبر ذلك خروجا منه على "روح الميثاق" وبالتالي يعرض نفسه للعقاب المحتوم. وبفعلته تلك يكون قد مس من هيبة الحاكم، أي من هيبة الدولة، باعتباره يرمز لها ويمثلها. وأهالي الحوض المنجمي وأهالي الرديف بوجه خاص ولجنتهم يسلط عليهم العقاب اليوم لأنهم "احتجوا" وطالبوا السلطة بمقاومة الفساد ومحاسبة الراشين والمرتشين، بدعوى أنهم مسوا من "هيبة الدولة".
إن الذين مسوا من "هيبة الدولة" فعلا، هم أولائك الذين حاولوا إفساد هيئاتها المحلية والجهوية، هم أولائك الذين دفعوا ويدفعون في إحداث شرخ بين المواطن في الحوض المنجمي والدولة وتحويل العلاقة بين الطرفين إلى علاقة عداء، من خلال دفع الإحتقان إلى أقصاه.
إن أهالي الحوض جزء من هذا الشعب الأبي وممثليهم من أبنائه البررة وتاريخهم شاهد عليهم فهم لم يبحثوا عن الثراء ولا عن النجومية السياسية لذلك لم يلتفتوا لسفارات أجنبية وحرصوا على أن تبقى حركة أهاليهم في إطارها الطبيعي وفي حجمها الحقيقي ولم يسمحوا لأي كان بأن يخرج بها عن إطار مصلحة الأهالي وعن المصلحة الوطنية.
وهم بذلك صانوا "هيبة الدولة" ولم يضعوها في "المزاد العلني" كما يفعل البعض من "فطاحلة" السياسة في السلطة أو المعارضة.

هل من إمكانية لاستغلال الحركة الإحتجاجية من قبل "التيارات السياسية المتطرفة اليمينية واليسارية"؟
لقد ذهب إلى ظن البعض أن وجود الخمارات واللحي وشعارات "الله أكبر!" وتصريحات الغنوشي والبيانات الصادرة عن حركة النهضة دال على أن هذه الأخيرة بصدد توظيف الحركة لفائدتها وتوجيهها كي تتحول إلى حركة احتجاجية تحت قيادتها ومن ثم يجري توسيعها لتشمل مناطق أخرى. والحقيقة أن هذه الحركة ذات عمق اجتماعي لا شك فيه، لذلك يكون من العسر بمكان أن تتمكن حركة ذات أصول دينية من مجارات نسقها والقبول بتنوعها ومتابعة تعرجاتها. وزيادة على ذلك فإن لجنتها التأطيرية وسائر النشطاء العاملين معها من النقابيين ذوو أصول يسارية وقومية في أغلبهم. مما يؤكد أن الحركة الإحتجاجية لا يمكن أن تستغلها حركة توظف الدين بأي شكل كان.
أما عن استغلال "حزب العمال" للحركة فإنه بكل تأكيد لم يتجاوز المستوى الإعلامي الذي حاول الظهور به على أنه الفاعل في الحركة والمحرك لدواليبها. والحقيقة كل الحقيقة هي أنه كان يتبعها ويتابعها من بعيد مثله مثل الأحزاب الأخرى. وكانت محاولات توظيفه الإعلامية لها سيئة، حيث استغل قناة "الحوار التونسية" لإظهار الرفيق عدنان الحاجي وكأنه مناضل ينتمي لـ"حزب العمال" والحال أنه مناضل يساري مستقل ونقابي معروف ولمسح الرفيق بشير لعبيدي من مسرح الأحداث ولما يجد نفسه مضطرا للإعلام عليه يشوهه بألف شكل وشكل. ناهيكم أن عمار عمروسية صرح لقناة الحوار اللندنية الإخوانية أن الرفيق بشير لعبيدي، قبل إيقافه، كان "يهيم في الجبال" و"أنه سيقدم في الساعات الموالية طلبا في اللجوء السياسي بقنصلية الجزائر بقفصة!!!". وكأن بشير لعبيدي منبت لا جذور له ومستعد للإرتماء بين أحضان السفارات، مثله مثل أي جبان يطلب حماية أجنبية.
أما العناصر اليسارية، التي تتعاون مع "حزب العمال"- إن صح القول- والتي أراد أن يجعل منها عنصر الإتصال القار بين الحركة والمجتمع المدني والإعلام وتجاوز "اللجنة" المنتخبة جماهيريا، فإنها لم تخرج قط عن المواقف التي تتخذها "اللجنة". وهكذا ظل "حزب العمال" يجري وراء الحدث دون أن يفعل فيه.
وقد أثارت انتباهنا افتتاحية جريدة الصحافة لما أشارت إلى أن تيارات متطرفة يسارية ويمينية تسعى إلى توظيف "الحركة الإحتجاجية" سياسيا. وكنا اعتبرنا الفكرة القائمة عليها خطيرة باعتبارها تبرر للحل الأمني. وفعلا لم تمض مدة حتى حدث المنعطف الخطير في الوضع الذي نحن بصدده.
وأمام استحالة استغلال الحركة الإحتجاجية من قبل "التيارات السياسية المتطرفة اليمينية واليسارية" تصبح مثل هذه القراءات للأوضاع قدت لتبرر الخيار الأمني في معالجة الملفات الإجتماعية والسياسية. وهي قراءات لها عواقب وخيمة على الأوضاع في البلاد، لأنها تكثف من التوتر بين الدولة والشرائح الإجتماعية المتضررة في هذا القطاع أو ذاك وفي هذه الجهة أو تلك وبين الدولة ومكونات المجتمع المدني المستقلة والميالة إلى المحافظة على استقلاليتها وتحدث هوة تتسع باستمرار بين الحاكم والمحكوم إلى درجة بلوغ حد لا يمكن أن نتنبأ بالمخرج منه.
بينما تدخل الدولة برموزها السياسية، أو المعارضة، بالحلول السياسية والإقتصادية والإجتماعية من شأنه أن يخفف من الإحتقان المفتعل ويفتح الطريق أما سبل التطور الطبيعية التي تلعب فيها الديمقراطية والحرية السياسية دور المعدل باستمرار كي يستفيد المجتمع من كل إمكانياته الكامنة.

كيف تصرّفنا نحن، الحزب الإشتراكي اليساري، مع "الحركة الإحتجاجية" بالرديف؟
ليس غائبا على أحد أن رفيقنا بشير لعبيدي عضو قيادي في الحزب الإشتراكي اليساري وأن نشاطه السياسي والنقابي انطلق من الرديف منذ أن انتدب مربيا في التعليم الإبتدائي. لقد انتمى لمنظمة العامل التونسي في أواسط السبعينات ثم كان ضمن العناصر الأساسية المؤسسة لـ"حزب العمال" وانتمى إلى قيادته. وكان عضوا مؤسسا للحزب الإشتراكي اليساري وفي قيادته.
ولا يمكن لأحد أن يتجاهل الدور الذي لعبه في الحياة النقابية بالرديف وبجهة قفصة في مختلف القطاعات بما فيها نقابات المناجم وعلى النطاق الوطني.
وزيادة على ذلك فإن الرفيق لم يكن غائبا عن أي حدث استجد في المنطقة. وكان أصدر بيانين باسم الحزب الإشتراكي اليساري واحدا حول البطالة ونتائج المناظرة وما يمكن أن ينتج عن التلاعب بها والآخر حول غلاء الأسعار وانعكاسه على الوضع المعيشي للناس.
ومنذ اللحظات الأولى لظهور الإحتجاج والتذمر لدى الأهالي تبادل الرأي مع رفيق دربه الرفيق عدنان الحاجي حول كيفية التهيؤ لما يمكن أن تفرضه عليهما الأوضاع كي يتحملا مسؤوليتهما كاملة تجاه مطالب الأهالي.
وكنا أكدنا في نقاشاتنا مع الرفيق بشير على أن نلتزم في تمشينا السياسي بالدفاع عن مصالح أهالي الحوض المنجمي وأن نراعي المصلحة العليا للوطن وأن نبتعد كل البعد عن صيغ التوظيف الساذجة لتسجيل نقاط ضد السلطة أو ضد أي كان. ووقفنا ضد كل من حاول استغلال التحركات لمصالحه السياسية الضيقة. وبذلنا جهدا لإقناع الفاعلين والمتدخلين في الوضع بأن المزايدة والحلول الأمنية لن تخدم أحدا وقد تكون نتائجها وخيمة على البلاد والعباد.
لكن المصالح القائمة والكامنة في الجهة أكبر من أي إرادة سياسية وطنية حقا وشعبية حقا، ولأصحابها من التنفذ ومن إمكانيات الإستفزاز والفبركة بما يسمح لهم بالتمويه والمغالطة وجر السلطة في خيارات متناقضة مع تمشيها الأصلي، الذي كنا شاهدين عليه، بحيث أنها ظلت لما يقارب عن الـ5 أشهر دون أن تلجأ للحل الأمني. وهو تصرف نادر في السياسة التونسية.
وفي كلمة كان خيارنا السياسي هو أن نكون باعتبارنا مناضلي ميدان مع الناس مدافعين عن مصالحهم بثبات وتماسك، دون أن نساوم بخدمات خاصة أو بتأشيرة للعمل القانوني لحزبنا أو ما شابه ذلك، سواء في التهدئة أو في المسيرات والإضرابات والإعتصامات أو في المفاوضات أو في التحاور.
نحن ندافع عن الإتحاد العام التونسي للشغل لكننا نتمسك بحقنا في النقد
لم تعجب تدخلات بعض الرفاق في حملات المساندة للحوض المنجمي لأنها تعرضت بالنقد للمركزية النقابية التي كانت تجاهلت نداءات النقابيين بمعتمدية الرديف التي طالبتها بالتدخل لوضع حد لما قام ويقوم به الكاتب العام للإتحاد الجهوي بقفصة ونقابات المناجم الموالية له.
لقد توجهت نقابات الرديف بعريضة إلى الأمين العام للإتحاد وإلى الكاتب العام للإتحاد الجهوي بقفصة من أجل إيقاف هذه المهزلة وفتح تحقيق جدي حولها. ونقدم للرأي العام البعض مما ورد فيها:
1- وقع إسناد حصة من العدد المنتدب للنقابيين المباشرين... وقد شارك المعنيون بهذه الحصة مشاركة صورية في المناظرة...
2- ...إن هؤلاء النقابيين قد تمتعوا بحصص مماثلة في دورات سابقة....
3- حصول النقابيين على حصص خاصة بهم أدى إلى انتداب أشخاص من عائلات ميسورة العديد منهم يدير مشاريع معروفة تجارية وغيرها.
4- انتداب ابنة نقابي ما تزال تدرس بالسنة الثالثة ثانوي في حين أن أساتذتها بالمعهد الحر مازالوا عاطلين عن العمل.
5- انتداب ابنة الكاتب العام لنقابة المنجم سابقا وابن أخيه وقد تمتع بحصة تشغيل في الدورة السابقة فشغل ابنته وابن أخيه وابني خالتيه.
6- انتداب ابن نقابي مطرود من الأمن وقد وقع انتداب أخيه في الدورة السابقة.
7- عضو النقابة الأساسية ....كان يعمل بمقتصدية المنجم وبعد غلقها وقع تمتيعه بمنحة طرد ....بعد ذلك وقع إعادة انتدابه بشركة فسفاط قفصة ...
8- بقية أعضاء نقابة المنجم انتدب كل واحد منهم ابنه أو ابنته رغم أن أحوالهم ميسورة ويتقاضون أعلى رواتب في الشركة.
9- البعض ممن انتدب يعمل بوظائف أخرى(اتصالات تونس، جامعة توزر، شركات خاصة...) تركوا هذه الوظائف القارة وزاحموا العائلات المحرومة.
10- انتداب بعض الأشخاص من خارج المعتمدية
11- انتداب أخوين من عائلة ميسورة في نفس الوقت وعازبين.
13- كان المقرر حسب بلاغ المناظرة انتداب 81 عونا إلا أنه تم الإعلان عن انتداب 64 فقط فأين البقيّة الـ17.....؟............
وتوجهت العريضة في ختامها بنداء إلى "الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل"... "لإرسال وفد نقابي وفتح تحقيق في فساد نقابات المناجم ومحاسبتها".
لقد اعتبرنا أن للمركزية النقابية مسؤولية في الوضع، حيث كانت على علم بشيء مما كان يحدث وكان بإمكانها التدخل بشتى الطرق. ونحن لا نرى في مثل هذا النقد أو غيره عداء للإتحاد أو لقيادته بل هو حقنا الطبيعي، حيث نرفض المقدس السياسي أو النقابي أو....أو ذواتنا. نحن نعارض السلطة وننقدها فهل من المعقول ألا تقبلوا بنقدنا لكم، خاصة وأنه مدعم بأدلة وشواهد لا يطالها شك.
أما فيما يتعلق بالسيد الكاتب العام للإتحاد الجهوي بقفصة فتلك قصة أخرى. نحن نعتبر أنه من الأجدر به أن يتوجه إلى نقابة الأعراف، إذ يعرف القاصي والداني أنه صاحب شركة مناولة الحراسة لشركة فسفاط قفصة. ومثل هذه الوضعية تمس بهوية الإتحاد العام التونسي للشغل وبرسالته. ونطرح عليكم السؤال المحرج هل من حق مسؤول نقابي في المنظمة الشغيلة، الذي من المفترض أن يكون مدافعا عن العمال أمام التجاوزات والإنتهاكات التي يقوم بها الأعراف، يكون هو نفسه عرفا يستغل العمال وبطريقة خليقة ببدايات القرن الماضي وما قبلها؟ ويكمن أساس هذا التناقض في أن التمثيل النقابي قائم على أساس مهني، فلأي مهن ينتمي هؤلاء النقابيون- الأعراف كي يجدوا أنفسهم بقدرة قادر يمثلون العمال ويدافعون عن مصالحهم؟
وزيادة على ذلك فإن لنا مع السيد الكاتب العام مشوار طويل. لقد كنا عارضناه في السابق، في عهد الأمين العام السابق للإتحاد العام التونسي للشغل السيد إسماعيل السحباني. إذ كنا، مع ثلة من النقابيين شكلنا أغلبية داخل الإتحاد الجهوي طالبت بتحوير المهام. ورغم علاقاتنا الطيبة مع الأمين العام السابق وقتها فقد أقدم على تغيير النظام الداخلي بشكل أصبح يشترط حصول أغلبية الـ2/3 من أعضاء المكتب التنفيذي الجهوي. ومنذ ذلك الحين صال وجال كما طاب له وحاول قتل كل نفس نقابي تقدمي في الجهة. ولم يتمكن من الصمود في وجهه سوى الديناصورات. ومنذ ذلك الحين واجهناه باعتباره شخص معاد للشغالين وتتوقف علاقته باتحاد الشغل في حدود المصالح الخاصة والمنافع التي يحصل عليها من موقعه ذاك.
وفي هذا المستوى لا يجوز الخلط بينه وبين اتحاد الشغل ولا بينه وبين سائر النقابيين. ونحن لا نخلط في هذا الشأن. وليتحمل كل صاحب مسؤولية مسؤوليته!!!

وخلاصة القول
إن ما حققته "اللجنة" من مطالب لفائدة أهالي الحوض وأهالي الرديف ليس بالحجم الذي يقدر على خلق مناخ اجتماعي جديد.
فالجهة في حاجة على تشغيل ما لا يقل عن 10 آلاف عاطل من أجل إعادة بعث الأمل فيها من جديد وتمكين كل عائلة تقريبا من دخل قار يضمن لها شيئا من الكرامة. وهو شأن من مشمولات الدولة باعتباره يستوجب استثمارات كبرى يعزف الرأسمال الخاص على القيام بها.
ونحن نعتقد أن التفكير في تطوير الإستثمارات في المجال المنجمي على طول الخط الغربي للبلاد التونسية بإمكانه أن يصبح عامل تنمية فعال، إذا تم ربطه بالمجالات الصناعية المتولدة عنه، خاصة وأن أسعار المواد الأولية تضاعفت بشكل حول المناجم إلى قطاعات مربحة.
وفي الجهة أراضي فلاحية يمكنها أن تتحول إلى مطمورة تساعد البلاد على ضمان اكتفائها الذاتي لو توفّرت الإستثمارات الضرورية لذلك وتمت تسوية وضعها العقاري.
إن الجهة في حاجة إلى قطب صحي، أي مستشفى جامعي، يخفف عن المواطنين مشاق التنقل إلى صفاقس أو سوسة أو تونس للتداوي.
وهي في حاجة أيضا إلى إجراءات بيئية صارمة فيما يتعلق بالتلوث الذي تحدثه شركة فسفاط قفصة جراء أسلوب الإنتاج المفتوح وغسل الفسفاط دون الإكتراث بالأراضي الفلاحية والمائدة المائية.
كما أن الجهة في حاجة ماسة إلى تحسين طرقاتها ومساكنها وتسوية ملكيتها وإلى بعث مناطق خضراء فيها ومسالك صحية تجعل من المنطقة موطنا يطيب فيه العيش ويحسن من نوعية الحياة فيها.
تلك هي بعض محاور البحث والتفكير. لكن الأمر الأكثر أهمية هو مقاومة الفساد الذي بدأ ينخر الجهة ويعطلها على أن تصبح قطب تنمية ويعمل على حرمانها من طاقاتها المؤطرة كي يتفرد بأهلها يفعل بهم ما يشاء خدمة لمصالح أقلية قليلة من "المستغولين".
ولا يمكن أن يحصل ذلك وأحرار الجهة في السجون.
ولكل ما سبق ذكره فإننا نتوجه بنداء إلى أصحاب القرار في السلطة بدء برئيس الدولة نطالب فيه بطي صفحة الحوض المنجمي وإطلاق سراح من حوكموا وإيقاف التتبع في شأن البقية واتخاذ إجراءات تاريخية تعيد الإعتبار لجهة معطاء أنتجت وتنتج الثروة بسخاء وتأمل أن تنال حظها من التنمية وأن ينعم أهلها بالعيش الكريم وأن يفخروا بانتمائهم لوطنهم.


تونس في 12 جويلية 2008


.الحزب الاشتراكي اليساري التونسي

ملاحظة : لا زال مناضلوا الحركة يقبعون في السجون بتهم باطلة

معا من اجل الجمهورية الديمقراطية

تحيّة بالمناسبة
تحتفل تونس يوم 25 جويلية 2007 بالذكرى الخمسين للإعلان عن الجمهورية، ويتوجه الحزب الإشتراكي اليساري، بتهنئة الشعب التونسي بهذه المناسبة، باعتبارها مثلت خطوة تاريخية قطعها على درب تحرره وانعتاقه. كما لا يفوته أن يتوجه بتحية تقدير للذين أقدموا على اتخاذ قرار الإعلان عن الجمهورية وأن ينحني إجلالا وإكبارا للشهداء الذين وهبوا حياتهم من أجل استقلال هذا الوطن ولرجال الفكر والسياسة والمناضلين الذين شاركوا في الحركة الوطنية. ويتوجه الحزب الإشتراكي اليساري أيضا بتحيّة إكبار وتقدير للأجيال المختلفة من اليسار والحركة الديمقراطية التي ظلت طوال الخمسة عقود المنصرمة مدافعة، بهذا القدر أو ذاك، عن قيم ومبادئ النظام الجمهوري وكابدت من الحيف السياسي وعانت من القمع الشيء الكثير.
ويعتقد الحزب الإشتراكي اليساري أنه من واجب الجمهوريين، في مثل هذه المناسبة، أن يضعوا الجمهورية، التي تمّ الإعلان عنها في 25 جويلية 1957، في ميزان التاريخ، وأن يراقبوا تطورها والآفاق التي يمكن أن تفتح عليها.

للإعلان عن الجمهورية
جذور في الحركة الوطنية
وأبعاد إصلاحية
رغم أن الحركة الوطنية لم يكن لها تصور واضح عن النظام البديل للدولة البايوية- الإستعمارية، ورغم أنها لم تطرح على نفسها إنجاز المهمة الديمقراطية، شأنها شأن سائر الحركات التحررية في العالم، فإن الشعب التونسي قد خاض نضالات عديدة من أجل تحرره السياسي والإجتماعي. فقد نظّم العمال أولى إضراباتهم وكوّنوا أولى نقاباتهم، منذ مطلع القرن الماضي، توّجوها بإنشاء حركة نقابية وطنية، في أواسط العشرينات، بزعامة محمد علي الحامي. وقد تطورت هذه الحركة وتأصلت في مواجهة القمع الإستعماري وفي الدفاع عن مصالح العمال إلى أن أصبحت القلب النابض للحركة الوطنية، وعلى الأخص بعد ميلاد "الإتحاد العام التونسي للشغل" بقيادة الزعيم النقابي فرحات حشاد.
كما ناضلت النخب التونسية، في ظل الإستعمار، من أجل حرية الرأي والصحافة. فقد بعثت صحفا عديدة، اجتماعية وثقافية وهزلية، وأخرى سياسية، إصلاحية ووطنية واشتراكية وشيوعية...الخ. وقد تعرضت للمحاكمة والمنع، مما اضطرها إلى الإحتجاب، في أغلب الحالات.
وكانت قضية حرية المرأة حاضرة في النضال الإجتماعي، من خلال تكوين جمعيات نسائية تونسية، منها المستقلة ومنها القريبة من الحزب الحر الدستوري أو من الحزب الشيوعي التونسي، ومن خلال النضال الفكري والعقائدي الذي تزعمه الطاهر الحداد، حول معركة السفور وحقوق المرأة.
وخرج الشعب التونسي منذ 9 أفريل 1938 إلى الشارع مطالبا بـ"برلمان تونسي"، زيادة على مطالبة العديد من القوى السياسية الوطنية بحق التونسيين في التمثيل البلدي.
وعلى إثر الإعلان عن الإستقلال وتولي الحزب الحرّ الدستوري الحكم أقدم، بقيادة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، على جملة من الإصلاحات التي كان لها أثرها البالغ على المجتمع التونسي وحددت ملامح تطوره.
فقد دعا إلى انعقاد المجلس التأسيسي لمناقشة مشروع دستور للبلاد وأصدر مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956وأعلن في 25 جويلية 1957 عن قيام الجمهورية بدلا عن البايوية، وألغى نظام الحبس وتصدى لظاهرة الزوايا، ووحد نظام التعليم وجعله عصريا وألغى التعليم الزيتوني، ووحد القضاء وجعله هو الآخر عصريا وألغى القضاء الشّرعي، وجعل من الأسرة الضيقة الأساس الذي يقوم عليه المجتمع التونسي بدلا من العشيرة والقبيلة....الخ.
وهي إصلاحات، منها ما كان مطمحا من مطامح الشعب التونسي ومنها ما كان حلم نخبه. فقد أحدثت، بعمق نفوذها نقلات نوعية في المجتمع التونسي، باعتبارها هزّت بناءه وأعادت هيكلته طبقا للأهداف التي أهّلته إلى قطع خطوة جدّية على طريق الإرتقاء الحضاري.


الإعلان عن قيام الجمهورية مثّل نقلة تاريخية، لكن... !!
يعدّ المرور بالدولة التونسية من النمط الإقطاعي- الإستعماري إلى الجمهورية، نقلة سياسية نوعية حققتها شعوب أخرى عن طريق الثورة السياسية والإجتماعية.
وبما أن هذا التّحول حدث وكأنه تتمّة للإستقلال بإزاحة الباي، الذي عرف بتعاونه مع الإستعمار، ومعه تمّ إلغاء البايوية، وبما أنه لم يكن نتيجة حركة جمهورية واسعة أو نقاشات معمّقة داخل الحركة الوطنية مكنتها من أن تأخذ على عاتقها إنجاز المهمة الديمقراطية تماما كما تحملت المهمة الوطنية، وبما أن هذا التحول كان نتيجة فكرة رائجة لدى النخب، تأثرا بالثقافة الفرنسية، وبفعل قيادة سياسية متبصرة للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، فقد كان من الطبيعي والمنطقي أن تحمل الجمهورية في ذاتها، وهي تتحوّل إلى أمر واقع، مواطن ضعف كبيرة تعرقل قوة فعلها التاريخية في المجتمع وتحدّ من نفوذها وتأثيرها في الحياة السياسية.
واحتكاما لقيم ومبادئ وآليات النظام الجمهوري فإننا نعتقد أن تعطّل التحول الديمقراطي للجمهورية يعود لسببين رئيسيين لهما صلة مباشرة بظروف النشأة وبالمفهوم "الكمالي" و"البونابارتي" للسلطة، الذي كان يتبناه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، والذي يتعارض مع المفهوم الديمقراطي للجمهورية. وهذان السببان هما:

أولا: عدم إخراج الدين من دائرة السياسة بشكل حاسم
لقد كان توجه السلطة الجديدة لما بعد الإستقلال، هو التضييق في مجالات تدخل الدين في الشأن العام عن طريق إلغاء الحبس والمحاكم الشّرعية وإلغاء التعليم الزيتوني وإلغاء دور قضاة المذاهب والإفتاء والأئمة في علاقة بالسياسة وبالسلطة السياسية، وأعادت صياغة علاقته بالدولة، في أفق الإعتماد عليه لأغراض تعبوية حينا ومجاراة العقائد العامّية أحيانا أخرى واستمالة الشقّ المعتدل من رجال الدين ومجانبة الضغوطات التي كانت تمارسها السعودية ومصر على بلادنا، من جهة ثالثة.
ويعتبر هذا التوجه مكسبا من المكاسب الجوهرية التي تحققت في بلادنا دون غيرها من البلدان العربية. وقد كان بإمكانه أن يكون مرتكزا لتطوير بناء الجمهورية على أسس علمانية صريحة وواضحة. كما كان بالإمكان إخراج الدين، باعتباره شأنا خاصا للإنسان الفرد في علاقة بمعتقده، بشكل حاسم ونهائي، من دائرة السياسة التي هي شأن عام مشترك بين الناس. لكنه ترك الباب مفتوحا، على مصراعيه، أمام إمكانيات توظيف الدين في السياسة من جهة السلطة أو المعارضة. ووفّر المبرر "المنطقي" لظهور معارضة سياسية باسم الدين، ولإمكانية الخلط، من جديد، بين الدين والسياسة. وسمح لضغوطات تيارات الردة، بقطع النظر عن الشكل الذي تظهر فيه، أن تتعاظم وتتكثّف بشكل أجبرت به التوجه العلماني لدولة الإستقلال أن يضمر أكثر، مما جعله عرضة للمراجعة، كلما تعقدت الأوضاع السياسية.

والثاني: أن الجمهورية لم تتقمص شكلها الديمقراطي الصميم
ولتوضيح هذه المسألة، لا بدّ من البدء بالتفريق بين أنماط الدولة المتعارف عليها تاريخيا وهي أربعة على العموم: الدولة العبودية والدولة الإقطاعية والدولة الرأسمالية والدولة الإشتراكية. وفي إطار كل نمط تاريخي تظهر أشكال متباينة للدولة. ويتحدد الشكل الذي تتجلى فيه الدولة عن طريق بنيتها ومجموع أجهزتها ومؤسساتها والعلاقة القائمة عليها والمتبادلة فيما بينها، وعن طريق شكل الحكم فيه ونظامها السياسي، وهي العناصر التي سوف نعود لها بالتقييم للوقوف على المواطن التي ينبغي التوجه إليها بالإصلاح للمساهمة في التحول الديمقراطي للجمهورية:

1- جهاز الدولة وبنيتها
ونعني بجهاز الدولة، مجموع الأجهزة والمؤسسات التي أنشئت للقيام بوظائف الدولة، وهي الرئاسة والحكومة والبرلمان والإدارة والأمن والقضاء والجيش والإعلام....الخ. وقد تأسست دولة الإستقلال باعتبارها دولة حديثة وفي قطيعة مع الدولة البايوية التي كانت في جوهرها دولة إقطاعية، يحكم فيها الباي باسم الله وباسم العائلة الحسينية.
أما بنيتها، أي كيانها الإقليمي السياسي ووضعية أجزائها ونظام علاقة الأجهزة المركزية بالأجهزة الجهوية والمحلية، فقد خضعت لآليات الدولة الموحدة، حيث تسري سلطاتها بالكامل على كافة أراضيها، فيما تخضع السلطات المحلية للسلطة المركزية. وهو بناء يتناسق مع الدولة الرأسمالية العصرية، وهو خطوة تقدمية، منظور إليه من زاوية التطور التاريخي.

2- شكل الحكم
ونعني به الكيفية التي تمّ بها تنظيم السلطة العليا للدولة وأجهزتها، أي رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان والسلط الثلاثة: التشريعية والقضائية والتنفيذية، والكيفية التي تمّت على أساسها صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وبما أن الأصل في النظام الجمهوري هو انتخاب أجهزة السلطة العليا وجعل الجهاز التمثيلي صاحب القرار في كل ما يهم الشؤون العامة، فإن النظام الرئاسي، إذا لم يكن معدلا بالسلطتين التشريعية والقضائية، وإذا لم يوجد توازن بين الرئاسة والحكومة، سرعان ما يتحول إلى حكم فردي. وهو ما وقع بالفعل للجمهورية في تونس، حيث تحولت الرئاسة إلى المركز الفعلي للسلطة الذي يتمثل فيه النظام الجمهوري. وقد كان الرئيس بورقيبة شغل منصب رئيس الدولة ورئيس الحكومة، باسم الدستور، فمركز بين يديه كل السلطة التنفيذية.
ورغم محاولات التعديل بين السلطات التي ظهرت في النصف الأول من السبعينات، من خلال إعطاء صلاحيات أوسع للحكومة وسلطة أوسع للبرلمان لمراقبة الحكومة، فقد تمّ الحد منها بإعطاء رئيس الدول حق حلّ البرلمان والحكومة وأدرجت الرئاسة مدى الحياة ضمن القوانين الدستورية. ولم تغيّر التنقيحات والإستحداثات التي أدخلت على الدستور وفي المجال التشريعي جوهر العلاقة القائمة بين مؤسسات الجمهورية.
أما من جهة الخطوات التي قطعها نظام الحكم في اتجاه الإيفاء بمميزات النظام الجمهوري، ومن بينها قيامه على المواطنة، فقد أقدم على خطوة حاسمة في إقرار المساواة بين المرأة والرجل كرّسها في إصدار مجلة الأحوال الشخصية، وألغى المراتب وأقرّ المساواة بين المواطنين في الحقوق السياسية وأمام القانون، بالتنصيص عليها في الدستور ومن خلال توحيد القضاء وجعله مدنيا ووضع منظومة قانونية صادق عليها المجلس التشريعي، مستوحاة في جوهرها من تشريعات الدول المتقدمة.
غير أنّ التشريعات ضيقت في مجال الحقوق السياسية، لمّا منحت الإدارة صلاحيات كبرى في التصرف بشأنها ولمّا جعلت الأحكام الدستورية تابعة في التنفيذ للأحكام التشريعية. الشيء الذي عطل تحوّل الحقوق السياسية إلى "حقوق طبيعية" مشاعة في المجتمع لا تقبل المراجعة.
ونخلص إلى القول أن شكل الحكم أعاق هو الآخر الجمهورية على أن تأخذ شكلها الديمقراطي.


3- النظام السياسي
والنظام السياسي هو كافة الهيئات التي تشارك في تشكيل أجهزة الدولة وتؤثر فعليا في نشاطها، بما فيها الأحزاب السياسية، في السلطة أو في المعارضة، معترف بها أو غير معترف بها قانونا.
ويمكن أن نتعرف على خصائص نظام سياسي معيّن من خلال الصلاحيات الممنوحة لأجهزة السلطة، ومن خلال نوعيّة العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع المدني وعلى وجه الضبط بالأحزاب السياسية، وعن طريق مكانة الرأي العام لدى الدوائر المسؤولة في السلطة العليا للدولة، عند التفكير والتخطيط واتخاذ القرار، وأخيرا عن طريق المكانة التي تعطيها الدولة للمواطنة في إدارة الشأن العام والمكانة التي يحتلها الفرد في المجتمع...الخ.
ومن زاوية تقييم الخمسين سنة للإعلان عن الجمهورية، فإن التغييرات التي شهدها النظام السياسي ظلت محكومة بالأوضاع السياسية الظرفية التي مرت بها البلاد عموما، ممّا جعلها عاجزة على أن تخرج به عن الأسس التي وضع عليه في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات.
لقد مكّن التصور العام الذي تأسس عليه النظام السياسي السلطة التنفيذية من سلطات واسعة جعلتها تحوز على سلطة القرار في كل ما يتعلق بالشأن العام، ولم تترك للسلطتين التشريعية والقضائية سوى مجالات محدودة، مما أبقى تأثيرها في الحياة السياسية مكيفا بالموقف التنفيذي. وليس هذا فقط، بل إن الحزب الحرّ الدستوري- التجمع الدستوري الديمقراطي، اليوم- منذ أن وصل إلى السلطة، في 1956، تفرّد بالحكم ولم يترك مجالا للتعددية الحزبية وربط المنظمات والجمعيات بمواثيق جعلتها تتعاون معه حصرا.
وزيادة على ذلك، فقد نما وترعرع خلال الخمسين سنة المنصرمة بشكل أصبحت شعبه في كل مكان، في الأحياء الراقية والأحياء الشعبية، في المدينة والريف وفي الصحاري والجبال. كما تمكن من بسط ظلاله على الإدارة في جميع المستويات، بحيث لم يعد من السّهل على المواطن العادي قضاء شأن دون العودة إليه، فما بالكم بالإنتخابات التي ينزل فيها بكل ثقله.
والوضع نفسه بالنّسبة للإعلام، الذي من شأنه أن يكون مرآة لما يختلج لدى الرأي العام من آراء ومواقف وهواجس، والذي من المفروض، في نظام جمهوري، أن تعتمد عليه السلطة في تحديد اختياراتها ومخططاتها ومواقفها. غير أن حاله يستحق الرثاء. فقد قبلت به السلطة طيّعا وغير مشاكس، يعيد صياغة "الرأي العام" حسب مواقفها وحاجياتها. وقبلت في الوقت نفسه بمواطن طيّع ترك أمره بين يديها.
لذلك لم تجد السلطة نفسها في حاجة إلى تطوير نظامها السياسي وإعادة صياغة حكمها حسبما تتطلبه الأوضاع العامة بالبلاد والتطورات الحاصلة في المجتمع، وحافظت "على النمط الذي انبنى عليه الحكم وأثبت نجاعته في المسك بشؤون الدولة والبلاد والعباد".
وتكمن "نجاعة النظام السياسي" في أنه، كلما ظهر قسم من الرأي العام والمواطنين والقوى السياسية والمجتمع المدني معارضا للسلطة، واجهه بأحد الأسلوبين، أسلوب القمع وأسلوب البحث عن الحلول الوسط واستيعاب الغضب. والمتتبع للتاريخ السياسي لدولة الإستقلال يلاحظ بجلاء المراوحة بين الأسلوبين دون أن تضطر إلى تغيير جوهري في النظام السياسي، في هذا الإتجاه أو ذاك، رغم أنها أجرت تغييرات حكومية غالبا ما تكون لها علاقة بالسياسة المتبعة السابقة والجديدة.
والجدير بالملاحظة أن النظام السياسي، خلافا لأشكال الحكم وأشكال كيان الدولة، يتميز بالحركية وبقابليته للتغيير، مع المحافظة على شكل الدولة الجمهوري.
لذلك يكون من الصائب توجيه طاقات الحركة الديمقراطية من أجل إدخال إصلاحات على النظام السياسي كي يتناسب والشكل الجمهوري للدولة.



الجمهورية تواجه تعقيدات إضافية
ومخاطر جديدة
لقد ازداد وضع الجمهورية تعقيدا مع التغييرات العالمية والإقليمية الجارفة ومع حركة الرّدة العامة التي رافقتها والتي أخذت، في بلادنا، شكل هجوم مزدوج على المكاسب الجمهورية، تقوم به الحركة الإسلامية بمختلف تعبيراتها والفضائيات الخليجية الداعية لإسلام سلفي منمط أقرب إلى الإسلام الجهادي منه إلى أي صيغة أخرى من الدعوة الإسلامية.
فالجمهورية لم تعد تواجه فقط العوامل الداخلية التي تعيق تحوّلها الديمقراطي، بل أصبحت تواجه خطرا جدّيا على وجودها يأتيها من جهة المشروع الإستبدادي باسم الدين، الذي تسعى الحركتين الإسلامية والسلفية بمختلف تعبيراتهما من أجل إرسائه، خاصة وأنه أصبح يمثل أحد محاور "مشروع إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" الأمريكي- الأوروبي، الذي وضع لتأهيل "الإسلام السياسي المعتدل" كي يتحول، في الغد المنظور، إلى حزب تداول على الحكم.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الحركة الديمقراطية واليسارية قد أربكتها "الصحوة الإسلامية" بحركيتها وعنفوانها وجماهيريتها وروحها الهجومية على العقلانية والعلمانية وسطوتها العملية وصلاتها الوطنية والدولية. وتجلى هذا الإرتباك عند ما عارضت بعض مكونات الحركة الديمقراطية واليسارية، الحل الأمني في التعامل مع الحركة الإسلامية وتجاهلت مسعاها لافتكاك السلطة باللجوء إلى الإرهاب، ثم أصبحت تبدي تعاطفا معها، باسم الدفاع عن حقوق الإنسان والمحاكمة العادلة، وانتهى الأمر بها إلى "وحدة العمل" معها في إطار "18 أكتوبر".
لقد حصل هذا الإنشقاق الفعلي في الحركة الديمقراطية واليسارية، في ظل مناورات كبرى، بمناسبة قمة المعلومات، كان هدفها الضغط على النظام، عن طريق إضراب الجوع، الذي تمّ تنظيمه بالإتفاق مع حركة النهضة، والسعي إلى جرّ الحركة الديمقراطية واليسارية وراء منظمي الإحتجاج. لكن سرعان ما ظهرت الأهداف الحقيقية من الإضراب، حيث قررت القوى المشاركة فيه، مباشرة بعد انتهائه، تحويل تحركهم إلى حركة سياسية أخذت لها كأرضية، المطالب الثلاثة التي تمحور حولها الإضراب، وكونت قيادتها بالتوافق بين جميع الأطراف، واتخذت لها من الأسماء، اسم "حركة 18 أكتوبر". والحالة تلك، لم يكن بوسع الحركة الديمقراطية واليسارية أن تتبين، في الإبان، أن "وحدة العمل" في إطار "حركة 18 أكتوبر" كانت وحدة في غير صالح الجمهورية باعتبارها جرت مع أعداء الجمهورية ولصالحهم، ولم تتبين أن ما حدث هو انشقاق فعلي في صفوف الحركة الديمقراطية واليسارية.

الدفاع عن الجمهورية، يعني تأصيل
المبادئ والقيم الديمقراطية
التي تقوم عليها مؤسسات
النظام الجمهوري

ويتضح ممّا سبق ذكره، أن الجمهورية تواجه عوائق تطورها الخاصة ومخاطر الرّدة، ولن تتمكن من الثبات إلاّ إذا تأصلت ديمقراطيا وأغلقت الباب نهائيا أمام مشروع الدولة الدينية الذي تدعو له الحركتين الإسلامية والسلفية بمختلف تفرعاتهما.
ويعتقد الحزب الإشتراكي اليساري، في هذا الصدد، أن الدفاع عن النظام الجمهوري يعني تأصيل المبادئ والقيم الديمقراطية والآليات التي تقوم عليها مؤسسات الجمهورية، والتي تتمثل في:
- فصل الدين عن السياسة وضمان حياد الدولة تجاه المعتقد.
- احترام الحريات العامة والفردية وحرية المعتقد وحقوق الإنسان.
- المساواة التامة بين المرأة والرجل وإزالة كل مظاهر التمييز بين الجنسين.
- قيام الجمهورية الديمقراطية على المواطنة الكاملة.
- اعتبار الإقتراع العام المباشر المصدر الشرعي الوحيد للحكم.
- احترام المجتمع المدني باعتباره فضاء للمواطنة والحرية والتعاقد ومجالا من مجالات السلطة المضادة.
- حياد الإدارة تجاه المواطنين بفطع النظر عن معتقدهم وانتمائهم السياسي وتحجير كل مظاهر التدين في المؤسسات العمومية والإدارة.
- التداول على الحكم والفصل بين السلطات.
ويعتبر الحزب الإشتراكي اليساري أن ضمان تحوّل ديمقراطي للجمهورية يستوجب تأصيل بنائها على العلمانية باعتبارها أساسا من الأسس التي تقوم عليها مؤسسات الدولة. ولا يحدث ذلك إلاّ حينما تصبح الدولة دولة سياسية، بأتمّ معنى الكلمة، أي حينما يتحقق الفصل فيها بين الشأن العام، أي السياسة، والشأن الخاص، أي المعتقد.
ويؤكد الحزب الإشتراكي اليساري أن الدولة العلمانية، التي تحقّق فصل الدين عن الدولة، ليست معادية للمعتقد بل تشيع حرية المعتقد وممارستها وتحترمها وتصونها، وهي محايدة تجاه جميع العقائد وتحجر استغلالها وتوظيفها في السياسة.
ويعتقد الحزب الإشتراكي اليساري أن الجمهورية في صيرورة تحولها الديمقراطي بإمكانها أن تأخذ طابعا شعبيا إذا ما تحمّل اليسار والقوى الشعبية دورا فعالا في الأطر الجماهيرية وفي مساعدة الشعب على اقتحام الفضاءات العامة والمشاركة بصورة فعّالة في النضال من أجل الحريات والديمقراطية.


الإصلاحات التي يقترحها
الحزب الإشتراكي اليساري
لتحوّل الجمهورية ديمقراطيا

ومن أجل تطوير مناعة الجمهورية ودعم بنائها وتوفير الظروف الأنسب لتحولها ديمقراطيا، يقترح الحزب الإشتراكي اليساري إدخال الإصلاحات التالية:


1- المنظومة القانونية
أ- المادة الدستورية
يعتبر الدستور الأساس القانوني الأعلى الذي تقوم عليه الدولة الديمقراطية، أي دولة القانون- دولة الحق. لذلك فهو يتسم بالإستقرار في مبادئه وأحكامه، ممّا يفترض أن تتماشى التنقيحات والتعديلات الجزئية، التي تدخل عليه، مع الفلسفة والروح التي تقوده. ويتولى المجلس التشريعي مناقشتها والمصادقة عليها.
أما إذا تعلق الأمر بـ"تنقيحات" و"تعديلات" تمسّ من جوهره، أي تتعارض مع فلسفته وروحه، فإنها تخرج بالضرورة من صلاحيات مجلس النواب، لتعرض على الشعب مباشرة للإستفتاء أو تتم الدعوة إلى مجلس تأسيسي لإعادة صياغة المادة الدستورية التي تؤسس بالضرورة لقيام أسلوب حكم جديد.
وبالنظر للتنقيحات العديدة التي أدخلت على الدستور التونسي والتي شملت أغلب فصوله، ومنها ما كان مناقضا لروحه، زيادة على الصياغات التي جعلته في تطبيق العديد من أحكامه تابعا للقوانين التشريعية وعلى رفع منزلة البعض منها لمقام القوانين الدستورية، مثل قانون الأحزاب، فقد فقدت المادة الدستورية علويتها واستقرارها ومكانتها في تنظيم الدولة والمجتمع.
لذلك فهي في حاجة إلى مراجعة جوهرية جديدة تعيد الإعتبار لعلوية الدستور واستقراره ومكانته في المنظومة المؤطرة للدولة والمجتمع وتتأصل فيه مبادئ وقيم وآليات النظام الجمهوري وتثبت المكاسب التي تحققت في المجتمع التونسي.

ب- المادة التشريعية
ويعتقد الحزب الإشتراكي اليساري أن شكل الحكم الديمقراطي يقوم على أسلوب إدارة للشأن العام تعتمد على مجموعة من القوانين والتشريعات التي لا تتعارض في أحكامها مع روح الدستور، ونخص بالذكر منها، قانون الجمعيات وقانون الأحزاب ومجلة الصحافة ومجلة البريد والمجلة الإنتخابية ومجلة الأحوال الشخصية...الخ.
كما يعتقد أن شكل الحكم الديمقراطي هو الذي يجعل من ممارسة الحريات أساس الحياة السياسية والفكرية والثقافية ونشاط التيارات والأحزاب السياسية الديمقراطية والتقدمية ومكونات المجتمع المدني، وهو الذي يطور الإعلام بشكل يصبح به الرقيب العام في المجتمع والسلطة الرابعة التي يقوم عليها الحكم الديمقراطي.


2- مؤسسات الحكم
ويعتقد الحزب الإشتراكي اليساري أيضا أنه ينبغي العمل على أن تتوافق مؤسسات الحكم مع مبادئ النظام الجمهوري القائمة على التفريق بين السلط والتداول على المسؤولية وعلى استقلالية القضاء وتوفير الضمانات الكافية للقاضي في ممارسته مهنته وعلى مسؤولية الحكومة أمام المجلس التشريعي وعلى هيئات عليا للرقابة.


3- الجمهورية والمواطنة
يعتقد الحزب الإشتراكي اليساري أن الإستقلال رفع عن الإنسان التونسي وضع الرعيّة الذي كان عليه في العهد البايوي ودخل به طور المواطنة. ثم أتى دستور1959 ليجعله شريكا في إدارة الشأن العام وركيزة أساسية يقوم عليها النظام الجمهوري. وهو وضع كان يفترض أن يضمن له حقوقه وحرياته دستوريا وأن تكون محترمه قانونيا وإداريا. لكن، وبما أن مجال الحقوق والحريات ظل يتسع ويضيق، حسبما تمليه الأوضاع السياسية، فقد أثر على وضع المواطنة، من زاوية تأثيرها على قرار السلطة واختياراتها، إذ تضاءل بشكل مفزع في العديد من الفترات، إلى حد أصبح فيه المواطن هامشيا على الحياة العامة وسلبيا. وهو وضع يمكن أن تستفيد منه قوى التطرف والمغالاة، من خلال توظيف "ردة فعل" الناقمة للمواطن على تردي أحواله. ففي مثل هذه الظروف الغامضة، وصل هنلر إلى الحكم عن طريق الإنتخاب، ومن قبله ميسوليني، كما وصل الخميني إلى السلطة عن طريق ثورة شعبية. والأمثلة عديدة، المهم أن نتعظ بالدروس التي مكننا منها التاريخ بتضحيات وآلام ومآسي شعوب وأمم أخرى.

4- النظام الجمهوري والإقتراع العام
يمثل الإقتراع العام الشكل السياسي الذي يعبر به الشعب عن إرادته ويختار من يمثله ومن يحكمه. وأصبح بصفته تلك حقّا من حقوق الإنسان الأساسية. وأقر دستور 1959 حقّ الإنتخاب والترشح لكل مواطنة ومواطن حسبما يضبطه القانون.
لكن القانون الإنتخابي القائم على نظام القائمات الأغلبية في دورة واحدة يعيد إنتاج الأغلبية ذاتها وبالتالي نمط الحكم ذاته، ويزيح من دائرة التمثيل النيابي والبلدي ومن دائرة الفعل السياسي الإيجابي قوى سياسية أخرى تعبّر عمّا يختلج بين ظهراني المجتمع ويترك الحياة السياسية محتكرة من قبل "الحزب - الدولة" أو"الحزب – الإدارة".
وعلى الرّغم من وجود قوانين تقيّد الإقتراع العام وتحدّ من سلطته، فقد سعت السلطة، منذ مطلع الستينات، إلى مزيد التضييق عليه، فقد حولته إلى مجرد تزكيّة لقائمات الحزب الحاكم، تحت شعار "لا إمساك ولا تشطيب". ثم أدخلت عليه جرعة من المنافسة فيما بين قائمات الحزب الحاكم نفسه. وبعد 7 نوفمبر أجريت تنقيحات سمحت للمعارضة بالحصول على نسبة من المقاعد النيابية والبلدية محددة سلفا لا تمس من الأغلبية المريحة للحزب الحاكم.
إن التنقيحات المتتالية التي أدخلت على المجلة الإنتخابية لم تراجع النظام الإنتخابي، في جوهره، بل ظل على حاله مولدا لاحتكار الحزب الحاكم للهيئات التمثيلية والإدارة والحياة السياسية.
ويعتقد الحزب الإشتراكي اليساري أن الإصلاح الذي ينبغي إدخاله على النظام الإنتخابي، هو إلغاء نظام القائمة الأغلبية في دورة واحدة وإحداث نظام جديد يمزج بين القائمة الأغلبية في دورتين والتمثيلية النسبية والترشحات الفردية، مع ضرورة التنصيص على تجريم التزوير وعدم احترام سرية الإنتخاب. وهي إصلاحات تجعل من الإقتراع العام دعامة فعلية للجمهورية الديمقراطية.
ونختم مقترحاتنا لتطوير الجمهورية ديمقراطيا بشعار،

معا من أجل الجمهورية الديمقراطية !!

تونس في 25 جويلية 2007




عشرة أجوبة وعشرة أسئلة حول الحزب الاشتراكي اليساري

تقديم:

بمناسبة الذكرى الأولى لتأسيس الحزب الإشتراكي اليساري، الموافقة لواحد أكتوبر2007 نقدم للرأي العام توضيحات حول توجهات الحزب ومواقفه وآرائه وعلاقاته بمختلف القوى السياسية، في شكل استجواب يطرح عدد من التساؤلات الشائعة في الساحة السياسية.

وقد تولى الرفيقان محمد الكيلاني وطارق شامخ الإجابة على التساؤلات المطروحة:

السؤال الأول:

لماذا تأسيس الحزب الإشتراكي اليساري؟

كان تأسيس الحزب الإشتراكي اليساري إستجابة لعوامل ذاتية وأخرى موضوعيّة. أما عن العوامل الذاتيّة ففيها مستويات متفاعلة جدليا مثل: الوعي والممارسة والحد الأدنى من الإنتشار والإستقرار في الأداء السياسي...

لقد مرّ الحزب بطور حلقي تمكّن فيه من حلّ أكبر معضلة وهي تقويم تعاملنا مع الماركسية والإجابة عن سبب فشل التجربة الإشتراكية وخاصة أعظمها شأنا وهي التجربة السوفياتية. فخلصنا وعينا النظري من العقائدية وغيّرنا تعاملنا مع الإشتراكيّة العلميّة ومختلف تجاربها. إذ أصبحت بالنّسبة لنا مرشد عمل. وما كان لنا أن نحقق هذه النقلة في تفكيرنا لو لم نتحل بجرأة إيديولوجية تجعلنا نقبل بما يفرضه علينا المنطق العلمي للإجابة على السؤال: لماذا هذا الفشل المتكرر للتجارب الإشتراكية والشيوعية الذي أدى في النهاية إلى انهيار تام؟ لماذا انتهت تجارب جميع الأحزاب الشيوعية من النمط اللينيني إلى البقرطة والتفسخ؟

إننا لم نتوقف في الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها في الحدود التي فرضتها العقائدية بل تجاوزناها للبحث في أسس الفكر والنظرية والسياسة ومنهاج التنمية والثقافة التي قادت التجربة الإشتراكية العالمية إلى الأزمة والفشل وأثبتنا تناقضها البيّن مع الماركسية نفسها.

لقد فضلنا استعمال مصطلح "الإشتراكية العلمية"، في الحديث عن الماركسية والشيوعية والإشتراكية، من زاوية الفكر والسياسة والتجربة، باعتباره يحيل على إسهامات كل المنظرين والقادة الذين طبعوا مراحل من نضال الطبقة العاملة وطنيا وعالميا، واستعمال الماركسية للحديث عن فكر ماركس بالذات، خاصة وأن ماركس نفسه كان عارض هذه التسمية وأكّد مرارا بأنه لا يعتبر نفسه ماركسيا.

وقد ساعدنا تحرّرنا من العقائدية على العودة إلى اعتماد المنهاج المادي الجدلي، بشكل صائب، في قراءة الواقع، وفهم مستجدات الأوضاع الدّولية وإدراك ما شهدته من تحولات نوعية لم يعرفها منظروا الإشتراكية العلمية من قبل. كما أهّلنا للتزوّد بمرونة وأريحيّة في التعامل مع أوضاعنا المحليّة والبحث عن المخارج والحلول الملائمة والتوجه إلى العمل المشترك مع من نختلف معهم في الرأي من القوى الديمقراطية والتقدمية.

إنها التحولات في الفكر والسياسة والنظرية والمنهج السياسي التي حققناها فمثلت الرّصيد الذي أهّلنا لصياغة برنامج سياسي أسسنا على قاعدته الحزب ونشرنا ملامحه العامة في البيان التأسيسي.

وقد حثتنا الظروف الموضوعية على بعث الحزب الإشتراكي اليساري. فالإختيارات النيوليبيرالية التي فرضتها الرأسمالية في طور العولمة على جميع البلدان وربط الإقتصاد التونسي بالإقتصاد العالمي وما لها من انعكاسات على أوضاع الطبقة العاملة والشعب الكادح، والمخاطر الخارجية والدّاخلية المحدقة بالبلاد، زيادة على ضعف الحركة الديمقراطية، التي لم تع مصلحتها في بلورة قطب معارض للسلطة ومناهض للإسلاميين، على أساس بديل جمهوري وديمقراطي وضعف اليسار وعدم إدراكه لمصلحته في الوحده، باعتبارها الخطوة الضرورية للتقدم بالسياسة الإشتراكية على الساحة وتأهيل الطبقة العاملة لدخول المسرح السياسي، كلها عوامل دفعتنا إلى التفكير في بعث حزب سياسي للمساهمة، من مواقع مسؤولة، في مواجهة هذا الوضع. ولعل ما حث خطانا هو محاولة درئ مخاطر قبول بعض القوى الديمقراطية واليسارية التعامل (في شكل تحالف أو "وحدة عمل") مع حركة النهضة. وهو سعي أتى بالنسبة لبعض هذه القوى والشخصيات في تماه تام مع مشروع إصلاح الشرق الأوسط الشرق وشمال إفريقيا، الأمريكي- الأوروبي، الهادف إلى إدماج الإسلام السياسي المعتدل في الحياة السياسية وتأهيله كفريق تداول.

وما حثنا أخيرا هو درئ الرّدة الفكرية التي بات يعيشها شعبنا، تحت وطأة دعاية الفضائيات الخليجية، والفراغ القيمي الذي أصبح يعيشة كغيره من الشعوب، خاصة وأن المواطن أضحى غير مطمئن على أوضاعه المادية والسياسية وعلى مستقبله ويتعرّض لاعتداءات يومية على ذاتيته...

لكل هذه الأسباب مجمّعة أسسنا الحزب الإشتراكي اليساري عسى أن يكون عنصرا إجابيا في البحث عن الحلول، من موقعه بالطبع، للأوضاع الشائكة التي تمرّ بها الشغيلة ويسهم في تعزيز استقلالية القرار الوطني والتصدي للمخاطر المحدقة ببلادنا وشعبنا، والإسهام في توحيد الحركة الديمقراطية واليسار حول بديل جمهوري ديمقراطي.

السؤال الثاني:

هل أن الساحة السياسية في تونس في حاجة إلى حزب شيوعي جديد، والحال أن حزبين شيوعيين ينشطان بها، إلى جانب بعض المجموعات الأخرى؟

إن الإشتراكية العلميّة كنظرية نسبيّة تقبل بالتنوع والتعدد، على خلاف ما يعتقده البعض. فهي مرشد عمل وليست عقيدة أو منظومة مغلقة. لكن هذا التنوع والتعدد الذي يدخل في نطاق الإشتراكية العلمية لا يقبل بالإنقسامية والتشرذم والعداء والتنافر الذي يحصل بين تعبيراتها السياسية، كما هو الحال عندنا اليوم وكما دأبت عليه الحركة الشيوعية العالمية. إن النظرية الإشتراكية قائمة على المنهج المادي الجدلي، وبالتالي على وحدة الأضداد، وهي رؤية للعالم تتعامل معه وهو متعدد ومتنوع. والأمر يستقيم أيضا من الزاوية الإجتماعية، فالطبقة العاملة، وإن كانت تحمل خصائص عامة موحّدة تميّزها عن سائر الطبقات الأخرى متأتية من موقعها في عملية الإنتاج ومن تملك وسائل الإنتاج، فهي طبقة حيّة يرد عليها باستمرار وافدون جدد ويخرج من صفوفها بحكم العمر والتسلق الطبقي، شرائح بأكملها، وتتشكل بطبيعتها من مستويات مختلفة ومن شرائح تتميز فيما بينها بالأجر والوعي. وللطبقة العاملة صيرورة تشكل تاريخي خاصة، فهي متحوّلة مع الزمن ومع كل انقلاب هيكلي تشهده المجتمعات ويمكن أن تشهد تحولات كمّية ونوعيّة. ولكل هذه العوامل لا يمكن لحزب أو لمجموعة تتبنى الإشتراكية العلمية أن تدعي أنها تمثل بمفردها المصالح الجوهرية للطبقة العاملة بل إن القاسم المشترك بين هذه الأحزاب والمجموعات هو الذي يعبر بالقوة، في طور التأسيس، عن المصلحة الجوهرية للطبقة العاملة، وهو الذي لمّا يتشكل في حزب يساري موحد ويرتبط بحركتها الإجتماعية، يصبح ممثلها السياسي بالفعل. وهذا الحزب لم يحن ميلاده بعد، فاليسار لم يحقق بعد قطيعته الإبستيمولوجية والخلافات، بين فصائله، عميقة وتاريخية، وتجاوزها مازال في خطواته الأولى.

لذلك نقول، إن الساحة السياسية في تونس في حاجة إلى حزب شيوعي جديد أو أكثر، ولن يضرّ ذلك بقضية الطبقة العاملة والإشتراكية إذا ما عرفت هذه الأحزاب كيف تقيم إئتلافا يساريا متماسكا في نضالها السياسي والنظري والإجتماعي.

السؤال الثالث:

ما هي أوجه الخلاف بينكم وبين حزب العمال الشيوعي التونسي وحزب العمل الوطني الديمقراطي؟

إن الإختلافات بيننا وبين الحزبين تتعلق بالعديد من القضايا الفكرية والنظرية والسياسية، وهي اختلافات تظهر في أدبياتنا ولم تناقش كي نتمكن من حصرها على وجه الدقة.

لقد تقدمنا بأطروحات جديدة كل الجدة، تمس عديد الأوجه والمستوايات، إذ:

- لنا تقييم خاص للتجربة الإشتراكية (السوفياتية خاصة) سوف نطرحه على الساحة السياسية في القريب العاجل.

- لنا نظرية خاصة لحزب الطبقة العاملة بلورناه في تقييم تجربة الحزب من الطراز اللينيني التي فشلت فشلا ذريعا.

- لنا تقييم خاص للعولمة ولتناقضاتها فنحن نراها مرحلة خاصة من تطور الرأسمالية وهو ما أهلنا إلى رؤية خاصة للعصر تختلف عن تلك التي بلورها لينين في بداية القرن.

- لنا ملامح عامة لبناء الإشتراكية، سواء في مستوى بناء الدولة الديمقراطية من النمط الجديد، قوانين ومؤسسات ومجتمع مدني ومجتمع سياسي، أو في مستوى التصورات العامة للتنمية الإقتصادية والبشرية والثقافية....

- هذا دون تعداد الإضافات التكتيكية في خصوص تحديد شكل الدولة والتناقضات والتحالفات...

ولنا، في هذا الباب، خلافات خاصة مع حزب العمال تتمحور أساسا حول "وحدة العمل" التي يقيمها مع حركة النهضة الداعية لمشروع استبدادي متستر بالدين والمنخرطة في مشروع "إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا". ولنا خلافات معه حول كيفية النضال في أطر المجتمع المدني وفي المنظمات الجماهيرية وحول كيفية التعاطي مع خصوصياتها، زيادة على سلوكه السياسي العام في علاقة بالأوضاع وعلى استخفافه بالعمل القانوني.

أما عن اختلافاتنا مع حزب العمل فلا يمكن ضبطها بدقة، فهو إن طرح الأطروحات الوطنية الديمقراطية القديمة للمراجعة، فإن الأطروحات الجديدة مازالت في طور البلورة.

ورغم ثقل التجربة النقابية والحلقية التي تثقل خطى هذا الحزب، فقد تقدم خطوات نحو العمل السياسي، حيث تقدّم بطلب تأشيرة، وهو يشارك قوى ديمقراطية ويسارية في تجربة "المبادرة/الإئتلاف".

ونحن نناقش باستمرار ونتقدم بخطى ثابتة في اتجاه دعم وحدتنا وتأصيلها نظريا وسياسية وعمليا.

ونأمل أن يتقدم عملنا المشترك عسى أن يسهم في تحسين الأجواء لبعث إئتلاف يساري يكون، بتحالفه مع القوى الديمقراطية العلمانية، صاحب بديل جمهوري ديمقراطي.

السؤال الرابع:

قبل تأسيس الحزب الإشتراكي اليساري، ألم يكن من الممكن البحث مع هذين الحزبين لتأسيس حزب واسع يضم الشيوعيين في تونس؟

إن تأسيس الحزب الإشتراكي اليساري ليس رغبة في مزيد الإمعان في التشرذم ولا هو إضافة رقم جديد بدون هوية. لقد كنا على وعي تام بضرورة الإضافة للخروج من الأزمة التي يعاني منها الفكر الإشتراكي العلمي واليسار. كما كنا على وعي بأن تأسيس حزب واسع يضم الشيوعيين في تونس مستحيل اليوم. لأن الخلافات المتراكمة تحول دون ذلك. ولكن هذا لا يعني استحالة التوافق وتحسين العلاقات وتطارح أمهات القضايا والإلتقاء حول محاور نضالية جزئية أو قطاعية. وقد يفضي هذا إلى بعث إئتلاف يساري، وهو رهين توفر الإرادة السياسية. ونحن نعتقد أنه شأنا يسير التحقيق. ونود التأكيد على أن تأسيس الحزب الإشتراكي اليساري لن يمثل عائقا أمام الوحدة، بل سيكون أداة تذليل كل الصعوبات من أجل التقدم بخطى ثابتة في اتجاه توحيد قوى اليسار، ولما لا تأسيس حزب سياسي للشيوعيين وطلائع الطبقة العاملة، حزب عصري وديناميكي.

السؤال الخامس:

يلاحظ من خلال بعض الوثائق التأسيسية للحزب أنكم قمتم بمراجعات نوعية لم يسبق أن عرفتها الحركة الماركسية اللينينية في تونس. وشملت هذه المراجعات بعض أسس الفكر الشيوعي. ما هو مدى هذه المراجعات؟ وما هي متطلبات المرحلة التي فرضت عليكم ذلك؟

أولا، نحن نتبنى فلسفة المادية الجدلية والمادية التاريخية والإقتصاد السياسي الماركسي والإشتراكية العلمية، ونعمل على تطويرها وإغنائها بما راكمته طوال تجربتها الماضية وبما أضافه التطور العلمي والتقني والإجتماعي المعاصر. وانطلاقا من هذه المبادئ قيمنا التجربة ونقدنا الفكر والسياسة الذين قادا إلى الفشل والأزمة.

فالإشتراكية العلمية مازالت راهنية وهي تتطلب الإغناء والتطوير وتملك روح العصر، أما السياسات والتجارب الخصوصية فليست نماذج وأنماطا نتقيّد بها. وهي تجارب نستفيد من نجاحاتها كما من فشلها.

إننا نعتقد أن الأزمة التي تعيشها الإشتراكية العلمية، أزمة حقيقية وليست مفتعلة، ونعتقد أن لا خروج منها دون قطيعة جذرية مع الفكر والسياسة المتأزمين والذين قادا إلى الفشل. فهي قطيعة معرفية حقيقية تفتح آفاقا أرحب، استجابة لمتطلبات المرحلة. إن تقييم التجربة الإشتراكية ليس عملا تاريخيا فحسب بل مستقبليا أيضا. والذي عاقنا على رؤية التحولات الجارية أمام أعيننا، هي الترسبات التي تركتها التجربة الماضية. إننا لم نحدث تغييرات شكليّة على الفكر الشيوعي كي نتأقلم بشكل برغماتي وانتهازي مع الواقع، فذلك لن ينقذنا من الفشل مجددا، بل إن ما قمنا به هو انقلاب في العقلية وفي التعامل مع الإشتراكية العلمية، فتح أمامنا أفقا أرحب في التعامل مع الحاضر والمستقبل، وهي عملية متواصلة قطعنا خطوتها الأولى ولا ندعي أننا نحمل فيها الرأي الأخير أو المنتهي.

السؤال السادس:

خلال فترة السبعينات وحتى بداية الثمانينات كان كل من يقوم بمراجعات فكرية داخل الفكر الشيوعي، يوصف بـ"التحريفي" و"الإصلاحي". هل مازالت هذه التوصيفات ممكنة؟

كان التعامل مع الإشتراكية العلمية خلال السبعينات، وقبلها وبعدها، على أساس أنها عقيدة، لذلك كان كل من له رأي يخرج به عن "الإجماع" يعتبر تحريفيا وإصلاحيا... وهو ما حكم على الفكر الإشتراكي العلمي بالجمود والتكلس.

ولكن الأزمة الشاملة والفشل الذي أصاب التجربة الإشتراكية لم يترك لأي كان التعلة لعدم إعمال العقل والبحث في أسباب الفشل، "ورب ضارة نافعة". واليوم لم يعد من المقبول، ولا من المعقول أن يكرر أي مدع أنه صاحب الفكر المنزل أن يتهم غيره بكونه تحريفي أو إصلاحي، اللهمّ إن غير أسس الفكر، عندها فقط تصبح النعوت في مقامها. لا يمكن اليوم الحديث على أن الحزب الشيوعي، مثلا معني بالإشتراكية، وقد تحوّل إلى حركة التجديد التي تعلن صراحة أن مرجعيتها الفكرية متنوعة، ولا تمثل الماركسية فيها إلا مكونة من المكونات. وهناك أحزاب ومجموعات أخرى تتبنى الأطروحات القديمة دون تغيير، من قبيل الدفاع عن المبادئ. ونحن في الحزب الإشتراكي اليساري، وإن كنّا نتبنى الفلسفة والإقتصاد السياسي الماركسي والإشتراكية العلمية فمن زاوية نظرنا الخاصة.

لذلك، فإن الإنقسام الكبير هو بين من يواصل تمسكه بالفكر الإشتراكي وبين من تخلى عنه، وفي هذا المستوى يمكن الحديث عن تغيير مرجعي وليس عن تحريف. ونحن على العموم لا نحبذ هذا الإستعمال لأنه يحيل على الجمود العقائدي والتعامل التقديسي مع النظرية والإيديولوجيا الإشتراكية. أما بالنسبة للأطروحات التي تتمسك بالإشتراكية مرجعا وتأخذ صيغا نظرية وسياسية وتنظيمية مختلفة، فإننا نعتبرها في سياق الفهم المختلف لإشتراكية وتعبير متنوع عن انتمائية واحدة، وفي النهاية تمثيل متعدد لطبقة واحدة. والغريب في الأمر أن التمثيل المتعدد لطبقة واحدة يقبله الجميع، دون معارضة تذكر، إذا ما تعلق بالبورجوازية، لكن أغلبهم ينكره على الطبقة العاملة !!!.

السؤال السابع:

تعرف الحركة الشيوعية العالمية منذ أكثر من عقدين حالة تراجع واضحة، حسب اعتقادكم، ما هي السبيل الكفيلة لتحتل هذه الحركة من جديد دورها الطلائعي؟

يكمن سبب حالة التراجع التي تعيشها الحركة الشيوعية لأكثر من عقدين إلى تبنيها الفكر والسياسة اللذين قادا إلى فشل التجربة وأزمة الحركة. لذلك نرى أن ما قمنا به في الحزب الإشتراكي اليساري يعدّ الخطوة الأولى للحل الصائب للخروج من حالة التراجع.

ويتمثل ذلك في:

أولا، التخلص من العقائدية والدغمائية في التعامل مع الفكر الإشتراكي العلمي وهذا يجر حتما إلى تقييم جدي وعلمي للتجربة الإشتراكية.

ثانيا، لا بد من فهم عميق للعولمة ولتناقضاتها وعلى هذا الأساس يمكن لكل حزب أن يبلور المخرج التكتيكي الخاص لبلده. وهذا العمل بدأنا نتلمسه عند عديد الأحزاب والحركات الشيوعية في العالم وعلى أساسه بدأ البعض منها يتلمس طريقه للفعل السياسي والعمل الموحد ضد العولمة وضد السياسة العدوانية الأمريكية وضد الصهيونية وضد الديكتاتورية واليمينية والإرهاب. ويبقى التوحد الأممي بين أحزاب الإشتراكية العلمية هو المخرج الحقيقي حتى تتوحد النضالات وتجد الطبقة العاملة العالمية ضالتها فتحتل الحركة الشيوعية من جديد دورها الطليعي.

السؤال الثامن:

في علاقة بالشأن الوطني، عرفتم برفضكم التعامل مع حركة النهضة، رغم أن هنالك من يعتبرها حركة معتدلة لها دور في مقاومة التطرف والإرهاب، هل أن لموقفكم هذا دوافع سياسية أم إيديولوجية وعقائدية؟

إن الحزب الإشتراكي اليساري هو حزب مدني له برنامج سياسي، ذو خلفية إشتراكية علمية. لكنه، ليس جمعية للتبشير بالإلحاد، ولا يتمثل دوره في المجتمع في معاداة الدين والتدين بل في تحرير المجتمع من الإستغلال الإنسان للإنسان.

وزيادة على ذلك فإن الحزب الإشتراكي اليساري يعتبر أن الدين والتدين مسألة خاصة تهمّ الإنسان الفرد، بينما التعاطي مع السياسة هو شأن عام يهمّ كل السكان، لذلك يناضل فهو من أجل إشاعة حرية المعتقد وتحريره من التوظيف السياسي وتحرير السياسة من التأويل الديني.

وعلى هذا الأساس فهو يعتقد أن الجمهورية لن تكون ديمقراطية إلا إذا كانت الدولة قائمة على أسس علمانية ولائكية.

ذلك هو موقفنا من الدين والتدين، أما في ما يتعلق بموقفنا من حركة النهضة والحركة إلإسلامية بصورة عامة فهو موقف سياسي وإيديولوجي، يتعلق بالموقف من الإستبداد والفاشية وبنمط الحكم والمجتمع الذي تتبناه. فحركة النهضة الحركة الإسلامية تريد إقامة دولة استبدادية متسترة بالدين، وتجعل من الإرهاب الإيديولوجي والسياسي والديماغوجيا السياسية والإجتماعية والثقافية أساس فعلها السياسي. وتحاول حركة النهضة منذ مؤتمرها السابع أن تظهر بخطاب جديد يستبطن المشروع الديمقراطي، غير أنها خدعت نفسها بنفسها حيث أنها أكدت في مؤتمرها الثامن على أنها بقدر ما تقبل التفاعل في التحاور والنقاش مع الأطراف العلمانية فهي ليست مستعدة للمساس بما في نص صريح، وفي هذا الشأن ففي الحاكمية (أي نمط الحكم) والحدود (حرية المعتقد وحقوق الإنسان) وعدم المساواة بين المرأة والرجل، نصوص صريحة، تجعلنا وإياها على طرفي نقيض.

وزيادة على ذلك نحن نعارضها كلّيا بشأن العلاقة التي تجمعها بالإمبريالية العالمية وبصورة خاصة بالإمبراطورية الأمريكية التي تضعها ضمن مشروع "الشرق الأوسط وشمال افريقيا".

ونظيف بأن موقفنا من الأحزاب والحركات مرتهن بموقع كل منها في التناقض الرئيسي الذي يشق المجتمع والذي يعبر عن نفسه في صيغته الإستراتيجية والمرحلية، وهو محكوم بالتناقضات الأساسية الثلاثة التالية:

- التناقض بين الإمبريالية، في صيغتها المعولمة النيوليبيرالية، من ناحية، والشعب التونسي والوطن من ناحية ثانية.

- التناقض بين الطبقات السائدة والطبقات المسودة.

- التناقض بين رأس المال والعمل.

وهو في صيغته الإستراتيجية لا يحلّ إلا بحلّ مكوناته الثلاثة.

أمّا في صيغته المرحلية فهو يعبّر عن نفسه في التناقض بين الديمقراطية، من ناحية، والإستبداد والدكتاتورية، من ناحية أخرى. وبما أن حركة النهضة قد اختارت نمط حكم معاد للديمقراطية ولقيم ومبادئ الجمهورية لذلك نرفض التعامل معها ونناضل ضدها لكشف حقيقتها وحقيقة مشروعها أمام الشعب.

ومن زاوية النظر هذه فإن تقسيم الحركات الإسلامية إلى تيارات معتدلة وأخرى متطرفة هو تقسيم واهم أو يبث الوهم حول هويّة هذه الحركات وحول مشاريعها وبرامجها وإيديولوجيتها، لأنها عموما، على تنوعها واختلاف أساليب عملها، صاحبة هدف واحد، يتمثل في إقامة الدولة الإسلامية.

وزيادة على ذلك فهي تعمل بالتوافق مع الدول الإستعمارية للوصول إلى السلطة، حيث أن تنظيرات "الإسلام المعتدل" قد وردت ضمن "مشروع إصلاح الشرق وشمال إفريقيا"، الأوروبي/الأمريكي، الذي يهدف إلى تحويل وجهة الإرهاب نحو بلدان المنشأ وتمكين الإسلاميين من المشاركة في الحياة السياسية في عملية ديمقراطية شكلية لا تتجاوز حدود "صندوق الإقتراع". فالأمريكان يريدون تصدير نمطهم إلى العالم عبر مشاريع "الإصلاح الديمقراطي"، حيث أنهم يريدون بعث قطبين تابعين لهم يتداولان على السللطة تمثل الحركة الإسلامية أحدهما. وهو تناوب قد يوهم الشعب بأن الديمقراطية قائمة باعتبار أن الفيصل في الحياة السياسية قد أصبح "صندوق الإقتراع".

كما أن الحكم على أي حركة أو حزب سياسي يقوم فيما يقوم على مدى قبوله بالعمل المدني وعدم توظيفه للدين في الشأن العام وعلى مدى قبولها بالدولة الديمقراطية، أي بالجمهورية أم لا !!!. والحركة الإسلامية، عموما، حركة تعادي الجمهورية وتتبنى الدولة الدينية، وتاريخها حافل بالإرهاب الإيديولوجي والسياسي والمادي، رغم أن منها من يتظاهر بالإعتدال. زيادة على أن مشروعها في جوهره معاد للحريات والديمقراطية مهما كانت الحدود التي تكون عليها، وهو عموما المحظنة التي يفرخ فيها الإرهاب الديني، وتكفي العودة لأدبياتها وتصريحات قادتها ومقررات مؤتمراتها، بإمعان كي يكتشف القارئ حقيقة ما نقول.

لذلك نحن نعتقد بأن موقفنا من حركة النهضة وغيرها من مكونات الحركة الإسلامية حددناه من المشروع الذي تريد فرضه على المجتمع، وهو موقف نحن منحازون به إلى جانب الشعب التونسي، في التناقض الرئيسي للمرحلة الراهنة الذي يقابل بين الديمقراطية من جهة والإستبداد والدكتاتورية من جهة أخرى، وينير له السبيل كي لا يرتهن بحركة استبدادية متسترة بالدين، فيكون مصيره مثل مصير الشعوب العربية والإسلامية التي تعاني من وطأة الأحزاب الدينية، تلك الأحزاب التي قبلت التعامل مع الغزاة وجعلت من أراضيها مرتعا للجيش الأمريكي وللرأسمال العالمي النّهاب...

السؤال التاسع:

يعتقد بعض المراقبين أن هذا الموقف يخدم في نهاية الأمر السلطة التي تسعى إلى محاصرة هذه الحركة وعزلها، فما هو ردكم؟

إن الموقف القائل بأن نضالنا ضد حركة النهضة والحركة الإسلامية عموما، يخدم السلطة، هو موقف ينمّ عن عقلية تآمرية، وهذا ما ليس لنا به شأن.

نحن معارضون للسلطة، فهل يعني ذلك أننا نخدم النهضة أو أننا مستعدون للتحالف معها؟ كلا !!

نحن نعتقد أنه من الضروري والأجدى تجاوز تبسيط الصراعات السياسية بشكل يجعل من كل معارض لهذا الطرف أو ذاك حليف بالضرورة لهذا الطرف أو ذاك. كما علينا أيضا تجاوز الإستقطاب الثنائي بين السلطة والنهضة الجاثم على عقولنا كي نتمكن من التفكير بحرية ونرى التناقضات كما هي في الواقع وليس كما تشتهيها نفوسنا.

إن الوضع أعقد من ذلك، فنحن نعارض السلطة كما نعارض النهضة ولكن لكل معارضة محاورها وشكلها الخاص.... وبرغم أن للسلطة مواقف معادية للنهضة فنحن نعارضها في تعاطيها الأمني معها.

إننا نرى أن الساحة السياسية ثلاثية الأقطاب وليست ثنائية والصراع يجري فيها بين السلطة وحلفائها وبين حركة النهضة وحلفائها وبين القطب الديمقراطي والذي لا بدّ له من أن يتبلور وينهض باستقلالية عن القطبين الأولين.

السؤال العاشر:

حسب اعتقادكم ما هو المطلوب من الحكومة التونسية في الوقت الراهن؟

المطلوب من الحكومة التونسية اليوم هو إطلاق مجالات وفضاءات الحرية وجعلها غير قابلة للنقض وتجريم التعدي عليها وتحرير الدين من التوظيف السياسي والسياسة من الضغط الديني وجعل الإقتراع العام الأساس الشرعي للنظام السياسي وللحياة السياسية وإجراء إصلاحات دستورية وتشريعية تؤصل مبادئ وقيم وآليات النظام الجمهوري وتمكين الإعلام من لعب دوره في نقل المعلومة والخبر من مصادره بكل حرية، كي يكون رقيبا وسلطة رابعة فعلية، ومن نشر مبادئ الديمقراطية والقيم الإنسانية النيرة.

إن مثل هذه الإجراءات وغيرها من شأنها أن تخلق مناخا سياسيا سليما قادرا على أن يسمح بفرز القوى الديمقراطية من دونها، وعلى أن يفتح الطريق أمام التحول الديمقراطي للجمهورية ويغلق الباب أمام تيارات الإرتداد من أي منشئ كانت.

كلما أشيعت الحرية في المجتمع يتحرر العمل السياسي من المكبلات التي تعيق تطوره، ومن بينها توظيف الدين والتستر به لإخفاء الأهداف الحقيقية لهذا الحزب أو ذاك، فيتحوّل إلى فعل إيجابي مداره البرامج والبدائل، وفي ذلك فائدة كبرى للشعب الذي تتوفر له فرصة التعرف عليها والحكم لها أو عليها بعيدا عن الضغوطات العقائدية.

لا شك في أنه لمّا تكون حرية المعتقد مشاعة في المجتمع والحريات مشاعة ومصانة، فإن البساط يسحب آليا من تحت أقدام أي إنتهازي يريد توظيف الدين وخداع الشعب باسم المقدس.

نحن نعتقد أن الدولة ليست وحدها المسؤولة على ما يجري في المجتمع، فالمجتمع المدني مسؤول بالقدر نفسه باعتباره يمثل المناعة الذاتية المكتسبة التي تحد من مخاطر الحلول والنزعات المغامرة، وهو عامل لا يمكن للمناعة الأمنية للدولة تعويضها، اعتبارا وأن الأمن لا يعوض السياسية لأن المجتمعات لا تساس بالأمن فقط.

والجدير بالذكر، أن ضيق مجال الحريات السياسية من شأنه أن يشيع العماء السياسي الذي من شأنه أن يغيّب المصلحة العامة ويضيّع على الشعب إمكانية التدخل الفعال في الحياة السياسية وفي الخيارات الكبرى للبلاد ويفرض عليه الهامشية ويتركه فريسة للوهم والمغامرة والخرافة.

إن غياب أطر للمجتمع المدني مستقلة وديمقراطية، من شأنه أن يترك المجتمع عرضة للآفات التي لا يمكن حصرها والتي لا يمكن مواجهتها أمنيا مهما كانت نجاعة تدخل الدولة في هذا المجال.

لقد أصبح الإعلام معولما وكذلك الإرهاب ولذلك لا يمكن أن تواجه السلطة هذه الأوضاع المستجدة بالتعويل على إدارة الشأن العام بالأساليب القديمة، فهي في حاجة أكيدة لتوسيع مشاركة الشعب في الحياة السياسية، وتمكين المجتمع المدني من التحول إلى سلطة مضادة قادرة على تعديل سياسات السلطة وكيفية إدارتها للحياة العامة.

وختاما:

بماذا تتميز هوية الحزب الإشتراكي اليساري بإيجاز؟

إن الحزب الإشتراكي اليساري مرّ بطور من العمل الحلقي طويل نسبيا وأصبحت هويته معروفة ويمكن إيجاز بعض عناصرها فيما يلي:

1- يتبنى الحزب الإشتراكي الإشتراكية العلمية كخلفية نظرية لسياساته وممارساته وهو يهدف إلى تحقيق الإشتراكية التي يعتبرها نتاجا لما تحقق من تقدم ورقيّ في ظل الرأسمالية ويعمل على تجاوزه عن طريق مخططات البناء الإشتراكي التي تسعى إلى إرساء توافق بين الطابع الإجتماعي للإنتاج والتملك وإلى تحرير الإنسان من الإستغلال والإضطهاد.

2- يعتقد الحزب الإشتراكي اليساري أن بلادنا بإمكانها أن تدخل عصر التحولات الديمقراطية والتحرر السياسي والإجتماعي، وأن تتحول الجمهورية إلى الديمقراطية الشعبية.

3- يتبع الحزب الإشتراكي أشكال نضال مدنية توفر الفرصة للمواطن بأن يكون عنصرا فاعلا وإيجابيا في الحياة السياسية وفي المجتمع بصورة عامة. لذلك فهو يعارض الأساليب الأقلية والإرهابية، كما يعارض توظيف الدين في السياسية أو تطويع السياسة للدين.

4- يرفض الحزب الإشتراكي اليساري، بصورة مبدئية، أي تعامل أو تمويل من جهات أجنبية رسمية، ويتعاون مع القوى الديمقراطية والتقدمية في البلاد وفي العالم.

5- يرفض الحزب الإشتراكي اليساري التدخل في الشأن الخاص لأي حزب أو جمعية أو منظمة ويعارض طرق النضال الفوضوية التي لا تحترم خصوصيات مكونات المجتمع المدني.

6- الحزب الإشتراكي اليساري هو حزب معارض للسلطة ومناهض للمشروع الإستبدادي باسم الدين الذي تعمل الحركة الإسلامية بمختلف تعبيراتها على إقامته.

تلك هي بعجالة مميزات هوية حزبنا، وقد خبرنا المجتمع السياسي والمدني طوال عقد ونصف على الأقل، ونحن مقتنعون بأن لنا ما نظيف في الحياة السياسية ولنا ما نقدم لبلادنا وشعبنا، لذلك أقدمنا على التشكل السياسي كي نجعل من تدخلنا عملا مسؤولا أمام المجتمع.

تونس في 1 أكتوبر2007